الصفحة الرئيسية

حين يكون المفكر فى محكمة العامة . بقلم عبد الرحمن بشير ( طارق رمضان ) نموذجا

فى العقود الثلاثة الماضية ، ظهر المفكر الإسلامي العالمي فى الصحافة الغربية كنجم إسلامي ، ومحاور خطير ، بل ويمارس المناقشات الفكرية فى الإعلام الغربي ، وخاصة الفرنسي ، وواجه المتطرفين بالتى هي الحسنى ، ولكن ظهر أن هذا المفكر ليس مناقشا عاديا ، ولا مفكرا من الدرجة الثالثة ، بل هو رجل قارئ جيد للفكر الإسلامي ، والفكر الغربي ، ولديه قراءة عميقة للفكر الإنساني ، ووصل إلى هذه الدرجة بعد أن اقتنع بأن رسالته ليست سهلة فى المجتمع الغربي ، بل هو إنسان يعيش فى وسط حي ، وديناميكي ، ومن هنا يجب أن يتسلح لهذه البيئة ، وحينها قرر أن يذهب إلى مصر ليتعلم اللغة العربية ، والفقه ، ومقاصد الشريعة ، وتتلمذ كما قال على يد الفقيه المصري الدكتور على جمعة ، المتخصص فى أصول الفقه والشريعة .
تخصص الرجل بالفلسفة الغربية ، ولكنه ليس فيلسوفا ، وإنما هو دارس جيد للفلسفة الغربية ، وغيرها من الفلسفة الإسلامية ، ولديه قوة غير عاديةفى تفكيك الفكر الغربي ، والذهاب إلى العمق ، كما إن الرجل يتمتع  بذاكرة حادة فى الحفظ ، والإستدعاء ، وعنده أسلوب رائع فى الحوار مع الغرب ، ووهبه الله قوة فى الإقناع ، كل ذلك جعلت الرجل رقما صعبا فى الأوساط الفكرية عالميا .
يتكلم الرجل اللغة الفرنسية كأهلها ، وهو من أهلها ، والإنجليزية كأهلها ، وهو ليس من أهلها ، ولكنه تعلم ، وعنده مقدرة جيدة فى فهم اللغة العربية ، ومارس التدريس فى سويسرا ، وبريطانيا ، وأمريكا ، ومنحته بريطانيا منصب المستشار فى الظاهرة الإسلامية ، ولديه فلسفة خاصة به فى الإسلام الأوربي ، هل المسلمون يحتاجون إلى إسلام خاص بهم ؟ أم يحتاجون إلى فقه خاص بهم ؟ وقد طرح رؤيته الخاصة فى بعض كتبه .
يتميز المفكر الدكتور طارق رمضان عن غيره من المفكرين فى الغرب ما يلى :
أولا : الفهم الجيد للواقع الغربي من حيث الفلسفة ، والفكر ، فهو لا يكتب عن الغرب باللغة العاطفية ،بل يقدم دراساته باللغة الغربية المعقدة دون أن يفقد الأصالة الإسلامية .
ثانيا : الحضور المميز فى الإعلام الغربي ، ومواجهة الفلاسفة والمفكرين والسياسيين باللغة التى يتقنونها ، ومن هنا فهو ليس غريبا فيهم بلغته ، ولكنه غريب عنهم بفكره ولغته الفلسفية .
ثالثا : لديه قراءة غير عادية فى الظاهرة الدينية ، فهو يمارس النقد من أرضية صلبة ، ولكنه لا يمارس النقد لأجل الهواية .
إن هذا المفكر المعقد فى فلسفته ، وأفكاره ، وأطروحاته ، والبسيط من حيث إنسانيته ، يتطلب من المفكرين قراءة هادئة لمساره ، فهو إنسان يخطئ ، ويصيب ، ويتعثر ، وينطلق ، ولكنه ليس شخصا عاديا ، وليس صرحا من الخيال فهوى ، كما أنه ليس طيرا بسيطا طار فسقط ، تلك هي لغة غير علمية ، أو هي لغة عاطفية ، فالرجل فى المحكمة الفرنسية ، ونحن نحترم المحكمة ، فهي ليست أداة سياسية ، ولكن اعتقاله ليس جنائيا فقط ، ووراء العمل رؤي سياسية ، لأن الرجل واجه السياسيين فى الميدان ، ولَم ينهزم ، ومع هذا ، نحن ننتظر المحكمة كمرجعية قضائية مهمة فى الدولة الحديثة ، لها إستقلالية كاملة .
لأجل معرفة هذا المفكر ، يحب أن تكون لدينا أدوات المعرفة للإنسان المعقد ، والبسيط أيضا ، فهو مفكر ، وإنسان ، وأوربي مسلم ذو جذور مصرية ، ولديه علاقة معقدة مع المحيط ، فهو إسلامي غير مؤطر ، لديه حساسيات مع الإسلام السياسي ، واختلافات معروفة مع الجميع ، يعمل فى الميدان وحده ، ولكنه يحرك موسسات تابعة له ، يُؤْمِن بالعمل الجماعي ، ولكنه ليس مع أي جماعة ، هذا هو المفكر الغربي الإسلامي ، والعربي الغربي ، والدعوي المتحرر ، والمفكر غير السياسي ،  ولكنه يتناول فى خطاباته السياسة ، وليس بعمق كمفكر ، فهو ناجح كمفكر ، ولكنه ليس كذلك كسياسي ، إنه ظاهرة غريبة ، ولهذا ليس من السهل تناول هذه الشخصية بمقال ، أو مقالين .
نحن لا ندافع عن الدكتور طارق رمضان ، ولكن ندافع عن القيم التى نؤمن بها ، وعن المعايير التى يجب أن تكون حاضرة حين نتناول شخصية ، وقامة من قامات الفكر ، فلا بد من الإحاطة بهذه الأمور حين نقرأ الظواهر البشرية المؤثرة ، والكبيرة :
١ – العدل مطلوب فى قراءة الأفكار ، والأشخاص ، والجماعات ، والأمم ، فلا يجب أن نمسح تاريخ إنسان ما لأجل مرحلة ما ، فلا نبخس حقه فى الإعتبار ، ولا نعطيه فوق حقه ، فلا بد من ميزان دقيق ( ووضع الميزان ) ، وقديما طالب ابن تيمية رحمه الله استخدام العدل والعلم معا فى تناول الأشخاص .
٢ – التفريق بين الفكر والعمل ، هذا مهم جدا ، وخاصة حين نعرف أن المفكر مهما علا مكانته ، فهو بشر ، وليس من الصواب أن نترك علمه الجم ، وفكره الثاقب لخطأ ارتكبه ، أو زلّة وقعت منه ، أو حتى كبيرة سقط فيها ، فكم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام شربوا الخمر ، وأقيمت عليهم الحد ، وكم من وجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قتلوا أشخاصا بغير وجه حق فى المعارك خطأ كما فعل خالد رضي الله عنه ، ولَم يعاقبوا ، هناك خطأ بشري  ، وهناك عالم دين ، ومفكر إسلامي يمارس حقه الطبيعي فى الإجتهاد ، ومن الخطأ المنهجي الربط بينهما بشكل تعسفي  ، فيجب أن نفرق بينهما بشكل جيد .
٣ – نحن لانتعامل مع المفكرين كمراجع دينية لهم عصمة ، نحن نتعامل معهم كبشر ، والبشر لديهم ميزان فى الآخرة ( ثقلت ) أو ( خفت ) فليس هناك مفكر كامل ، أو إنسان سوبرمان .
٤ – لا يجب أن نقرأ المفكر فى لحظة واحدة ، بل يجب أن تكون لدينا خريطة فكرية متكاملة ، فيها الماضى ، والحاضر ، والمستقبل ، فقد نختلف مع إنسان مفكر ما الآن ، ولكنه قد نتفق معه فى المستقبل ، وخاصة حين يكون للمفكر عطاء غير عادي مثل الدكتور طارق رمضان .
٥ – إن القضاء الغربي لا يرى جريمة فى ممارسة ( الجنس الآمن )، أي الجنس الذى يتم برضا الطرفين ، ولكن هناك من تدعى بأن الرجل مارس معها الجنس بدون رضاها ، أي بصورة من صور الإكراه ، وليس عند القضاء الفرنسي حتى الآن كما قال محامي الدكتور رمضان ما يثبت ذلك ، ولكن هل مارس  الدكتور رمضان الجنس مع بعض النساء ؟
نحن لا نؤكد ذلك ، ولا نكذب ،بل نحن ننتظر ، ومع هذا فهو ليس ملكا ، ولا معصوما ، بل قد يفعل ذلك ، وقد لا يفعل ، والإنسان بريئ حتى تثبت إدانته ، ولكن نؤكد أيضا أن الدكتور رمضان سيبقى ظاهرة رمضانية ، سيبقى مفكرا إستثنائيا ، وكاتبا قديرا ، ومثقفا بارزا ، وليس من الحكمة بشيئ أن يكون البعض مع الحملة بلا رحمة فى زمن قلت فيه الرحمة والإنسانية .
أنا من المتابعين فى إبداعات المفكر السياسي الكبير الدكتور محمد الشنقيطي ، أستاذ الأخلاق فى قطر ، بل ومن المعجبين فى طرحه واتزانه ، ولكن هذه المرة ، لم يكن الصواب معه فى ما كتبه عن الدكتور رمضان ، زميله القديم ، وقد اختلفا بعد أن اجتمعا ، وتفرقا بعد أن عملا معا ، وتلك هي سنة الحياة ، ولكن من الصواب أن ننتظر قليلا حتى تتضح الأمور ، ويعود الميزان إلى طبيعته ، فليس من الحق أن نتحدث عن بناء فى عالم خيال انتهى ، ذاك أمر لا يستقيم مع قامة مثل الدكتور رمضان ، فقد كان قامة فكرية ، ولَم يكن قامة من قامات الصلاح ، ولا قطبا من أقطاب الأولياء ، كان مفكرا ، ومناضلا ، ما الذى حصل له ؟ هل تراجع من عالم الفكر ؟ وهل سقط من القمة ؟ قرأت للدكتور الشنقيطي مقالا من أوراق الربيع العربي حول الأستاذ رمضان (  رمضان ، كان صرحا من خيال فهوى ) ، فكان مقالا ثقيلا ، وبعيدا عن منهجية الدكتور محمد الشنقيطي ، ولهذا رأيت أن من واجبى أن أدافع عن القيم ، والأخلاق .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى