الثقافةالرياضةالسياسةالصفحة الرئيسية

المشيخة الدينية والزبونية السياسية ، قراءة في الاستحقاقات والإخفاقات* *أ. أحمد المختار لوح*

*المشيخة الدينية والزبونية السياسية ، قراءة في الاستحقاقات والإخفاقات*

*أ. أحمد المختار لوح*

تمثل المشيخة الدينية في السنغال مفارقة حساسة وغريبة في إطار العلاقة بين الدين والدولة ، أو بمفهوم آخر بين الموروث العلماني في الحكم والإدارة من جهة ، والحقائق الاجتماعية المتجذرة على أرض الواقع من جهة أخرى . فالمشيخة الدينية أو بالأحرى المرجعية الصوفية العليا تمثل في بنيتها وفي إطارها العام سطلة موازية أو دولة على هامش دولة في السنغال ؛لاضطلاعها على مهام اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية تفوق ممارسات مؤسسات المجتمع المدني في الديمقراطيات الليبرالية الحديثة أو جماعات الضغط ومفهوم الناخبين الكبار في تجربة الولايات المتحدة الأمريكية المعاصرة … ترى ماهي المشيخة الدينية وكيف تجذرت في الذاكرة والواقع ؟ وما هي أنماط تعاطيها وتفاعلها مع الحياة السياسية في التجربة السنغالية قديما وحديثا ؟ وما هو مستقبل هذه المشيخة مؤسساتيا في ظل تنامي وصعود خطاب ديني جديد يستنسخ في مقارباته وأطروحاته أدبيات وتجارب حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي ؟
هذه التساؤلات وغيرها التي تؤرق عددا من المهتمين بالهم العام السنغالي، والمتابعين لشؤنه وشجونه؛ هي ما سنحاول الإجابة عنها في السطور القادمة، بتحليل هذه الظاهرة في بيئتها الداخلية والخارجية وفق نظرية ( سوات ) القائمة على تحديد أبرز نقاط القوة والضعف ، وأبرز الفرص والتحديات والتهديدات ..
أولا : المشيخة هي زعامة دينية واجتماعية، يرجح أنها وفدت إلى بلادنا إثر نجاح حملة المرابطين بزعامة الفقيه (عبد الله ياسين الجزولي في الأسلمة العمودية للمنطقة منذ الخامس الهجري ، وتوحيد مرجعيتها العقدية والفقهية ( السنية المالكية ) ، حيث نتج عن ذلك تفرغ عائلات أفريقية معينة للتفقه في الدين والرباط في سبيل الله، عرفت لاحقا بالزوايا في الحوض الشمالي لنهر السنغال و” دوم سخن في بلاد الولوف ” ” أو التوردو” عند القبائل الفلانية في فوتا .
ولما اندلعت في الجزء الشرقي لمنطقة النهر مواجهات حادة بين الحسانيين المحاربين والقبائل المناصرة لها في القرن السابع عشر، وبين المشائخ الفقهاء المعروفين بالطلبة وأتباع الزوايا، وهي سلسلة معارك مشهورة في التاريخ الموريتاني بحروب (شرببة ) أسفرت عن انهزام الزوايا عسكريا واستشهاد الزعيم الروحي لهذا الاتجاه الإصلاحي الشيخ (ناصر الدين )غير أن أفكاره لم تمت بموته ؛ إذ انشغل مجتمع الزوايا في بلاد شنقيط بوظائف التعليم والتربية والدعوة إلى الله ، ومراقبة الحكام وتوجيههم ، علاوة على وظائف تنموية وخدمية عامة كالتجارة وتربية الماشية والزراعة وحفر الآبار وتسيير القوافل التجارية بين شمال الصحراء الكبرى وجنوبها ، وإصلاح ذات البين ورعاية المحرومين والمستضعفين … كما انتقلت شرارة هذه الحركة الفقهية الصوفية الإصلاحية إلى الجزء الجنوبي من نهر السنغال وتحديدا في بلاد (فوتا) التي شهدت في نهاية القرن الثامن عشر ميلاد ثورة علمائية قادها فقهاء من خريجي مدرسة بير الإسلامية في عمق (كجور) أفرزت قيام دولة مدنية بالمفهوم الحديث للدولة، تقوم على عقد اجتماعي نبيل يتم بموجبه اختيار القادة والمسؤولين على أساس العلم والفقه ، والكفاءة والنزاهة، وحسن السيرة والسلوك ، والتي تذكرنا في نسق حكمها وتسييرها بالموروث الراشدي في إدارة الشأن العام الذي أجهض مبكرا بعد استعادة نظام الإقطاع والاستبداد بصيغته البيزنطية . وبالرغم من قصر عمر هذه الدولة مقارنة بجاراتها المعادية لها ومحدودية تأثيرها في أوساط عامة المسلمين الذين ظل جلهم يخضعون لنظم حكم مستبدة تعيش على السلب والنهب والقرصنة ؛ إلا أنها أعادت إلى الأذهان فكرة الرتق بين الفقه والحكم أو بعبارة أدق : الربط بين السلطة العلمية والسياسية ، فالعلماء الفقهاء الربانيون بموجب هذا التنظير والتطبيق هم أحق الناس بتولي الحكم وتسيير أمور العامة لجمعهم بين الأمانة والكفاءة اللتين لخصتا لنا السيرة الذاتية لسيدنا يوسف عليه السلام مرشحا لوزارة الاقتصاد والخزانة العامة في مصر .
وهكذا تأسست عدة مشيخات دينية من مخرجات مدرسة (بير) الكبرى وروافدها كمدرسة (كوكي) القديمة ، لتشكل بذلك سلطة دينية اجتماعية سياسية اقتصادية موازية حولت أراضيها إلى حرم آمن أو مناطق محايدة ومنزوعة السلاح بالمفهوم القانوني المعاصر، اختيرت لها أسماء مدن مقدسة في الذاكرة الإسلامية كالمدينة وطيبة ومكة ، وفاس ، وبغداد ، أو مقتبسة من القرآن الكريم كطوبى ، ودار السلام ، وحسن المئاب . وقد حرص مؤسسو هذه المدن على جعلها تطبيقا عمليا لنظرية المدن المثالية الفاضلة التي تخيلها الفكر الإنساني قديما على أكمل وجه وأحسنه وأشمله حيث روعيت في التخطيط العمراني الرؤية الإسلامية في الفصل بين الجنسين في السكنى والإقامة ، علاوة على رعاية الحد الأقصى من حقوق الجوار وضروراته المسطرة في الفقه الإسلامي من حيث سعة البيوت والأزقة ، وعدم إشرافها على المساكن الملاصقة، وإقامة الساحات الكبرى ودور العبادة والخلوة في قلبها؛ ولهذا اختار جل المستضعفين من ضحايا الإقصاء والتهميش والانتقاء الطبقي الانتقال إليها ومبايعة مشائخها على السع والطاعة في المنشط والمكره .. ويحكي الفرنسي ( شامبونو ) أحد أقدم الكتاب الفرنسيين الذين أتيحت لهم فرصة الإقامة في شمال السنغال وجنوب موريتانيا في القرن السابع عشر الميلادي نفوذ هؤلاء المشائخ الذي سماهم ( المرابطين ) واحتقارهم الشديد للقيم الثقافية والاجتماعية الغربية الوافدة ؛ مما يعني أنهم كانوا يشكلون خطرا كبيرا على الوجود الغربي الذي انحصر في مرحلته الأولى في إقامة المستعمرات التجارية وممارسة النخاسة ونهب المواد الخام ،، وهو التهديد الذي اتخذه لاحقا ذريعة لمحاربة المشيخة الدينية بلا هوادة قتلا ونفيا وتشريدا ومحاصرة وتضييق خناق ، وتحجيم نشاط ثقافي لتجفيف ينابيع فكرة الجهاد والممانعة الدينية، فقد تم في فترة قياسية لا تقل عن خمسين سنة من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهايته قتل ونفي العشرات من الأئمة والعلماء المعروفين ( حرق جامعة بير من طرف الحاكم بيني لابراد ، نفي عدد كبير من أئمة فوتا وشيوخ كوكي خارج البلاد ، القضاء على حركة الحاج عمر والإمام مبه جخوبا والحاج محمد الأمين درامي ، والشيخ أحمد باه الورومهدي بالتحالف مع المحليين ، نفي الشيخ / أحمد بمبا امباكي مرتين ) .
ويعتبر مولانا الشيخ الخديم –رضي الله عنه ورحمه – خير من وصف لنا الحالة الدينية للبلاد في تلك الفترة ، وانقسام المشيخة الدينية ( طبقة دوم سخنا ) إلى فئتين : فئة توكلت على الله واستنسخت نهج علماء الأمة الراشدين في رفض الظلم ومواجهة الطغيان والاستبداد كسعيد بن جبير ، وعبد الله بن الزبير ، وابن تيمية ، والعز بن عبد السلام – تقبلهم الله شهداء –فعانت مرارة النفي والتهجير والتضييق المستمر. وأخرى انبهرت أمام البارود والعتاد وانهزمت نفسيا بفعل مظاهر الأبهة والصخب والبذخ المصاحبة لمواكب هؤلاء الغزاة المستبدين .
وظنهم أهل الهوى والجهل لشأنهم أهل العلى والفضل
وظنهم كل سفيه غمر سادات أهل ذي الجلال الغر
وظن من لم يعقلوا واغتروا أنهم ، هم الكرام الغر
وطاوعوهم بالزنى والسرقة وغير ذين من فعال الفسقة
ومنهم من غره النصارى بوصفهم حتى الفؤاد حارا
وينسب الصنع الذي أجراه فيهم إله الخلق إذ دهاه
لهم ويعتقد أن الحولا وقوة الفعل لهم والطولا
ومنهم من إذا رأى نصراني يحسبه من ملائك الرحمان
ومنهم من ظن كون الأمر كالنفع والضر لهم في الدهر
قلت منبها يا قومي انتبهوا من سكرات النوم
لا تجعلوا منتفخا قد ورما مستسمنا فذاك جهل علما
ولا تظنوا أنهم قد فازوا بكل خارق وخيرا حازوا
ولا تظنوا أنهم ملوك بل إنما كلهم صعلوك
هذه القصيدة على وجازتها ؛ تشخص لنا بدقة مواقف عدد كبير من المحسوبين على المشيخة الدينية وتابعيهم من قضية الحكم التي آلت إلى هؤلاء المستعمرين بفعل الاحتكاك غير المتوازن بين القارة الأفريقية والدول الوطنية الأروبية التي أسالت لعابها ما تزخر به المنطقة من ثروات طبيعية ومعدنية وبشرية تمثل الوقود الأساس لحركة التصنيع والتسويق ، وتنم هذه المواقف عن مدى تحكم العقدة والانبهار في نفوس الشعوب الضعيفة المغلوب على أمرها وفقا لنظرية ( المغلوب مولع بتقليد الغالب ).
وعلاوة على القسوة التي عوملت بها هذه المشيخات في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر لتحجيم دورها و تجريدها من كل مقومات الوطنية وتغليب المصلحة الشرعية الدائمة ؛ فقد رأت الإدارة الاستعمارية تبنى الترغيب وسيلة لممالئتها وتحييدها عن الهم الإسلامي والوطني والإنساني العام ، فبادرت إلى اختراع مسميات وصفات لاعهد لمسلمي هذه البلاد بها مثل : ( الخليفة العام للطريقة الفلانية ، الشيخ الأكبر لمدينة دكار وعشائر الليبو). وهي تسميات غير محظورة شرعا لكنها تهدف إلى التفريق وإحداث القطيعة بين مكونات طريقة صوفية واحدة ذات سلاسل وأسانيد وإجازات متعددة ومختلفة . وقد أشرف حكام غرب أفريقيا الفرنسية بموجب هذا التدخل السافر في بنية المشيخات ونظامها العام أكثر من مرة على إدارة حرب باردة بين المشائخ والزعماء التقليديين، ومناصرة طرف ضد آخر لصرفهم جميعا عن تبني مشروع مجتمعي متحضر في إدارة الشأن العام للبلاد والعباد ، في إطار ما يعرف بسياسة الإلهاء التي اعتمدتها السلطات العامة في هذه البلاد منذ استقلالها وحتى تاريخ كتابة هذه السطور ، وتتلخص في تحويل المشيخة من مجلس إسلامي شوري يراقب عن كثب انحراف السلطة السياسية وتغولها إلى تنظيم إقطاعي فاسد يتخذ من الدين ذريعة للاستثراء والتمتع بمزايا وحصانات لا حدود لها، بشكل يسوغ له مبررات التحالف مع كل من يضمن ويراهن على استمرار هذا الوضع المترهل، ماسونيا كان أو ملحدا لا دينيا أو ليبراليا مكيافيليا متلونا ، وهو انحراف خطير في مسيرة هذه المشيخات وأحد مؤشرات الانهيار والتداعي التي أخذت ملامحها تبدو في الأفق إذا لم تتداركها نعمة من الله ببعث مجددين مصلحين من رحمها، من أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض و يذبون عن هذا التراث الإسلامي الوطني المجيد .

ثانيا: المشيخة وسباق الانتخابات(رهانات ومكاسب )
تعود علاقة السنغاليين بالانتخاب، باعتباره حقا مدنيا عاما إلى أواخر القرن التاسع عشر (1879 م) حين شارك المواطنون السنغاليون في اختيار أول نائب لهم في البرلمان الفرنسي، وكان جل هؤلاء المرشحين لهذا المنصب من الفرنسيين المقيمين في السنغال أو الخلاسيين الهجين ، وفي سنة 1914 م تم اختيار السيد/ بليز جاج (1972 م -1934 )من جزيرة غوري أول سنغالي أصيل لشغل هذا المنصب ،. وظل هذا الحق كسائر الحقوق المدنية أيام الاستعمار محصورا ومختزلا في سكان المدن الأربع ( سان لويس ، غوري، روفيسك ،دكار ) الذين اعتبروا مواطنين فرنسيين من الدرجة الثانية .
وكان للمشيخة دور ريادي في هذه الانتخابات كلها ؛ إذ حظي السيد (بليز جاج) بدعم قوي من مشائخ الصوفية لعلائق صداقة قديمة ربطته ببعضهم ، كما استطاع إقناع عدد منهم بالموافقة على التجنيد الإجباري لمحاربين في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى .. لكن ذلك كله لم يثنه عن تبني مواقف معادية للإسلام كمعارضته قانون تحريم الخمر وحظره على المجندين المسلمين في الجيش الفرنسي سنة 1928 م ، يضاف إلى ذلك مجاهرته بالانتماء إلى المحافل الماسونية التي ترقى فيها إلى أعلى المناصب محظيا بأرفع الأوسمة ، كما كان سببا رئيسا في نفي الشيخ / سيدي المختار امباكي المشهور بمام شيخ أنت امباكي إلى سيجو التي ظل فيها تحت الإقامة الجبرية حتى وفاة هذا الأخير .
وأسهمت المشيخة الصوفية والاجتماعية بشكل قوي في دعم السيد /انغالاندو جوف مسلم من قبيلة (الليبو) ومن مواليد (روفيسك) الذي تولى هذا المنصب إثر وفاة (بليز) واتخذ قرار إطلاق سراح الشيخ أنت امباكي وإعادته إلى أهله سالما ، كما دعم مشائخ (الليبو) ترشيح المحامي الدكتور / محمد الأمين غي المشهور ب: لمين كورا غي لشغل منصب نائب السنغال في البرلمان الفرنسي في انتخابات سنة 1941 م . وهو نفس الدعم الذي حظي به لاحقا خلفه في هذا المنصب الأديب (ليوبولد سدار سنغور) في انتخابات 1951 م 1952 م ، حيث وقف جل خلفاء الطرق الصوفية الرئيسة في البلاد إلى جانب هذا المرشح المسيحي ضد المسلم / محمد الأمين غي ,, وقد أحدثت هذه المواقف ردود أفعال متضاربة ومتباينة في أوساط الطرق الصوفية ، وأدت إلى مناوشات أحدثت حينها قطيعة وفجوة بين من تجمعهم روابط الدين والرحم .
وظل الرئيس الراحل (سنغور) يحظى بهذا الدعم طيلة فترة حكمه الممتد إلى عشرين سنة، ولما اختار ترك السلطة طواعية في سنة 1980 م ، استخدم هذه الورقة الرابحة مرة أخرى لدعم خلفه المسلم السيد / عبد جوف حيث أوفد أحد أبناء المشائخ المثقفين إلى خلفاء الطرق الصوفية لإقناعهم بصوابية هذا الاختيار ومناشدتهم ضرورة التعاون مع هذا الأخير والوقوف إلى جانبه لمواجهة اليسار الماركسي الذي كان يشكل – حينئذ – العمود الفقرى للمعارضة السياسية والنقابات العمالية والحركات الطلابية، وقد تحقق ما كان يحلم به الرئيس الشاعر ؛ إذ تفاعل الشيوخ مع هذا العرض بإيجابية منقطعة النظير ، ولم يظهر منهم ما يعارض أو ينغص حكم الرئيس عبد جوف ووقفوا معه إلى آخر لحظة ، ونادوا بالتصويت له في الجولة الأولى والثانية ، غير آبهين بدقة المرحلة وحرجها ، ضاربين عرض الحائط قناعات عامة الشعب وخصوصا الشباب منهم واختيارهم التغيير وصناعة أول تحول سلمي للحكم في السنغال وفي عموم غرب أفريقيا.
ومع وصول السيد / عبد الله واد إلى الحكم في بداية الألفية الجديدة بعد ست وعشرين سنة من المعارضة ؛ أخذ ت المجاهرة بهذا الدعم تتضاءل وتتلاشى باستثناء حالات قليلة تحسب ضمن الشواذ، كما يمثل الإقدام عليه اليوم مجازفة في حق الطريقة والجماعة لا تغتفر ؛ ومع ذلك يصر المرشحون في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية على الظفر بدعم قوي ومباشر من الخلفاء، والتعبير عن انتماءاتهم الطرقية بشكل أو بآخر ، وهو ما يعبر عن أزمة حقيقية تعيشها الديموقراطية السنغالية التي توصف عادة بواحدة من أنضج التجارب في أفريقيا جنوب الصحراء وأكثرها انضباطا وقدرة على إحداث التغيير والتداول السلمي للسلطة بهدوء وسلاسة .
والسؤال المطروح الآن بعد هذا السرد الوجيز لموقع المشيخة الدينية في معترك التجاذبات السياسية في بلادنا . هو ما ذا استفادت المشيخة الدينية من دعمها اللامحدود لمرشحين معينين في مختلف الانتخابات التي عرفتها مسيرتنا الديموقراطية ؟ سؤال يمكن الإجابة عنه بسوق جملة من المعطيات الآتية :
-حاولت المشيخة الدينية جاهدة في سنة 1959م بمبادرة من المرحوم الشيخ / أحمد امباكي غيدي فاطم إنشاء مجلس إسلامي وطني للإشراف على شؤون المسلمين في هذه البلاد ، ومواجهة مشروع دستور الاستقلال المقترح من طرف الجنرال (ديغول) الذي ينص على إقرار الطابع العلماني للدولة ومحو هويتها الإسلامية أو تذويبها وفقا لرؤية المدرسة الفرنسية للعلمانية ، أي بناء مدينة خالية من الله . وقد منيت المشيخة بفشل ذريع في مبادرتها الرائدة هذه ، فقد تم تمرير مشروع الدستور وإقراره والقضاء على ذلك المجلس الطموح في مهده ، واتخاذ بعض أعضائه بطانة شكلية هلامية لا تقدم ولا تؤخر لحكومة سنغور ، في وقت حظيت فيه الأقلية المسيحية بتسهيلات عقارية وإدارية لاحدود لها، مكنتها من إقامة أرقى المؤسسات التعليمية والصحية والإغاثية والإنمائية التي تصطاد يوميا شباب المسلمين وصباياهم .
– في سنة 1971 م قامت المشيخة الدينية برئاسة المرحوم الشيخ / أحمد امباكي غيدي فاطم بمراجعة مشروع قانون الأحوال الشخصية ذي المرجعية النابليونية وشطب كل المواد التي تتعارض مع نصوص الشريعة الإسلامية ، والتي وصلت إلى أربع وسبعين مادة ، مع اقتراح بدائل مستندة إلى تعاليم الإسلام السمح ، دين الأغلبية العظمى من الشعب ، ومن ثم مخاطبة رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه اللذين وعدا بمراجعة المشروع وحذف تلك المواد فيه ؛ إلا أن المشيخة فوجئت لاحقا بتمرير القانون كالعادة في البرلمان الوطني ، وما زال هو المعمول به في كافة المحاكم المدنية في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث .
-في نهاية التسعينيات ، وبالتحديد في سنة 1997م قامت المشيخة الدينية الصوفية بالتعاون مع الجمعيات الإسلامية بصياغة مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية ، تمت المصادقة عليه من طرف المرحوم الشيخ / محمد المرتضى امباكي والشيخ عبد العزيز الابن ، وتسليمه لاحقا إلى المجلس التشريعي لدراسته والتصويت عليه ، غير أنه ما زال قابعا في أدراج البرلمانيين الذين يعتبرونه مهزلة ومحل سخرية ، فلا يمثل هذان الشيخان الجليلان في نظرهم أية صبغة مؤسساتية تخول لهما اقتراح أي تعديل في بنود ذلك القانون الفرنسي المقدس .
-إعدام ابني المشيخة الدينية ( الشيخ مصطفى لوح في عهد سنغور ، والشيخ / خادم بوسو في عهد الرئيس عبد الله واد رحمهما الله وغفر لهما ) في ظروف مهينة غامضة ، شكلت ضربة قاصمة ضد المؤسسة الدينية .
هذه المعطيات وغيرها من الشواهد اليومية في الإهانة والإذلال بالمقدسات والرموز الإسلامية تكفي للحكم بأن المشيخة الدينية في بلادنا تلعب حاليا في الوقت بدل الضائع ، ولا تمثل أي وزن معتبر لدى صناع القرار وسدنته في بلادنا ، وبالتالي ؛ ينبغي أن تنأى بنفسها عن التقوقع عن الذات ، وتتخذ مبادرات شجاعة ومسؤولة في إدارة الشأن العام للبلاد والعباد، ومناهضة الظلم والاستبداد والمحسوبية والفساد ، بدل التمادي في تبرير نزق الحكام واستخفافهم بالمواطنين الغلابة، والله ولي التوفيق .
وللحديث بقية*المشيخة الدينية والزبونية السياسية ، قراءة في الاستحقاقات والإخفاقات*

*أ. أحمد المختار لوح*

تمثل المشيخة الدينية في السنغال مفارقة حساسة وغريبة في إطار العلاقة بين الدين والدولة ، أو بمفهوم آخر بين الموروث العلماني في الحكم والإدارة من جهة ، والحقائق الاجتماعية المتجذرة على أرض الواقع من جهة أخرى . فالمشيخة الدينية أو بالأحرى المرجعية الصوفية العليا تمثل في بنيتها وفي إطارها العام سطلة موازية أو دولة على هامش دولة في السنغال ؛لاضطلاعها على مهام اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية تفوق ممارسات مؤسسات المجتمع المدني في الديمقراطيات الليبرالية الحديثة أو جماعات الضغط ومفهوم الناخبين الكبار في تجربة الولايات المتحدة الأمريكية المعاصرة … ترى ماهي المشيخة الدينية وكيف تجذرت في الذاكرة والواقع ؟ وما هي أنماط تعاطيها وتفاعلها مع الحياة السياسية في التجربة السنغالية قديما وحديثا ؟ وما هو مستقبل هذه المشيخة مؤسساتيا في ظل تنامي وصعود خطاب ديني جديد يستنسخ في مقارباته وأطروحاته أدبيات وتجارب حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي ؟
هذه التساؤلات وغيرها التي تؤرق عددا من المهتمين بالهم العام السنغالي، والمتابعين لشؤنه وشجونه؛ هي ما سنحاول الإجابة عنها في السطور القادمة، بتحليل هذه الظاهرة في بيئتها الداخلية والخارجية وفق نظرية ( سوات ) القائمة على تحديد أبرز نقاط القوة والضعف ، وأبرز الفرص والتحديات والتهديدات ..
أولا : المشيخة هي زعامة دينية واجتماعية، يرجح أنها وفدت إلى بلادنا إثر نجاح حملة المرابطين بزعامة الفقيه (عبد الله ياسين الجزولي في الأسلمة العمودية للمنطقة منذ الخامس الهجري ، وتوحيد مرجعيتها العقدية والفقهية ( السنية المالكية ) ، حيث نتج عن ذلك تفرغ عائلات أفريقية معينة للتفقه في الدين والرباط في سبيل الله، عرفت لاحقا بالزوايا في الحوض الشمالي لنهر السنغال و” دوم سخن في بلاد الولوف ” ” أو التوردو” عند القبائل الفلانية في فوتا .
ولما اندلعت في الجزء الشرقي لمنطقة النهر مواجهات حادة بين الحسانيين المحاربين والقبائل المناصرة لها في القرن السابع عشر، وبين المشائخ الفقهاء المعروفين بالطلبة وأتباع الزوايا، وهي سلسلة معارك مشهورة في التاريخ الموريتاني بحروب (شرببة ) أسفرت عن انهزام الزوايا عسكريا واستشهاد الزعيم الروحي لهذا الاتجاه الإصلاحي الشيخ (ناصر الدين )غير أن أفكاره لم تمت بموته ؛ إذ انشغل مجتمع الزوايا في بلاد شنقيط بوظائف التعليم والتربية والدعوة إلى الله ، ومراقبة الحكام وتوجيههم ، علاوة على وظائف تنموية وخدمية عامة كالتجارة وتربية الماشية والزراعة وحفر الآبار وتسيير القوافل التجارية بين شمال الصحراء الكبرى وجنوبها ، وإصلاح ذات البين ورعاية المحرومين والمستضعفين … كما انتقلت شرارة هذه الحركة الفقهية الصوفية الإصلاحية إلى الجزء الجنوبي من نهر السنغال وتحديدا في بلاد (فوتا) التي شهدت في نهاية القرن الثامن عشر ميلاد ثورة علمائية قادها فقهاء من خريجي مدرسة بير الإسلامية في عمق (كجور) أفرزت قيام دولة مدنية بالمفهوم الحديث للدولة، تقوم على عقد اجتماعي نبيل يتم بموجبه اختيار القادة والمسؤولين على أساس العلم والفقه ، والكفاءة والنزاهة، وحسن السيرة والسلوك ، والتي تذكرنا في نسق حكمها وتسييرها بالموروث الراشدي في إدارة الشأن العام الذي أجهض مبكرا بعد استعادة نظام الإقطاع والاستبداد بصيغته البيزنطية . وبالرغم من قصر عمر هذه الدولة مقارنة بجاراتها المعادية لها ومحدودية تأثيرها في أوساط عامة المسلمين الذين ظل جلهم يخضعون لنظم حكم مستبدة تعيش على السلب والنهب والقرصنة ؛ إلا أنها أعادت إلى الأذهان فكرة الرتق بين الفقه والحكم أو بعبارة أدق : الربط بين السلطة العلمية والسياسية ، فالعلماء الفقهاء الربانيون بموجب هذا التنظير والتطبيق هم أحق الناس بتولي الحكم وتسيير أمور العامة لجمعهم بين الأمانة والكفاءة اللتين لخصتا لنا السيرة الذاتية لسيدنا يوسف عليه السلام مرشحا لوزارة الاقتصاد والخزانة العامة في مصر .
وهكذا تأسست عدة مشيخات دينية من مخرجات مدرسة (بير) الكبرى وروافدها كمدرسة (كوكي) القديمة ، لتشكل بذلك سلطة دينية اجتماعية سياسية اقتصادية موازية حولت أراضيها إلى حرم آمن أو مناطق محايدة ومنزوعة السلاح بالمفهوم القانوني المعاصر، اختيرت لها أسماء مدن مقدسة في الذاكرة الإسلامية كالمدينة وطيبة ومكة ، وفاس ، وبغداد ، أو مقتبسة من القرآن الكريم كطوبى ، ودار السلام ، وحسن المئاب . وقد حرص مؤسسو هذه المدن على جعلها تطبيقا عمليا لنظرية المدن المثالية الفاضلة التي تخيلها الفكر الإنساني قديما على أكمل وجه وأحسنه وأشمله حيث روعيت في التخطيط العمراني الرؤية الإسلامية في الفصل بين الجنسين في السكنى والإقامة ، علاوة على رعاية الحد الأقصى من حقوق الجوار وضروراته المسطرة في الفقه الإسلامي من حيث سعة البيوت والأزقة ، وعدم إشرافها على المساكن الملاصقة، وإقامة الساحات الكبرى ودور العبادة والخلوة في قلبها؛ ولهذا اختار جل المستضعفين من ضحايا الإقصاء والتهميش والانتقاء الطبقي الانتقال إليها ومبايعة مشائخها على السع والطاعة في المنشط والمكره .. ويحكي الفرنسي ( شامبونو ) أحد أقدم الكتاب الفرنسيين الذين أتيحت لهم فرصة الإقامة في شمال السنغال وجنوب موريتانيا في القرن السابع عشر الميلادي نفوذ هؤلاء المشائخ الذي سماهم ( المرابطين ) واحتقارهم الشديد للقيم الثقافية والاجتماعية الغربية الوافدة ؛ مما يعني أنهم كانوا يشكلون خطرا كبيرا على الوجود الغربي الذي انحصر في مرحلته الأولى في إقامة المستعمرات التجارية وممارسة النخاسة ونهب المواد الخام ،، وهو التهديد الذي اتخذه لاحقا ذريعة لمحاربة المشيخة الدينية بلا هوادة قتلا ونفيا وتشريدا ومحاصرة وتضييق خناق ، وتحجيم نشاط ثقافي لتجفيف ينابيع فكرة الجهاد والممانعة الدينية، فقد تم في فترة قياسية لا تقل عن خمسين سنة من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهايته قتل ونفي العشرات من الأئمة والعلماء المعروفين ( حرق جامعة بير من طرف الحاكم بيني لابراد ، نفي عدد كبير من أئمة فوتا وشيوخ كوكي خارج البلاد ، القضاء على حركة الحاج عمر والإمام مبه جخوبا والحاج محمد الأمين درامي ، والشيخ أحمد باه الورومهدي بالتحالف مع المحليين ، نفي الشيخ / أحمد بمبا امباكي مرتين ) .
ويعتبر مولانا الشيخ الخديم –رضي الله عنه ورحمه – خير من وصف لنا الحالة الدينية للبلاد في تلك الفترة ، وانقسام المشيخة الدينية ( طبقة دوم سخنا ) إلى فئتين : فئة توكلت على الله واستنسخت نهج علماء الأمة الراشدين في رفض الظلم ومواجهة الطغيان والاستبداد كسعيد بن جبير ، وعبد الله بن الزبير ، وابن تيمية ، والعز بن عبد السلام – تقبلهم الله شهداء –فعانت مرارة النفي والتهجير والتضييق المستمر. وأخرى انبهرت أمام البارود والعتاد وانهزمت نفسيا بفعل مظاهر الأبهة والصخب والبذخ المصاحبة لمواكب هؤلاء الغزاة المستبدين .
وظنهم أهل الهوى والجهل لشأنهم أهل العلى والفضل
وظنهم كل سفيه غمر سادات أهل ذي الجلال الغر
وظن من لم يعقلوا واغتروا أنهم ، هم الكرام الغر
وطاوعوهم بالزنى والسرقة وغير ذين من فعال الفسقة
ومنهم من غره النصارى بوصفهم حتى الفؤاد حارا
وينسب الصنع الذي أجراه فيهم إله الخلق إذ دهاه
لهم ويعتقد أن الحولا وقوة الفعل لهم والطولا
ومنهم من إذا رأى نصراني يحسبه من ملائك الرحمان
ومنهم من ظن كون الأمر كالنفع والضر لهم في الدهر
قلت منبها يا قومي انتبهوا من سكرات النوم
لا تجعلوا منتفخا قد ورما مستسمنا فذاك جهل علما
ولا تظنوا أنهم قد فازوا بكل خارق وخيرا حازوا
ولا تظنوا أنهم ملوك بل إنما كلهم صعلوك
هذه القصيدة على وجازتها ؛ تشخص لنا بدقة مواقف عدد كبير من المحسوبين على المشيخة الدينية وتابعيهم من قضية الحكم التي آلت إلى هؤلاء المستعمرين بفعل الاحتكاك غير المتوازن بين القارة الأفريقية والدول الوطنية الأروبية التي أسالت لعابها ما تزخر به المنطقة من ثروات طبيعية ومعدنية وبشرية تمثل الوقود الأساس لحركة التصنيع والتسويق ، وتنم هذه المواقف عن مدى تحكم العقدة والانبهار في نفوس الشعوب الضعيفة المغلوب على أمرها وفقا لنظرية ( المغلوب مولع بتقليد الغالب ).
وعلاوة على القسوة التي عوملت بها هذه المشيخات في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر لتحجيم دورها و تجريدها من كل مقومات الوطنية وتغليب المصلحة الشرعية الدائمة ؛ فقد رأت الإدارة الاستعمارية تبنى الترغيب وسيلة لممالئتها وتحييدها عن الهم الإسلامي والوطني والإنساني العام ، فبادرت إلى اختراع مسميات وصفات لاعهد لمسلمي هذه البلاد بها مثل : ( الخليفة العام للطريقة الفلانية ، الشيخ الأكبر لمدينة دكار وعشائر الليبو). وهي تسميات غير محظورة شرعا لكنها تهدف إلى التفريق وإحداث القطيعة بين مكونات طريقة صوفية واحدة ذات سلاسل وأسانيد وإجازات متعددة ومختلفة . وقد أشرف حكام غرب أفريقيا الفرنسية بموجب هذا التدخل السافر في بنية المشيخات ونظامها العام أكثر من مرة على إدارة حرب باردة بين المشائخ والزعماء التقليديين، ومناصرة طرف ضد آخر لصرفهم جميعا عن تبني مشروع مجتمعي متحضر في إدارة الشأن العام للبلاد والعباد ، في إطار ما يعرف بسياسة الإلهاء التي اعتمدتها السلطات العامة في هذه البلاد منذ استقلالها وحتى تاريخ كتابة هذه السطور ، وتتلخص في تحويل المشيخة من مجلس إسلامي شوري يراقب عن كثب انحراف السلطة السياسية وتغولها إلى تنظيم إقطاعي فاسد يتخذ من الدين ذريعة للاستثراء والتمتع بمزايا وحصانات لا حدود لها، بشكل يسوغ له مبررات التحالف مع كل من يضمن ويراهن على استمرار هذا الوضع المترهل، ماسونيا كان أو ملحدا لا دينيا أو ليبراليا مكيافيليا متلونا ، وهو انحراف خطير في مسيرة هذه المشيخات وأحد مؤشرات الانهيار والتداعي التي أخذت ملامحها تبدو في الأفق إذا لم تتداركها نعمة من الله ببعث مجددين مصلحين من رحمها، من أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض و يذبون عن هذا التراث الإسلامي الوطني المجيد .

ثانيا: المشيخة وسباق الانتخابات(رهانات ومكاسب )
تعود علاقة السنغاليين بالانتخاب، باعتباره حقا مدنيا عاما إلى أواخر القرن التاسع عشر (1879 م) حين شارك المواطنون السنغاليون في اختيار أول نائب لهم في البرلمان الفرنسي، وكان جل هؤلاء المرشحين لهذا المنصب من الفرنسيين المقيمين في السنغال أو الخلاسيين الهجين ، وفي سنة 1914 م تم اختيار السيد/ بليز جاج (1972 م -1934 )من جزيرة غوري أول سنغالي أصيل لشغل هذا المنصب ،. وظل هذا الحق كسائر الحقوق المدنية أيام الاستعمار محصورا ومختزلا في سكان المدن الأربع ( سان لويس ، غوري، روفيسك ،دكار ) الذين اعتبروا مواطنين فرنسيين من الدرجة الثانية .
وكان للمشيخة دور ريادي في هذه الانتخابات كلها ؛ إذ حظي السيد (بليز جاج) بدعم قوي من مشائخ الصوفية لعلائق صداقة قديمة ربطته ببعضهم ، كما استطاع إقناع عدد منهم بالموافقة على التجنيد الإجباري لمحاربين في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى .. لكن ذلك كله لم يثنه عن تبني مواقف معادية للإسلام كمعارضته قانون تحريم الخمر وحظره على المجندين المسلمين في الجيش الفرنسي سنة 1928 م ، يضاف إلى ذلك مجاهرته بالانتماء إلى المحافل الماسونية التي ترقى فيها إلى أعلى المناصب محظيا بأرفع الأوسمة ، كما كان سببا رئيسا في نفي الشيخ / سيدي المختار امباكي المشهور بمام شيخ أنت امباكي إلى سيجو التي ظل فيها تحت الإقامة الجبرية حتى وفاة هذا الأخير .
وأسهمت المشيخة الصوفية والاجتماعية بشكل قوي في دعم السيد /انغالاندو جوف مسلم من قبيلة (الليبو) ومن مواليد (روفيسك) الذي تولى هذا المنصب إثر وفاة (بليز) واتخذ قرار إطلاق سراح الشيخ أنت امباكي وإعادته إلى أهله سالما ، كما دعم مشائخ (الليبو) ترشيح المحامي الدكتور / محمد الأمين غي المشهور ب: لمين كورا غي لشغل منصب نائب السنغال في البرلمان الفرنسي في انتخابات سنة 1941 م . وهو نفس الدعم الذي حظي به لاحقا خلفه في هذا المنصب الأديب (ليوبولد سدار سنغور) في انتخابات 1951 م 1952 م ، حيث وقف جل خلفاء الطرق الصوفية الرئيسة في البلاد إلى جانب هذا المرشح المسيحي ضد المسلم / محمد الأمين غي ,, وقد أحدثت هذه المواقف ردود أفعال متضاربة ومتباينة في أوساط الطرق الصوفية ، وأدت إلى مناوشات أحدثت حينها قطيعة وفجوة بين من تجمعهم روابط الدين والرحم .
وظل الرئيس الراحل (سنغور) يحظى بهذا الدعم طيلة فترة حكمه الممتد إلى عشرين سنة، ولما اختار ترك السلطة طواعية في سنة 1980 م ، استخدم هذه الورقة الرابحة مرة أخرى لدعم خلفه المسلم السيد / عبد جوف حيث أوفد أحد أبناء المشائخ المثقفين إلى خلفاء الطرق الصوفية لإقناعهم بصوابية هذا الاختيار ومناشدتهم ضرورة التعاون مع هذا الأخير والوقوف إلى جانبه لمواجهة اليسار الماركسي الذي كان يشكل – حينئذ – العمود الفقرى للمعارضة السياسية والنقابات العمالية والحركات الطلابية، وقد تحقق ما كان يحلم به الرئيس الشاعر ؛ إذ تفاعل الشيوخ مع هذا العرض بإيجابية منقطعة النظير ، ولم يظهر منهم ما يعارض أو ينغص حكم الرئيس عبد جوف ووقفوا معه إلى آخر لحظة ، ونادوا بالتصويت له في الجولة الأولى والثانية ، غير آبهين بدقة المرحلة وحرجها ، ضاربين عرض الحائط قناعات عامة الشعب وخصوصا الشباب منهم واختيارهم التغيير وصناعة أول تحول سلمي للحكم في السنغال وفي عموم غرب أفريقيا.
ومع وصول السيد / عبد الله واد إلى الحكم في بداية الألفية الجديدة بعد ست وعشرين سنة من المعارضة ؛ أخذ ت المجاهرة بهذا الدعم تتضاءل وتتلاشى باستثناء حالات قليلة تحسب ضمن الشواذ، كما يمثل الإقدام عليه اليوم مجازفة في حق الطريقة والجماعة لا تغتفر ؛ ومع ذلك يصر المرشحون في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية على الظفر بدعم قوي ومباشر من الخلفاء، والتعبير عن انتماءاتهم الطرقية بشكل أو بآخر ، وهو ما يعبر عن أزمة حقيقية تعيشها الديموقراطية السنغالية التي توصف عادة بواحدة من أنضج التجارب في أفريقيا جنوب الصحراء وأكثرها انضباطا وقدرة على إحداث التغيير والتداول السلمي للسلطة بهدوء وسلاسة .
والسؤال المطروح الآن بعد هذا السرد الوجيز لموقع المشيخة الدينية في معترك التجاذبات السياسية في بلادنا . هو ما ذا استفادت المشيخة الدينية من دعمها اللامحدود لمرشحين معينين في مختلف الانتخابات التي عرفتها مسيرتنا الديموقراطية ؟ سؤال يمكن الإجابة عنه بسوق جملة من المعطيات الآتية :
-حاولت المشيخة الدينية جاهدة في سنة 1959م بمبادرة من المرحوم الشيخ / أحمد امباكي غيدي فاطم إنشاء مجلس إسلامي وطني للإشراف على شؤون المسلمين في هذه البلاد ، ومواجهة مشروع دستور الاستقلال المقترح من طرف الجنرال (ديغول) الذي ينص على إقرار الطابع العلماني للدولة ومحو هويتها الإسلامية أو تذويبها وفقا لرؤية المدرسة الفرنسية للعلمانية ، أي بناء مدينة خالية من الله . وقد منيت المشيخة بفشل ذريع في مبادرتها الرائدة هذه ، فقد تم تمرير مشروع الدستور وإقراره والقضاء على ذلك المجلس الطموح في مهده ، واتخاذ بعض أعضائه بطانة شكلية هلامية لا تقدم ولا تؤخر لحكومة سنغور ، في وقت حظيت فيه الأقلية المسيحية بتسهيلات عقارية وإدارية لاحدود لها، مكنتها من إقامة أرقى المؤسسات التعليمية والصحية والإغاثية والإنمائية التي تصطاد يوميا شباب المسلمين وصباياهم .
– في سنة 1971 م قامت المشيخة الدينية برئاسة المرحوم الشيخ / أحمد امباكي غيدي فاطم بمراجعة مشروع قانون الأحوال الشخصية ذي المرجعية النابليونية وشطب كل المواد التي تتعارض مع نصوص الشريعة الإسلامية ، والتي وصلت إلى أربع وسبعين مادة ، مع اقتراح بدائل مستندة إلى تعاليم الإسلام السمح ، دين الأغلبية العظمى من الشعب ، ومن ثم مخاطبة رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه اللذين وعدا بمراجعة المشروع وحذف تلك المواد فيه ؛ إلا أن المشيخة فوجئت لاحقا بتمرير القانون كالعادة في البرلمان الوطني ، وما زال هو المعمول به في كافة المحاكم المدنية في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث .
-في نهاية التسعينيات ، وبالتحديد في سنة 1997م قامت المشيخة الدينية الصوفية بالتعاون مع الجمعيات الإسلامية بصياغة مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية ، تمت المصادقة عليه من طرف المرحوم الشيخ / محمد المرتضى امباكي والشيخ عبد العزيز الابن ، وتسليمه لاحقا إلى المجلس التشريعي لدراسته والتصويت عليه ، غير أنه ما زال قابعا في أدراج البرلمانيين الذين يعتبرونه مهزلة ومحل سخرية ، فلا يمثل هذان الشيخان الجليلان في نظرهم أية صبغة مؤسساتية تخول لهما اقتراح أي تعديل في بنود ذلك القانون الفرنسي المقدس .
-إعدام ابني المشيخة الدينية ( الشيخ مصطفى لوح في عهد سنغور ، والشيخ / خادم بوسو في عهد الرئيس عبد الله واد رحمهما الله وغفر لهما ) في ظروف مهينة غامضة ، شكلت ضربة قاصمة ضد المؤسسة الدينية .
هذه المعطيات وغيرها من الشواهد اليومية في الإهانة والإذلال بالمقدسات والرموز الإسلامية تكفي للحكم بأن المشيخة الدينية في بلادنا تلعب حاليا في الوقت بدل الضائع ، ولا تمثل أي وزن معتبر لدى صناع القرار وسدنته في بلادنا ، وبالتالي ؛ ينبغي أن تنأى بنفسها عن التقوقع عن الذات ، وتتخذ مبادرات شجاعة ومسؤولة في إدارة الشأن العام للبلاد والعباد، ومناهضة الظلم والاستبداد والمحسوبية والفساد ، بدل التمادي في تبرير نزق الحكام واستخفافهم بالمواطنين الغلابة، والله ولي التوفيق .
وللحديث بقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى