إلى الرئيسيةالثقافةالدين و الترييةالملفات

الطريق السريع إلى طوبى “ILA TOUBA”بين السياسة والخدمة

الطريق السريع
إلى طوبى “ILA TOUBA”بين السياسة والخدمة
م
أعوذ بالله بسم الله إن وليي الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه
وبعد, فقد بث مشروع الطريق السريع “إلى طوبى” جدلا عريضا في الأوساط الدينية والسياسية داخل الوطن السنغالي منذ بداية تفكير الرئيس الحالي إلى بنائها والقيام بوضع أول لبنة من لبناتها، جدلا أكثر محتوياته آراء وانتقادات لاذعة موجهة إلى الحكومة الفيصالية بعضها من الشعب الحر والأخرى من الأحزاب المعارضة، ووراء كل تلك الآراء حقائق يجب الكشف عنها وتحليل ما يحتاج منها إلى بيان.

أولا: آراء الشعب والساسة حول مشروع الطريق:
هناك آراء كثيرة ومختلفة من عند الجمهور حول مشروع الطريق “إلى طوبى” وتلك الآراء تتلخص فيما يلي:
1.الرأي القائل بأن المشروع مطلب ضروري من مطالب المدينة المقدسة وأن الرئيس قد حقق به خدمة كبيرة لطوبى المحروسة ولبانيها رضي الله عنه، وهذا رأي بعض المريدين وبعض المحللين من سكان البلاد، ويعللون ذلك بأن المدينة المقدسة مكان يتواجد في الطرق المتوجهة خلق بمواصلاتهم كثير ذهابا وإيابا وخاصة الطريق العام “طوبى دكار” الدائر بين أكثر المدينتين سكانا في السنغال، فكان مما لابد منه وضع طريق آخر وسريع يسهل التنقل من وإلى المحروسة.
2.الرأي القائل بوجود مدن أخرى في سنغال هي أكثر أحقية بهذا الطريق من طوبى، حيث تجد طرقا موجهة إليها إلا أنها وعرة على درجة لابد لسالكها قطعا من العذاب الأليم، وعلى هذا فإن بناءها ليس سوى تجارة شنيعة لا إخلاص فيها ولا شفافية ولا عدالة. وهذا رأي لبعض السنغالين الساكنين في الأوطان خارج منطقة جربل وما وراءها.
3.رأي يعترف باستحقاق المدينة للمشروع إلا أنه يراه سياسيا غير خالص النية، إنما هو لكسب ود وأصوات سكان المحروسة المعروفين بالنفور من الرئيس ماكي، وأنه مشروع تجاري يستفيد منه الأجانب قبل الأقارب، وعلى هذا فإن هذا العمل لا يستحق أي فرح أو شكر من سكان المدينة المقدسة وعليهم أن لا يعطوا لمناسبة تدشينه بالا بل وبالا. وهذا رأي لأتباع بعض الأحزاب المعارضة من الشعب ولبعض المريدين أيضا، حتى أن هناك منهم يراه مجرد خدعة.
ولا أزال أتذكر البيت الرائع الذي قاله شاعرنا البطل أبو مدين شعيب اتياو الطوباوي في مناسبة وضع الحجر الأول لهذا المشروع:
إلى طوبى خيال أم حقيقه لعمرك إنهم خدعوا الطريقه
وقد علقت على البيت في تلك اللحظة ببيت هو:
إلى طوبى يكون وكان حقا ومن يخدع يخن دهرا فريقه
وعلى كل فإني أطلب لبعض أصحاب هذا الرأي أمثال سيدي أبي مدين عذرا علما بأن هدفهم الأساس هو حماية مبادئ المريدية التي منها البعد عن المخططات السياسية والاعتماد على النفس والحذر من أهل الدنيا الغرور.

4.رأي قائل بأن هذا الطريق كان مشروعا خاصا للرئيس السابق الجد عبد الله واد ككثير من أعمال الرئيس الحالي، وإنما تبناه هذا الأخير ليقول الشعب أنه ذو رأي صائب وأنه عمل كذا وكذا … وعلى هذا فالشكر ورد الجميل في هذا العمل إنما يجب للرئيس واد لا لصال هذا. وهذا رأي أكثر المنتمين إلى الحزب الديموقراطي بي دي اس “PDS” حزب الرئيس واد.

ثانيا: حقائق وراء تلك الآراء:
إن مناقشة هذه الآراء حول هذا الموضوع في بلد مثل السنغال يحتاج إلى دقة في النظر وحيادية نادرة وموضوعية تجعل المحلل ينظر فقط في مصلحة العامة لا في مصلحة رجل أو حزب سياسي أو معارض، حتى لا يتحكم عليه الوازع العدواني أو العاطفي.
بناء على ذلك أرى أن هناك حقائق وراء كل من تلك الآراء أهمها:
1.أن القول بأن المشروع مطلب ضروري وأن القائم بها مخلص، وخلاص. يجب استرضاءه مقابل ذلك، فهذا قول سطحي جدا عار عن النظر الواعي للواقع السياسي، وقد يعذر لقائله إن كان من الجاهلين عن السياسة السنغالية المعاصرة.
2.القول بأن المدينة غير مستحقة بها إلى هذه الدرجة، قول يشك أن يكون وراءه تعصب محض، وبيان ذلك أن لكل قطر في البلاد مكانته ومستحقه، فعلى سبيل المثال: إن دكار التي تعتبر عاصمة السنغال ومدينتنا الأولى لا تسوى في الحقوق بمدينة فاتيك التي لم تصل حتى إلى درجة المدينة الثالثة في البلاد رغم كونها منطقة رسمية، وكذلك طوبى رغم كونه مجرد بلدية في الحكومة إلا أنها تتمتع بمرتبة ثاني مدن السنغال والرحلات نحوها أكثر وخراج طرقها أكثر في نظر الحكومة من خراج المدن غيرها وأقل تكلفة، ومن هنا فالمصلحة المشتركة للجميع يكمن في جعل المشروع لطوبى بغض النظر عن معارضة الحكومة أو مناصرتها.
3.القول بعدم استحقاق المشروع فرح أهل طوبى وتحشد جماهيرها لتدشين الطريق، رأي خلفه بعض آثار العداوة القديمة والبغض للرئيس الحالي، كما أن هناك تسفيه صريح للمجتمع في طوبى بمن فيهم الزعماء والعوام، لأنه يجب على كل أن يدرك أن المشروع حتى وإن كان تجاري وإن كان المريدون أكثر من يشترون رخص المرور على الطريق فإنهم من يستفيدون به أكثر من غيرهم. لماذا؟ لأن الطريق منتهية إلى مدينتهم فيستفيدون منه ذهابا وإيابا ولا أهمية هنا في كون الانتفاع بمقابل، فكم من مجتمع يحتاجون إلى مستشفيات حتى ولو عن طريق الشراء، بحيث يحصدون عليها لو تحققت لهم تلك الأمنية، ولا يسألون عن السبب أبدا حين يجتمعون لتدشينها! فلماذا يسأل لأهل طوبى؟ وزد على ذلك أن العوائد بعد تمام الدين يستوي فيه أهل طوبى وغيرهم، فيكون قد انتفعوا به مرتين دون الآخرين. حتى وإن المشروع حكومي إلا أنه يهم المدينة المقدسة أكثر من غيرها، وما يهم طوبى لابد أن يعتني به المريدون اعتناء بالغا كما لو كانت في مدينة أخرى غير المحروسة. إلا أني كما قلت سابقا أتفاهم مع بعض أصحاب هذا الرأي، لخلاص نياتهم بأنهم يشددون فقط على من يحاولون خداع المريدين بأشياء مادية محضة وهدفهم الأسمى هو تنبيه النائمين الذين يحسبون كل صيحة لهم وإن كانت عليهم.
أما القول بأنه مشروع الرئيس السابق، فهو لا يبعد عن الرأي القائل بوجود مدن أحق به من طوبى، وراء كل منهما تعصب لمدينة أو لحزب الجد، فإنه حتى وإن كان للرئيس السابق فضل في تخطيط المشاريع فإن ذلك لا يمنع للرئيس الحالي أن يكون له فضل التحقيق لها، فهذا هو أفضل بكثير من أن يأتي رئيس يقلع كل مشاريع الحكومة قبلها حتى وإن كانت مفيدة باحتجاج أنها مشروع حزب غير حزبه، فهذا هو الخطأ بعينه.
والذي يعجبني أكثر هو أن هناك من يجمعون بين هذا الرأي الأخير والرأي الثالث! وذلك يعني أن المشروع على صواب بكونه بنات فكر الرئيس واد، أما وإن تبناه الرئيس الحالي ونجح في تحقيقه فهو سياسي ولعبة!
فانظر هذا التعارض! اظن أن العدل هو النظر في الإنجاز لا فيمن ينجزه أكان صديقا أو حبيبا.

ثالثا: ما يجب أن يعرفه المريدون:
إن الإشكالية التي لاقاها أكثر المريدين في القضية مبدئية الأصل، حيث يؤمن المريدية كطريقة صوفية بالإخلاص وابتغاء مرضاة الله في أي عمل وذلك هو الذي يتجسد للنظرية مبدأ “الخدمة” الذي يعتبر من أهم مبادئ الإسلام عامة والمريدية خاصة، ولا شك أن هذا المبدأ قد لا يوافق في كثير مع السياسة لا بالمعنى الصحيح الذي يرمي إلى حسن تدبير أمور الناس، بل بالمعنى السنغالي الغربي الذي يعني حسن تخدير عقول الناس والذي يعتمد على المبدأ الحيواني القائل بأن “الغاية تبرر الوسيلة” فترى الساسة يقدمون للناس أعمالا وحتى إن كانت حقا للشعب إلا أنهم يريدون به مجرد أصوات يوم الانتخابات.
وفي هذا الوضع يحتاج المريد فقط أن يعرف ويميز جيدا بين الجد والهزل في الأمر ويقف على الحقيقة على الزيف، فمن هنا يأمن من الوقوع على الخدعة إن كانت فيفشل الكمين بطريقة محكمة لا يكون فيها أدنى ضرر، والحق الحق أن المشروع هذا وإن كانت شبه خدمة كما يعبر البعض فإنه لا يخلو قط من سياسة بل قد يكون كلها سياسة بالنسبة للحكومة لا للشعب الذي يميز الحق من الباطل، فإنه يعتبره حاجة من حاجات الشعب يستحق وضع الحجر والعمل الجماعي والتدشين كأمثاله، فلا يتجاوز ذلك إلى لعب أو سياسة، وأرجو أن يكون ذلك في وعي الجميع.

وأخيرا أختم المقالة بتشجيع شعب طوبى المحروسة جميعا على الخصوص وسكان السنغال على العموم بتلبية دعوة الخليفة إلى تدشين الطريق السريع ILA TOUBA غدا يوم الخميس الموافق 20 ديسمبر 2018 كما استجابوا الخليفة الراحل رحمه الله ورضي عنه يوم وضع حجره الأساسي وكما استجوابوا لجميع سلفه في مثل هذه الأيام، علما بأن المشروع مخصص للمدينة المقدسة، حتى وإن كانت في الأمر سياسة، فهو محتمل لأنه عمل رجل سياسي يعطي ليأخذ، وحتى أنا لا أرى العمل هذا خدمة خالصة بل السياسة فيه أكثر، ومع كل لا يعني الحضور في المناسبة -كما يفسر البعض- وقوفا في صف الرئيس الحالي، فقد سبق أن حضر المريدون في وضع الحجر الأول كما سبق أن حضروا في مناسبات مثل هذه للحكومة فيها يد دون أن يجعلهم ينتخبون الرئيس القائم بها، إلا أني في هذه العجالة أذكر الجميع أن هذا الحدث وإن أراد الرئيس وأنصاره أن يشتغلوه في صالح مستقبلهم السياسي وذلك هو الصواب بالنسبة للاستراتيجية السياسية التي يتفننون فيها وخاصة في هذه الآونة قبيل حلول موعد الانتخابات الرئاسية -أذكر المريدين أن يحترموا مبادئهم وأنهم يحضرون المناسبة لمبدأ مريدي أساسي هو “الإذن” قبل كل شيء، أما السياسة والدعاية فكلاهما في واد أرى من الممكن أن لا يتدخل فيها الحضور حتى وإن دعتهم الحكومة إليها، فأمر الخليفة الزاهد الشيخ منتقى حفظه الله -وهو الحفاظ على حرمة المدينة المقدسة- أحق أن يعمل به من غيره، {{أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى}}. والسلام على من اتبع الهدى.

بقلم خادم الطريقة/ صالح جون الريفاني
ليلة الأربعاء 11 ربيع الأول 1440الموافق 19 ديسمبر 2018م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق