إلى الرئيسيةالثقافةالسياسةالملفات

السونْكولوجية.. سؤال البديلِ وحتميةُ التغييرِ ج/: *محمد بشير جوب

 

السونْكولوجية.. سؤال البديلِ وحتميةُ التغييرِ ج/:

*محمد بشير جوب

مازال التاريخ يحفظ لنا في متونه رجالاً من معادن الذهب، ذكرياتهم خالدة وومواقفهم مشهودة، فهم الذوق الطريّ للتاريخ وسربقائه مصدرا وكنزا للتفاخر. وكما أن التاريخ مرآة تعكس معادن قومٍ ليكونوا قدوة للمعتبرين؛ فهو أيضا معيارٌ كاشف لمناقص قوم آخرين ليكونوا عبرة للباقين. وهذا مصداق قول أحد العظماء “إن التاريخ قائمٌ كلِّيا على هؤلاء الناس السيئين الذين يكرسون أناسا صالحين فيما بعد”، وتلك هي سنة الله على الأرض ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً.

وجديرٌ بالذكر أن التاريخ السياسي السنغالي الذي جزء لايتجزأ من التاريخ السياسي الأفريقي عرف أفذاذاً من الرجال في سياقاتٍ بيئيةٍ مختلفةٍ، كرسوا حياتهم في نضال شريف، ولم يؤت هذا النضال أكله كاملة حتى اللحظة. ومن غير الصدفة أن يكرر التاريخ نفسه ونجد الساحة السياسية الآن حبلى بأشبالٍ بقوا على عهد أسلافهم رافعين الراية في ظروف مختلفةٍ مع تحدياتٍ مشابهةٍ.

وفي واقع سياسي أشد من الجمر يظهر القائد السياسي البارز “عثمان سونكو” يحمل راية التغيير من خلال أطروحات وبرامج تنذر بأنه البديل المنتظر لتحدي النظام الطائش، وهاهو اليوم يمتلك كل مقومات النجاح في المستقبل القريب أو البعيد.

النخبة السياسة السنغالية.. شروخٌ وفخوخٌ

ظل مبدأ الميكافيلية السياسية سائدا على كل الممارسات السياسية في السنغال، ومازال هذا المبدأ متمكنا في الجيل السياسي الكلاسيكي. وذلك على غرار أغلب الدول الأفريقية. وبقاؤها كمبدأ سائد حتى الآن كفيلة بإجهاض كل محاولة إصلاحية، فالحاكم متمسك على كرسيه وكل الوسائل عنده سائغة للبقاء، بسبب الشره المفرط في السلطة.

وتظهر الميكافيلية السياسية الأفريقية في أكثر من صورة، فتارة تظهر في شكل استبداد مطلق من حاكم متفرد، وتارة أخرى تظهر في شكل أقلية من نخب مُنمَّقة، تروج وتدعي قيما عليا مثل الديموقراطية والليبيرالية؛ بينما تختزل كل هذه المبادئ في تفسيرات قاصرة لخدمة نفسه. وبعيدا عن التلميع والبحث عن الأعذار ظل الماضي السياسي السنغالي وحاضره في تعداد هذا النهج الأخير.

ولقد أنتجت السياسية الميكافيلية النخبوية في السنغال نظاما غريب الأطوار؛ ظاهره نعمة وباطنه عذاب. فبنيةُ هذا النظام وهيكلتُه نجحت على الأقل في إرساء شكل الدولة بشكل سليم، ولكنه فشل فشلا ذريعا في بناء الإنسان وبناء النخبة التي تعتبر الشطر الأساسي في بناء الدولة، ويصعب سرد أسباب ذلك في هذا المقام. وهذا النظام المختل المستمد من فُقاعات الإيدولوجية الميكافيلية بنكهة أفريقية. هو المسؤول الرئيس عن التخلف المطبق الذي غرقت فيه الدولة لمدة عقود. حيث تولدت منها شروخ أنهكت ومازال تنهك جسم هذا النظام. وتمثلت هذه الشروخ في مظاهر نذكر منها مايلي على سبيل المثال لا الحصر.

النمطية السياسية: وهي محاولةٌ لفرد عقيدة جماعية مطردة وثابتة، مفادها أن التكوين السياسي للنخبة السياسية الحالية واحدٌ وغير قابل للتغيير. ويصل الأمر إلى محاولة نسب هذه النخبة مع شقوقها وعيوبها إلى الكمالية والمثالية؛ ثم يُفسَّر كل سلوك يخالف توجه هذا النظام النخبوي بالشذوذ. ووفق هذه النظرة فيمكن أن نبحث عن أعذار ومخارج لكل هفوة يقع فيها النظام؛ ومن ثم تجاوزها كي تستمر حلقات التعثر إلى أجل غير مسمى. بينما لاعذر مقبولا لكل من يحيد عن هذا النظام ولو بسقٍّ من تمرة. وهذه النمطية السياسية هي المسؤولة عن وأد بُنَيَّة أفكار كل جيل إصلاحي قبل أن تنهض من مهدها.

العفوية السياسية: الأفكار التي صاغت النخبة الأفريقية لا تمت بصلة بالإنسان الأفريقي، لا بواقعه ولا بهويته أوثقافته، فتشكل من ذلك نظام عفوي ربما كان المراد منه أن يكون نظاما مرحليا. إلا أن عناد النخب وتقديرها السيء للأمور أدى إلى رسوخ أركان هذه الأنظمة العفوية في واقع هذه الدول. نتج عن هذا النظام العفوي سلوك وأداء عفوي لايستوعب حلولا للمشاكل الجوهرية للدولة الأفريقية. ويكفي الاطلاع على أداء الأحزاب الساسية السنغالية منذ الاستقلال إلى الآن للبرهنة على وقوع نخبتها في هذا الفخّ. فالنظام العفوي لاينتج إلا نخبا عفوية وبرامج سياسية عفوية، وهي غير قادرة على تحدي المسائل النهضوية التي مثلت أمام السنغال كدولة وتحتاج إلى تعامل جدي مختلف.

الانسحابية السياسية: السياسة مسؤولية والتزام يتطلب تفريغ كل الطاقات الفكرية والعملية من الشخص، هادفا في ذلك إلى بناء مقومات الدولة؛ ولا يكفي في ذلك القدرة الفائقة في التحمل؛ بل يقتضي أيضا كفاءة عالية تؤهل السياسي على بناء رؤية متكاملة تأخذ في الاعتبار كل الظواهر المفترضة، والقدرة على تنبؤ كل الاحتمالات الوادرة. ومن سوء الحظ أن الظاهرة الانسحابية السياسية جعلت النخبة السياسية السنغالية تحصر المسؤولية السياسية في أمور ضيقة تشغل بها الرأي العام الوطني وتنسحب عن القضايا المصيرية. والأسوء من ذلك تتعمد النخبة إلى سحب بقية الشرائح التي يرجى منه الخير في العمل السياسي من الساحة السياسية؛ من خلال شيطنة العمل السياسي بذاته حتى تطون مدعاة للعيفان، ومن ثم تنفرد هي بالشؤون العامة للناس وتحدث فيها الفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق