إلى الرئيسيةالسياسة

” السنغال في القلب” : ملاحظات قارئ فُضُولي

أصدر رئيس الدولة السيد مكي سال كتابا بعنوان ” السنغال في القلب “.وإن هذا الكتاب اللذي  يقع على 167صفحةأثار جدلا في الساحة. ولا أعتقد أن من الممكن تصنيف الكتاب في صنف المذكرات، ذلك لأن الكاتب مازال في مستهل حياته المهنية، كما لايُمكن تصنيفه في فئة الروايات التاريخية لأن الكاتب لا يأخذ في عين الإعتبار التسلسل الزمني للأحداث، بل أظن أن الكتاب يدخل في خانة كُتب السير الذاتية حيث أن السيد مكي سال يحكي لنا  بكل شفافية جوانب من حياته العائلية والمهنية.

بعكس مايرى  بعض النُّقاد( ومعظمهم من رجال السياسة)، جاء الكتاب في الوقت المناسب، حيثُ أن الكاتب يُنهي ولايته الرئاسية الأولى ويتطلع إلى ولاية ثانية من خلال انتخابات 2019 القادمة. وعليه، فمن المنطقي أن يكشف للقُرَّاء جوانب غامضة في حياته المهنية والعائلية، خاصة وأنه يُفسِّر لنا بعض الأحداث والمواقف التي لم نكن لنعلم مدلولاتها لولا هذا الكتاب.وإني أفضّل مثل هذا الكتاب من بعض البرامج المُفبركةوالتي تُصاغُ وتُعدّ في مكاتب الدراسات بفندق سينْ جامْس بباريس أو حتى من مدينة سِيليكُونْ فالي الرقمية بالولايات المتحدة الأمريكية. إن الإنتخابات الرئاسية لقاءٌوموعدٌ هامّ بين المترشح والشعب،  ولذلك فإن من المهم أن يتخلى المترشح عن قناعه ويُخاطب الشعب وجهاً لوجه.
وعودةً إلى الكتاب، أشير إلى أهمية الفقرة التي تناول فيها المؤلف إنتماءاته النَّسبية بوصفها بأنها مُتواضعة : ” أنتمي إلى أسرة متواضعة ومُتمسِّكةفي نفس الوقت بالقيم الخُلُقيمة السامية التي تتلخّص في حُبّ العمل والجُهد، والإستقامة والشجاعة ورباطة الجأش والمُروءة”. وركَّزَ المؤلف على القيم النبيلة التي تُجسِّد حَجَر الزاوية في تربيته.
ولعلّ تمسّكه بهذه القيم أدّى به إلى تجاوُزِ بعض التحديات الصعبة في حياته، وذكر منها اتّهامات سابقه الرئيس عبد الله واد، ولم يتردّد الكاتب في سَردِ شتائم الرئيس الأسبق تجاهه، واستغرب بطبيعة الحال، أن تَصدُر هذه الكلمات من” شخص يُمثِّلُ عندي المرجعيةالسياسية والقائد، ألا وهو عبد الله واد اللذي وضع بصماته على تاريخ هذا البلد”. وأَبَى السيد مكي سال ان ينهار إلى هاوية الشجار مع شخصية يُكِنُّ لها بالتقدير والإحترام.
وعن التحديات التي عاشها في حياته المهنية والعائلية، ذكر قصة ظريفة عاشها مع زوجته السيدة مريم فاي التي يقول عنها بأن ” ابتسامتها وفُكاهاتها أفصَحُ من كلامها ” فقال:
” عندما ولدَتْ ابنَها الأول وهي في السنة الأولى الجامعية، كُنَّا نترك الطفل مع زوجة صديقي الراحل عثمان ماسيك نجاي، وهي صديقة حميمة لزوجتي. وذات مرة، وكلانا خارج البيت، اتّصلتْ بي السيدة في المكتب وأخبرتني عن أن الطفل يبكي بُكاء شديدا ويرفُض عن تناول الطعام. غادرتُ المكتب فوراً إلى المنزل حيثُ وجدتُّ الطفل في حالة مُؤلمة لشدة بُكائه. حاولتُ إسكاتَه بدون جدوى، فاضطررتُ لِحَمله إلى أمّه في الجامعة. وعند وُصولي لم أتردّد في الدخول إلى قاعة الدرس فخرَجتْ معي فوراً إلى ساحة الكُليّة وبدأت تُرضع طفلها، فسَكَتَ في الحين، ثم قالت لي : هذا آخر درس لي في الجامعة. إنّي أُفضّل الإعتناء بطفلي من الدراسة” ثم رجعنا إلى البيت، وفعلاً لم ترجع قطُّ إلى الجامعة منذُ ذلك اليوم”.
وقفتُ وقفةأمام هذا التصرف الفريد من نوعه في زَمَن تدّعي فيه المرأةبالمساواة مع الرجل وتُكرّرُ ادّعاءات زائفة مفادُدها أن المرأة لم تُخلَق للإنجاب ولا للإنشغال بالأعمال المنزلية.قُلتُ في نفسي إن مُجرّد هذه القصّة تكفي  لتاليف كتابٍ. وانطلاقا من هذه القصة الجذّابة، أعتبِرُ بأن ” السيدة الأولى” مريم فايْ تستحقُّ فعلاً هذه التسمية وأن من حقِّها أن تدّعي الإنتماء إلى جدّاتناالكريمات واللائي سَجَّل التاريخُ أسماءهنّ بحِبْرٍ من ذَهب،أمثال سخن آدم عائشة، وسُخْن جارية الله بُوصُو، وسخن فاوادْ ويلي، وسُخن جُومباتْ امبوج، والسيدة آلين سيتُويي جَاتَا، وغيرهن من النساء الفاضلات لسنغالنا المحبوب.
وأعتقد جازما بأن الكتاب يحتوي علي معلومات هامّة إلى درجة أنّني لا أستبعِدُ أن  يُّدرَّس يوما ما في المدارس العُليا للعُلوم السياسية. ذلك لأن السيد مكي سال هو الرقم الثاني الوحيد لعبد الله واد، والذي استطاع أن يواجهه، بل وأن يتغلّبَ عليه في انتخابات 2012 بفارق ما يُناهز 30%من الأصوات. ويعني ذلك أن الرجل يتمتع بمهارة سياسية لا يفهمها كثير من مُنافسيه.
وأدعو الجميع إلى قراءة الكتاب،لا بعَين  الرجل المُنافس، ولكن بعين للقارئ المُنصِف.
الأستاذ/محمد بامبا نجاي وزير سابق للشؤون الدينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق