الدين و الترييةالرياضةالسياسةالصفحة الرئيسية

عَلاقةُ الشيخ الخَديم – رضي الله عنه – مع زُعماء الطُّرق الصُّوفية السِّنغالية

عَلاقةُ الشيخ الخَديم – رضي الله عنه – مع زُعماء الطُّرق الصُّوفية السِّنغالية

إنَّ هذه السُّطور لمحة مقتضبةٌ تحتوي عَلى علاقةِ الشيخ الخَديم – رضي الله عنه وأرضاهُ – مع زُعماء الطُّرق الصُّوفية السِّنغالية الذين عَاصروهُ حيث كان يبادل معهم بالزياراتِ والهدايا وكانُوا يتبادلون معه بقرضِ الأشعَار وإفصاح الشَّهادات الخالدة الموجهة إلى شَخصيته المرمُوقة؛ الأمر الذي يدل عَلى أنَّ الطرق لم تكُن عائقة عن تجسيد علاقاتهم الأخوية، ولقد شَاهدت نهاية القرن التاسع عشر إشراق هذه الشُّموس السَّاطعة الشيخ الحاج عبد الله انياس التجاني – رضي الله عنه – المولود سنة (1848م) أحد كبار عُلماء زمنه الذي كان عالما صُوفيا قاضيا ومُجاهدا، والمجدّد الكبير الشيخ الخديم – رضي الله عنهم – المولود في سنة (1854م) مُؤسس الطريقة المُريدية فترة بداية سقوط السلطات المحلية ورسمنة الاحتلال الفرنسي، وقَد بَزغ أيضا نجمُ الشيخ الحاج مالك سه – رضي الله عنه – أحد فُرسان العلم والمعرفةِ الذين تركوا بصمات في سجل تاريخِ الدَّعوة الإسلامية في بلد السَّنغالِ في سنة 1853م كما ذكره الباحثون، وقيل: (1855) وقيل: ولد في سنة 1842م، وحيد أبيه الشَّهير، ولذا نَودُّ أن نُوضّحُ في هَذا البحث المتواضع علاقات هؤلاء المذكور وغيرهم مٌن زعماء الصُّوفيينَ ليكُون مَرجعًا مُهما للباحثين والقُراء.

ومما يرُوقنا أن نَستهل هذا الكاغد بقَول صاحب المنن : ” وكان – رضي الله عنه – كثير التفقُّد لمَن بلغه صَلاحه من أبناءِ الصَّالحين، وكان كثير الزِّيارة لمقابرهم فِي جَميع زمن بدايته، فتعرَّف من ذلك بأكثر من أهل الصلاح والعِلم فِي صبَاه كمُحمّد بن محمَّد الكريم الفاضلي الدَّيماني الشَّاعر، وعبدِ الله التَّمَكْلاوي، والحاجِ إبراهيم البَغدادي، وغيرهم من بيضان الصَّحراءِ الكبرى وأمثالهم من السُّودايين، كعمّه ابن خالة أبيه صَمب تُكلور معلّمه الأول، وجيرن إبراهيم كانْ التكروريّ العالم العلامة من تلامذة محَنضَ بابَ، وأقران والده مثل محمَّد صَلْ والقَاضي مَجختي كَلَه وسَرين وجه، وبَلَّ سخنَ. هؤلاء كانُوا من أقرانِ الشيخ الوالِد، إنَّما اتصل بهم من مصَادقتهم الوالد واشتِهارهم بالعِلم والدَّرس.

ومن مُعاصريهِ جَمّ غَفير كالحاج دَرام وسيدِ خُويَه، والحاج مالك سِه، والحاج محمَّد كمرَ “. [المنن، ص: (273)]

1- العالم التّجاني الشيخ الحَاج مالك سِه – رضي الله عنه – (1855 -1922م) [1]

هل تعلم جيدا يا أخي الكريم، أنَّ علاقة الشَّيخين الجَليلين من جهة النَّسب علاقة قريبة فَالشيخ عُثمان سِه والد الحاج مالك سه – رضي الله عنهما – ممن ينحدر من الشيخ الجليل مَام مهرم امباكي والد أحمَد فَرمة امباكّي وهو أكبَر أنْجالهِ الذي تَولَّى رئاسة قرية امباكي بول مَدة ثلاثين سنة وله شَقيق اسمهُ جِيرنُ فَرمةَ امباكّي الذي اقترن بالسَّيدة سُخن جُوسِ شِيك والدة أحمد جُوسِ وزَيد جُوسِ ومَتِ جُوسِ وأما مَتِ جُوسِ فهِي والدةُ عُثمان والدُ الحاج مَالك سِه – رضي الله عنهم -.

وكذلكَ فإنَّ الشيخ الخديم – رضي الله عنه – هو ابن العالم العَلامة والبَحر الفَهامة الشيخ ممَر أنتَ سل امباكي بن الشيخ حَبيب الله المعروفُ بـ”مام بلَّ عيْش” بن الولي الصالح الشيخ محمد الخير (مَارَمْ) امباكي بن حَبيب الله بن سَعيد بن محمد الخَير بن عُثمان ؟!!.

إنَّ هذا العالم الجليل قد وصفه الحبر البَحر الشيخ مُحمد البشير امباكّي – رضي الله عنه – بهذه النُّعوت الجَميلةِ في كتابه المنن : ” العالم الجليل والشيخ الفخيم، الحاج مالك سه، مجدّد التجانية في هذا القطر وإمامها السُّني الورع ، أحد أئمة المسلمين وجهابذة الصَّالحين “. [ المنن المحقّق، ط1، ص: (359) ]

1- زِيارتُه للشيخِ الحَاج مَالك سِه

لقد زار الشيخ الشيخ الخديم للشيخ الحاج مالك سِه – رضي الله عنهما – كما قال صاحبُ المنن : ” زارهُ شيخُنا في قريةِ انجَارندِه (Ndiarndé) فِي كجُور (Gadior)، لبثَ ضَيفا له مدّةً غير طويلة، وركبَ لتَشْييعه مَسافة طويلة “. [ المنن المحقّق، ط1، (359)]

انجَارندِه (Ndiarndé): اسم قرية في منطقة كجُور واسم صاحبها الذي أسكَنَ السَّيد الحاج مالك سِه فيهَا هُو مُور غُمبَ بندَ أَمَرْ .

2- شَهادةُ الشيخ الحاج مالك سِه للشيخ الخديم

قَال الشيخ محمد الأمين جُوب الدَّغاني في الإرواء :” ومِن أجلاء الشُّهداء شيخنا وشيخ المسلمين في سنغال محبّ الشيخ وقريبه قرابة دين وطين ووطن الحاج مالك سِهْ – رضي الله تعالى عنه ونفعنا به آمين – سمعتُ وسمعه غيري كاد أن يكُون متواترا إنه قال: ” مَا مِنَّا إلا من تاب عَن إسَاءة واستقام عَن اعْوجاج إلا ما كان من الشيخ أحمَد، فإنَّه نشأ مُحسنا مُستقيمًا “. يعنِي: ما منَّا معشر المُشار إليهِم أحَد إلا عرف في نفسِه هَفوة أو هَفوات تابَ منهَا واستَقام بعد اعوجاجِه إلا هو، فَحاله في صِغره وكبَره سَواء صدق الله ونَصح.

وأخبرني أخِي محمد بن أحمد علي اليعقوبي المعروف بمُحمد طوبى إنه في بعض زيارته مر بـ (تِوَاوُنْ) وزار الحاج مالك سِهْ، فلما علم أنه متوجه إلى الشيخ قال له إنِّي مُرسل معك كلمات إلى الشيخ فإذا وصلت فسلم مني عليه، وذكره بليلة إتياني له في اندَرْ وبياتي معه في البيت لا ثالث معنا إلا الله، فإذا تذكر وعلم بصدقك، فقل له: إنِّي عَلى العهد الذي عاهدته عليه. قال مُحمد: والله لا أعرف ما العهدُ ولا زادني هو عليه شَيئا، فلما وصلت وذكرت الشيخ بالليلة فتذكر قلت له: ما قال ففرحَ وصدقني وصدقه وأثنى عليه كثيرًا وجَعل يفرك أذني وأنفي ويضحك من سُرورهِ “. فأكرم بها شهادة سليمة من عالم كبير خبير وشيخ عادل كامل !! [ يُنظر كتاب ” إرواء النَّديم من عَذب حُبّ الخديم “، للشيخ مُحمد الأمين جُوب الدَّغاني، مطبعة المعارف الجديدة، سنة: 2017م – 1439ه‍، الذي حَققتهُ مجموعة من الباحثين المُريدينَ، ص: (242- 243)].

تِواوُن (TIVAOUANE): تقعُ بغربي السنغال عَلى بُعد (70) كيلُومترا مِن دكار، وعلى بضعة كيلومترات من مَركز القادريةِ (أنجاسان).

وقد وردت مِثل هذه العبارة في كتاب ” منن الباقي الخديم في سيرة الشيخ الخديم ” وهو معنى قوله : ” وبلغني عنه أنه قال ذات يوم وقد جرى ذكر شيخنا في مَجلسه:” إنَّنا ما فينا أحد إلا ومرّ عليهِ من عُمره حينٌ يندمُ عليه ويتُوب منه إلا ما كان من هَذا الرجل”، يُريد شيخُنا، ثُم قال: ” فإنّه عَلى هذا الوصف الجيّد الذي ترون، نشأ صبيّا ورجُلا وشيخًا “. انظر هذا من الإخلاص وسلامة القلب والصدر بالحقّ، وهَكذا فليكُن الأئمة .

وقال: ” وبلغني عَن ثقة من قومه أنّه حضر يوما أتاه رجل من جُملة الأصدقاء الجاهلين، والأعداء الغافلين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الغَوْغاء في كلّ جيل وقطر، يسأله عن أمر شَيخنا، وأنّه سمع أنّه يدّعي الولاية، وأن ورده مأخوذ من الله بواسطة رسول الله – صلى الله عليه وسلّم -، أهُو كذلك؟، فقال الشيخ الحَاجْ مَالِكْ سِهْ: ” أتريدُ أن تكذّبني؟ فلا والله، أتظنّ فَضل الله أضيق من أن يعطي وليّا من أوليائه خصوصيّة يختصّه؟ ” ثم أعرض عنه وخَجل الرَّجل. وهم القوم يُحاجّون عن ربّهم جزاهم الله خيرا.

وبلغني عن ثقاة عنه، أنّه كان يقول:” لو لم يكُن على أمر الشيخ أَحْمَدُ بَمْبَ دليل إلاّ وجُود الشيخ الورع، عالم العلماء  امْبَكِ بُصُّ (Mbacké Bosso) من مريديه، بجواره لا تخفى عليه خافية من أمره، مع ما جرّبتُ من عِلمه ودينهِ وعدله وعقله، ونَصيحته في الدّين لكفاه تزكية”. فَجزاه الله تعالى خيرا فإنّه رضي الله عنه كان ناصحا للإسلام، ليّن الجانب، ورعا مُستقيما، جليلا في القلوب والأعين.
[ المنن المحقق، للشيخ محمد البشير امباكّي، بتحقيق الدكتور محمد شقرون، مطعبة المعارف الجديدة، 2012م، ط 1، (2/360).

3- هَدية الحاج مالك سِه إلى الشيخ الخديم

كتبَ الشيخ الحاج مالك سِه صاحب الحضرة التواونية التيجَانية – رضي الله عنه – بَيتين مرفقين بِهديةٍ (تفسير الجَلالين: جَلال السّيوطي، وجَلال الدين المَحلي) إلى الشيخ الخَديم – رضي الله عنه -، فقال:
هَدية مُوجبهَا اجتِلابُ = مَحبَّةٍ يا أيُّها الحُبابُ
أدام ربُّنا لنا حَبلَ الوصَال = وكفَّنا شرَّ الذى عادَى وصَال

فأجابَه الشيخ الخديم المُهدى بهذين البيتين:
جزاكُم خَيرَ الجزآ الوَهَّابُ = وفِي صَفا الوِداد لاَ ترتابُوا
فكيفَ لاَ والمُصطفَى المُجابُ = إمامُنا ؟ والقِتلَ لا نَهابُ

وقد ذكر هذه صاحبُ المِنن حينَ قال: ” وتَهاديا مرَّاتٍ، أذكرهُ من بينها كتابا أهداهُ لهُ الحاجُ مالك سِه مع بيتين وهُما … “. [ منن الباقِي القديم، للشيخ محمد البشير امباكي، ص: (359- 360)]

4- المُراسلاتُ

ويُحكى أن الشيخ الحاج مالك قال ذات يوم لأحد أتباع الشيخ الخديم وهو مَرُ بَّه غَي : ” اعلم يا مَرُ بَّه أن من تدخل بيني وبين أخِي الشيخ أحمد بامبا، وقال في العلاقة التي بيننا ما لا يليقُ [ مُحاولا بذلك الإفساد بيننا ] فليعلم أنه، وإن ادّعى التعلق بـ” مَالك، فإنَّ مالكا يتبرأ منه “. [ ينظر: كتاب ” دراسات حول المريدية “، مطبعة المعارف الجديدة، 2010م 1431ه‍، ص: (24)]

وكان الشيخ الحاج مالك سه – رضي الله عنه – يقُول: ” مَن يطلبُ رضايَ فلا يقُول بينِي وبينَ ابن عَمّي الشيخ أحمد بامبا إلا ما يصلحُ، لأنَّ الله أمرَنا بصلةِ الرَّحم ونَهانا عَن قَطعها “. [ ينظر: “مقرب الأماني لكشف أنور المعاني “، العلامة الحاج عبد العزيز سي، ج 2، ط1، ص: (39)]

وقال صاحبُ المنن: ” وبَلغني عن الشيخ الحَاجْ مَالِكْ سِهْ (Malik Sy) مثله في إمام “غايَهْ” (Gaya)، مُخْتَارْ صُوْ (Mokhtar Sow) حين أرادوا عَزله، لأنّه مُريد للشيخ أَحْمَدَ بَمْبَ ليس بتيجَاني، وتلك القرية مَسكن أخوال الحَاجْ مَالِكْ، فكتبَ إليهم.” إن كان مُخْتَارْ صُوْ (Mokhtar Sow) الذي أعرف، فأنا لو تقدَّم أمامي لصلّيتُ خلفهُ ورضيتهُ “.

ثُم أضاف المؤلف قائلا: “وتلك عقيدة في عوام التجانية لا يأتمّ بغيره كائنا من كان. كأنّ، من ليس بتيجاني وردا انخرم شًرط من شُروط كمال إسلامه، وهو جَهل محض، وتحكّم باطل، أشياخهم ومقدّموهم من العلماء والفضلاء بريئون منها، كما يشهد لها هَذان الجَوابان من هذين الإمامين. ومثل هَذا في أقطار الجهل كثير، تجدهم يجعلون ما هو كمالي في الدين ركنا من أركانه، ولا يدركون أن الأوراد عهود ترقّي المريد في المقامات وكفاها شرفا، لكنّها لا تؤثّر في الأركان، لأنها ليست من الشروط ولا من الفروع العامّة، فإن تلك قد كملت يوم نزلت آية المائدة { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [ الآية: 3]. أمّا الأوراد ونحوها، فكماليات يترقّى بها من استقام في مدارج القرب، ويستعين بها المبتدئ في شحن فروغ الغفلات بين الفرائض، وحطّ الأوزار عن الظهر، ليستخف لحمل أثقال الأوامر، إلى غاية السعادة الأبديّة، وطرد الشبهات وظلمات الهواجس من القلب ليتحقّق التوحيد عند الذكر، وإقامة العبادة المفروضة. فالموفّق من حقّق الأركان وفروعها التي هي الفرائض وسننها، ويترقّى على مدارج التوحيد بقوة قوادم الواجب، وإعانة خوافي النّوافل التي هي الأوراد، بين كفّتي الخوف والرّجاء إلى أن تتلقّاه الرحمة. فإنّه تعالى قال: ( مَن أتاني يمشي أتيته هرولة ). فلنرجِع إلى ما كنا بصدده وإن كان الحَديث ذا شجُون ” .

[ المنن المحقق، للشيخ محمد البشير امباكّي، بتحقيق الدكتور محمد شقرون، مطعبة المعارف الجديدة، 2012م، ط 1، (361- 362).

وقال الشيخ محمد البَشير امباكي: ” وقد جَرت بينهُم عُرى الأرحام المتقاربة، فإن والد الشيخ الحاج مالك سه ابن أخت الشيخ الوالد، أبي شَيخنا. وكانت هذه الرّحم موصُولة مِن الطرفينِ، وكانتِ المُراسلة بينهما دائمة والبَروات، لا تحدث حادثة لها بال عند أحدِهما إلا ويرسل للآخر إعلاما له، وكان متصافحين ” . [ المنن، ص: (359/2)]

وقال : ” ولم تنقطع المراسلةُ بينهُما بعد غيبتهِ إلى البَحر، إلى أن تُوفي الشيخ الحاج مالك قبلهُ بسنتَينِ … ” . [ ينظر كتاب ” منن الباقِي القديم “، للشيخ محمد البشير امباكي، ص: (360)]

2- الشيخ الشيخ الحاج عبد الله انياس [2] وولده الحاج محمد الخليفة انياس [3]

1- زيارتهُ للشيخ الخديم – رضي الله عنه –

لقد أرسل الشيخ الحاج عبد الله انياس نجله الشيخ الحاج محمد الخليفة انياس (1881 – 1298ه‍ ) إلى خادم المصطفى – رضي الله عنه – لتقديم تعازيه بمناسبة وفاة والده مام مور أنت سل – رضي الله عنه -.

2- هدية الشيخ إلى الشيخ الحاج عبد الله انياس

لقد أهدى الشيخ أحمد بامبا إلى صديقه المذكور كتاب ” تفسير الجلالين” لجلال الدّين السُّيوطي وجلال الدين المحليّ عن طريق مصمب سين في دانق سين، ففرح الحاج عبد الله انياس حتى أمر ابنه بالرد عليه بأبياتٍ.

3- قصيدة الشيخ محمد خليفة انياس الحِبر الفَنع في مدح الشَّيخ الخديم

قال الشيخ الحاج محمد هَذه القصيدة البهية المحكم سبكُها البديع حَبكُها فِي مدح الشيخ الخديم – رضي الله عنه – بإذن والده بعد ما أهدى إليه الشيخ الخديم هَديته المذكورةَ:
أَزْكَى سَلاَمٍ كَطَعْمِ الشَّهْدِ بِالرَّاحِ = يَنُوبُ عَنَّا وِصَالَ الرَّاحِ بِالرَّاح
أَزْكَى سَلاَمٍ كَرَيَّا الْمِسْكِ نَفْحَتُهُ = مُعَطَّرًا بِنَوَاحِي الشَّيْخِ فَوَّاحِ
شَيْخٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ عَيْلَمٌ عَلَمٌ = فَمَا ثَنَائِي بِمُطْرِيهِ وَأَمْدَاحِ
أَتْحَفْتَنَا بِكِتَابٍ لاَ نَظِيرَ لَهُ = أَرْوَى غَلِيلَ صَدَانَا بَعْدَ لُوَّاحِ
لاَ زِلْتَ تَرْأَبُ مَا أَثْأَتْ وَمَا فَتَقَتْ = أَيْدِي الْوُشَاةِ بِإِرْئَابٍ وَإِصْلاَحِ
أَزْكَى وَأَفْرَحُ مَا يُهْدِيهِ مُحْتَسِبًا = دَبَّتْ حُـمَيَّاهُ إِذْ وَافَى بِأَفْرَاحِ
هُوَ الْجَلَالَانِ تَفْسِيرًا لِمَنْصِبِكُمْ = مِصْبَاحُ عِلْمٍ كَضَوْءِ الصُّبْحِ لَمَّاح
بِهِ تَتَرَّسْتَ عَنْ كَيْدِ الْغَرُورِ وَقَدْ = أَعَدَّ مَاضِيَ أَسْيَافٍ وَأَرْمَاحِ
جَزَاكَ عَنَّا إِلَهُ الْعَالَمِينَ كَمَا = أَحْيَيْتَ مِنْ مَنْهَجٍ فِي الْعُرْفِ وَضَّاحِ
خُذْهَا مُخَدَّرَةً مِنْ وَصْفِكُمْ جُلِيَتْ = تَرْنُو بِطَرْفٍ إِلَى لُقْيَاكَ لَمَّاحِ
أَزْكَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ = اَلْهَاشِمِيِّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْمَاحِ
وَالْآلِ وَالصَّحْبِ مَا نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ = عَلَى نَضِيرٍ مِنَ الْأَغْصَانِ مَيَّاحِ

[ انظر: مقدمة الديوان النَّبي المختار فِي سِيرة ومدائحِ السيِّد الأخيار، ص: 6 ، (نسخة إلكترونية التي نسخها بابكر طوري نيل المرام) بتصرّف، و كتاب ” الخليفة الحاج محمد انياس صاحب البصمات الراسخة والكرامات الخالدة ” لمؤلفه الشيخ محمد الهادي بن الحاج أحمد انياس الواعظ في قناة والفجر، الطبعة الأولى: 1435ه‍ – 2014م، ص: (123) ]

هَكذا كان يعيش الشيخ الخديم – رضي الله عنه – مع جميع الطرق الصُّوفية وقد سار على منواله المُريدُون الأوائل كالعلامة الفهامة الشيخ امباكي بوسُو الذي أرسل ذات يَوم نجله الِبكر الشيخ مُحمد بُوسو والشيخ مُحمد الأمين انيانغ إلى الشيخ الحاج مالك سه – رضي الله عنهم – لتفقده بَعد ما طال العهد بينهما منذ سَنوات عَديدة، وكان النَّجل البكر لدَى وصُوله إلى تاج الدّين الحاج مالك، لا زال يجلُو من ظلمة الجَهل الحالك أنشَد قصيدة جاء فيها هذه الأبياتِ:
أهدي بَهي سَلام قَد تُسايرهُ = تحية مثل روض زانه زهرُ
لماجِد فاضِل مِن مَعشر غرر = بهم تمدح أهل الغرب وافتخرُوا
حبر بهم مُشكلات العِلم قَد وضحت = للطالبين فبالمَكنُوز قد ظفرُوا
أحيَى به الله دِين الهاشمي كما = به أذل عدَاة الدِّين من نفرُوا
جاء الخضم وهَذا الدِّين ذَا أود = وبعد ثقفه حتَّى اهتدى البَشر
جمّ المزايا سَليم القلب منقطع = إلى الإله لذا يصفُوا له الكَدر
مأوى العُفاة وليث للهُداة مَعا = لا زالَ يغشى معانيه اجتدآ زُمر
إذ أردت زلالا مرويًا شَبما = من بَحر عِلم فهذا البَحر يزدخِرُ
لازلت ترفع محرس العناية مر = عى الولاية تنحُو نحوك البشَرُ
كساه مولاهُ بالفضل والمَجدِ = ثوب العز مدثرا والعرفان يتزرُ
هذا الذي كنتُ أعنيه تبيينهُ = أوائل من ته الأبيات تستطر
هَذي زيَارتنا جَاءت لما قصرت = عن الحُقوق لهذا الشَّيخ تعتذرُ

[ ينظر: ” من كتابات سرين محمد بُوسو ” ضمن مجموعة من كتابات العلامة الشيخ امباكي بوسو”، ص: (442 – 243) والتي قام بإعدادها وجمعها المرحوم البحر الفهامة الشيخ سيدي مولاي بوسو سنة 2007 م/ شعبان 1428 ه‍ ، ص: (387)‍ ]

وللشيخ الحاج مالك سه في ابنيْه السَّيد محمد بوسُو وابن عمته السَّيد محمد الأمين انيانغ في زيارتهما له بإذن من الشيخ الحاج امباكي بُوسو:
أتتْ قُرتا عَين ونَجما سَعادة = لتَجديد عقد كان خَير عقُود
فبشِرهُما يَا ربِّ خير بُشارة = لدى الفزع الأعلى ليَوم شهود
ولازلتُما كالفَرقدين إنارة = وملتزمي وصف رضًى وحَميد
سميى رسُول الله لازلتما عَلى = قبول ورضوَان وخَير جدُود

وبِغض النَّظر عَن روابطهما الدَّموية، باعتبارهما مُنحدران من أصل واحد، كانت تربطهما علاقات ثقافية وعلمية، وثقة متبادلة، فكان كلّ واحد منهما؛ يرى في الآخر نمُوذجا للصدق والإخلاص، إضافة إلى ذلك زمالتهما في الدراسة في “كر شريف ” قرب بيير التي تبعد عن تيواون بـ 12 كم، ففي هذه القرية كان الشيخ يلتقي كثيرًا بالحاج مالك سه، وبمناسبة تلك اللقاءات العلمية، اكتشف العالم التيجانيّ طُول باع الشيخ في فنون شتى، وبروعه في علوم مختلفة، وذكائه المُنقطع النظير، وغير ذلك من الصفات المتميزة، ولذا قال فيه شهادته الشهيرة وهي : ” إنَّه لو لم يكُن لي دليل عَلى كمال الشَّيخ أحمد بمبا إلا صدق عقيدة امباكّي بوسُو فيه وسُلوكه علَى يَديه مع مَعرفته له لكفانِي حُجَّة “.

ومن طرائفِ ما يُروى ولما وافى الأجل المحتُوم الشيخ الحاج مالك سه والحاج عبد الله نياس – رضي الله عنهما – في عام واحد، رثاهُما الشيخ امباكي بوسُو – وكان خليلاً لهُما – بقصيدة رائعة بإذن من الشيخ الخديم – رضي الله عنهما -، منها هذه الأبيات :
يا ثَلمةً فِي دِيننا الإسلاَم = مِن قَلع قرني هامة الأعلامِ
السَّيدين العَالميْن الناسكين = المُسلكين لحضرةِ العلام
شمسٌ وشمسٌ عَام شَمس غَابتا = فبكى الورى لتكاثُف الأظلامِ
من لِلشَّريعَةِ والمَدارس والمَنا = بر والمعَارف بعد والأقلامِ
أو مَن لحلِّ المُشكلات إذا ونَتْ = أفكار كل مدقِّق مفهامِ
وا مالكا للسُّنةِ الغَراء والـ = قُربى وللضُّعفاء والأيتامِ !
ما ليثُ غيل مِثل عَبد الله فِي = يوم الحُروب الباسِل المقدامِ
لو أنَّ نفسا من حَمام تفتَدى = لفَداكُما ألفًا من الأنَام
لكنَّه حَتم وقَد أبقيتُما = ذِكرا جَميلاً والثَّناء السَّامِي
فجُزيتُما خيرا وعَن نفسيْكما = بالرّوحِ والريحَان والإكرامِ

[ ينظر: ” الخليفة الحاج محمد انياس صاحب البصمات الراسخة والكرامات الخالدة” لمؤلفه الشيخ محمد الهادي بن الحاج أحمد انياس الواعظ في قناة والفجر، الطبعة الأولى: 1435ه‍ – 2014م، ص: (122)، وكتاب ” دراسات حول المُريدية “، دائرة روض الرياحين، طبعة دار المعارف، 1431ه‍ 2010م ، ص: (129- 130) مع اختلاف يسير ]

3- الشَّيخُ الحاج عُمر الفوتي طال

1- سَفره إلى امباكِّي بَول

لقد سافر المجاهد الشيخ عُمر الفوتي إلى قريةِ امباكي بول قبلَ ولادة الشيخ الخديم – رضي الله عنه – وقد أكدت الرواياتُ الشفهيَّةُ أنَّه بشَّر بولادتهِ وأبرز كثيرا من كرامات وخوارق بعض أعلام أسرته الطيبة، كما ذكرها الشيخ موسى كاه – رضي الله عنه – في قصيدته ” دِكُّكْ شيخُ عُمر الفوتيُّ امباكي بَول” وهو يحكِي لنا قول الحَاج عُمر الفُوتي طال للشيخ ممر أنت سل امباكي والسيدة جارة الله بُوسو – رضي الله عنهم – لما جاء إلى مَدينة بول:
مَوَغْلَ لَمْوَغْ مَامْ مَمَّرْ عَنْتَ سَلِهْ = بَمْبُورْ بَدَانُ قَرْ كَنَمْبَيْ سَلْسَلِهْ
كِتَغْ مَنجَوْ بَكِّكْ بَوَل يَايْ بَايَمْ = مُويْ رَمُّ بُولِيمْ قَرْنُبِي مُويْ يَارَمْ
سَدُومْ كُمِلْنِمُومْ هَمُلْ بِيضَانِ = كُمِلْنِمُومْ دُوتُهَمِتْ سُودَانِ
مُويْتَغْبَ جِبّْ تَبِّ فِي الْجِنَانْ = مُويْ رَمُّ قَرْنُبِي عَنِ النِّيرَانْ
دِكْلُلْ مَوَغْلَ لَمُوَغُونْ مَامْ جَارَهْ = بَمْكُ نُيُو تِدِفْكُ دُونْ زِيَارَهْ
مُنِكُ يَوْ مِي يَادِ سُنُمَامْ جَارَهْ = يَا يْجُرْ كِتَغْ بجِبُّهَمْ أَيْدَارَهْ
” جَارَامَ مَامْ جَارَهْ كُهَمْ جَارَامَهْ = يَاكُورَلْ سَدُومَ رَيْ كَرَامَهْ ”
لَمُوَغُونْ وَابَكِّ جِيْ كَرَامَهْ = مَنِيفُكُو وَيَالِ أكْ مَقامَهْ

وكُلُّ من أردَ المزيدَ والوقُوف على قصَّة تبشير الشَّيخ عُمر الفُوتي بمجيء مُجدد قَرنه وفريد عصره الشيخ الخديم – رضي الله عنه – فعليه أن ينظر ويطالع بتأن وتدبّر : قَصيدة ” دِكُّكْ شيخُ عُمر الفوتيُّ امباكي بول كِرْ شِيدِ دنَفِيجسِ خَادِمُ الرَّسُولْ” ضِمن المَجموعة الثالثة من قَصائد سرين موسى كاه خادم الخديم التي قام بطبعها ونشرها المُريد محمد مصطفَى كي بإذن من سرين مُحمد الكبير كاه من الصّفحة الأولى وما بعدها تجد فيها ما يشفي الغليل ويبل الصّدى.

2- شَهادة الشيخ الخديم للشيخ الحاج عُمر الفُوتي طال واعتِرافِه بفضلِهِ

وقد أشار الشيخ الخديم – رضي الله عنه وأرضاهُ – إلى قوة حفظهِ حين قال في حقّ الحاج إبراهيم البغدادي فسمعتُ من الشيخ الوالد يقول: ” ما رأيت مثلَ هذا البيضاني في كثرة الحفظ إلا الحاجَ عمر الفوتي دائما يقول قال البخاري، وقال مُسلم، إلى هلم جَرَّا “. [الإرواء المحقق، 2017م، ص: (233)]

ولقد رَوينا عن الشيخ أحمد امباكي دار المُعطي الذي روى عَن الشيخ سَرين امباكي عبد الرحمان أنَّ الشيخ سرين مختار بند سِه لما أعطى الشيخ الخديم – رضي الله عنه – كتابَ ” الرِّماح ” للشيخ الحاج عمر الفُوتي طال كتبَ الشيخ هذا البيت :
مَن سَرَّه نَيْلَ أسْرارٍ إذَا نَظَرا = فَلا يُفارقْ رِماحَ شَيخِنا عُمَرا

وقال الأخ عبد العزيز التجاني انيانغ: ” والله قد صدقت الرواية وروينا ذلك من طريقة كهذه وهي :
ومن يرد نيل أسرار ومعرفة = فلا يفارق رماح شيخنا عمرا

وهذا كله يدل علي أن أجدادنا رعوا أخوتهم الطينية والدينية – رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم – “.

3- اقتباسُ الشيخ قولهُ

اقتبسَ الشيخ قوله فِي ثنايا منظومته ” الجوهر النّفيس” مُشير إلى كونه مُتصفا بالعلم والتُّقى وهو قولهُ:
وكانَ شأنُه كقَول عُمرَا = مَن بالتُّقى والعلمِ قَد تأزَّرَا
“وكُن إذا دَخلتَ في الصَّلاةِ = كَمثلِ شخصٍ كان في الوفاةِ ”

4- الشَّيخ الحاج عَبد الله سِيس جَامَلْ

1- شهادة الحاج عبد الله سِيس

قال المُؤرخ الشيخ محمد الأمين جُوبْ الدَّغانيُّ: ” ومن أجلاء الشُّهداء السيِّد الجليل الحاجُّ عبدُ الله سِيسِ السَّالُمِيُّ كان حَسَنَ القولِ والاعتقاد في الشيخ، تكلم قوم في مَجلسه حتى ذكروا الشيخ وأخذه ورده من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتكلم شخصٌ من الحاضرين كأنه معترض، فانتهره الحاج وقال: ما تقول؟ ألم يقُل الشيخ أحمد التيجاني أنه أخذ بعض أوراده بإملاء من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ قال: بلى، قال: وما كان إلا عَالما عاملا تقيا سَنِيًّا، حسنت ظُنونُنا به، فصَدقناهُ، وهل هذا إلا مثله عالما عاملا تقيا سنيا، أَفلا يسَعُنا أن نصدِّقه بحُسن ظننا الذي صدقنا به ذلك، فانقطعَ الرجل، ولم يحُرْ منهُ جوابٌ “. [الإرواء، بتحقيق مجموعة من الباحثين المريدين، طبعة: 2017م، ص: (246- 247) ]

وفي هذا المعنى قال الأخ سرين جيل امباكي حَمدي في منظومتِه ” مَواهب المعينْ”:
ومن أجل شهداء العيلم = الحاج عبد سيس السالمي
قوم تكلموا لدى مَجلسه = بوردنا المأخوذ مع مقبسِه
كأنما شَخص هُنالك اعترض = فانتهر الشيخ عليه اذ نقض
أما يقُول شيخُنا التيجاني = عليه رضوان العزيز الدَّاني
أخذ وردَه بإملاء الرسُول = قال: بلىوقال أيضا يا خليل:
ما كانَ إلا عَالما سُنيا = وعاملا بعلمه مرضيا
حسنت الظُّنون صدقناهُ = ألم نصدق الذي قلناهُ
في شَيخنا أحمد حَسّن الظّنّ = به كما صدق أهل المنّ
فانقطع الرَّجل لم يجز جَواب = حسْبي الإله منه أبتغي المتاب

وقال صَاحبُ المنن: ” كان – رضي الله عنه – من تلامذة الشيخ الوالد مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبِ اللهِ، وكان يقول : ” إنّما حَصل عليه والدكُم خَارق للعادة، أما أنه لو لم يزد شَيئا على مَواهب والده لكفاه مجدا “.  وجَعل يطنبُ في ذكر الشيخ الوالد وتعداد مناقبه، ويقُول:” مُريدوكم تلامذة وخدمة، أمّا أنا فعبدٌ “.  تَواضعا منه رحمة الله عَليه، وإجلالا للمُعلّم وتعظيما لمنّته.

بلغني عن ثقاة عنه، أنّه أتاه يوما تلميذ له يسأله هل تصحّ إمامة مُريد للشيخ أَحْمَدَ بَمْبَ لطائفة التجانية، فأجَابه: هل انخرم وصفٌ من أوصافِ الإمام؟ قال: لا، إلاّ أنه ليسَ بتيجاني. قال له: أوصاف الإمام أحَاط بها الفقَهاء قبل، لا يُؤثّر فيه شيء إلاّ ما سطّروا. انظر هذا من المباسطة والتحقيق.

وبلغني عَن أحد الثِّقات من تلامذة الشيخ عَبْدُ اللهِ سِيسِهْ (Abdoulaye Cissé) أنّه كان يقولُ: ” لا يحْلفنّ أحدُكم بما يتصَّور وقُوعه غالبا”. ويضحكُ ثم يمثّله لهم بشيئين: أحدهُما لا يحلف أحد بأنّه لا يذهب إلى أرض  بُدَايْ (Bouday)، وهي أرض صَالحة للزراعة جدّا، أصلح من غيرها في سَالُمْ (Saloum) فإنّا ما رأينا من ذَهب إليها ثم رجع عن فعله تندّما. وكذلك لا يحلف أحدكُم بأنه لا يزور الشيخ أَحْمَدَ بَمْبَ، فإنّا جربنا أنّه ما فعله أحد وندم عليه، ولذلك ترى الزوار يزدادون عِنده، ولا يرجِع أحد عنه ولا يتخذون إلاّ سَبيل رشده سَبيلا.

وحَكى عليَّ أحَد تلاميذه أنّه حضره وأتاه تلميذ له يتعجّبُ مِن أن مريدي الشيخ أَحْمَدَ بَمْبَ يقولون أن وردهم أخذه شيخهم عن رسُول الله بلا واسطة، فقال له الشيخ الوَرع الحاج عَبْدُ اللهِ سِيسِه (Abdoulaye Cissé) : ” تنكر عليه ولم تنكر عَلى الشيخ التيجاني؟ إنّما كان الشيخ التيجاني شيخا مقبولا عند الناس لصلاحه ودينه وظهور كرامته عند قومه فقط، إلاّ أنه ليس بنبيّ يجبُ التَّصديق به شرعا. وشيخ المُريدين عالم ثقة ورع سنّي، خَرَق العادة في العبادة، إذ أَخبر بما هو وجداني، وقد ظهرت كراماته وتواترت عند قومه فلا سبيل إلا الإنكار عليه “.

لله ما أنصفه وأوضح حجّته التي لا تتأتّى إلاّ من عالم لم يُظلم قلبه ولم تتكدر نفسه. [ المنن المحقق، للشيخ محمد البشير امباكّي، بتحقيق الدكتور محمد شقرون، مطعبة المعارف الجديدة، 2012م، ط 1، (361- 362)]

5- الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد الفاضل الزعيم القادري الكبير

1- مدحه الشيخ الخديم – رضي الله عنه –

الشيخ سعد أبيه

قال الدَّغاني: ” وهذا وليُّ الله المتفق على ولايته الشيخ سعد أبيه عقيلةُ بيت الشرف وسُلالة النبوة العزيزة قال وكتب ونثَر ونظم . ومما ينسبُ إليه في بعض بَراوته بعد حمد الله وسَلاميه على رسُوله :
أما بعد فسَلام مني إلى الشيخ أحمد بامبا لعَن الله من أبغضَه وسبَّ، موجبه فلا تنسَني ولا تنسَ أمة رسُول الله – صلى الله عليه وسلم -.

فهَذا من السَّيد الجَليل نصيحة للأمةِ، ودلالةٌ على الخَير بإشارة لطيفة وقال في قصيدة التهنئة لما رجَع الشيخ من الغيبة المباركة بعد أن يَستشهد عَلى أمره ببيت قديم وهي:
حَلف الزمَان ليَأتين بِمثلِه = حَنثت يمِينُك يا زمَانُ فكفِّر

وقال وهو يهنئ الشيخ الخديم – رضي الله عنه – عند رجوعه من الغيبة البحرية: [من الطويل] مَعَادِنُه أجلتْه مِنْهَا النَّصَارى = فَأصبحَ في تلك البحُور نُضَارَا
ومِنْ صدفِ البحرِ المُحيطِ بدا، فمِنْ =
تَلألُئِهِ فِيهِ العُيُون حُيَارَى
فعُجْبِي لِكِيمِيَّا امتحانٍ غَدَا = بِهَا نُضارُ الوَرَى يَاقُوتةً لا تُبَارَى
وبَدرٍ مُنيرٍ غَاب فِي الغَرْبِ ثُم لاَ  = حَ مِ الغربِ شَمسًا رِفعةً وانتشارَا
فَيَا عَجَبًا بابُ المتاب مُفتَّح = لكلِّ مُريدٍ رَامَ منهُ جِوارَا
هنيئًا لذا الدين الغريبِ الذي غَدَا = يَتِيهُ سُرُورًا مِنْكمُ وافْتخارَا

بَخ بَخ، أكرم به مِن وليّ ناصِح لا يغشُّ ولا يُداهنُ.

[ يراجع: دواوين شعراء أهل الزوايا الموريتانيين في مزايا الشيخ الخديم – رضي الله عنه -، ص: (28)، والإرواء المحقّق، ط 2017م، ص: (225- 226)]

فأجابه الشيخ قائلا: [من الطويل] رددنا إلى من صيتهُ قبلُ دارا = وفي الحين تسليمًا يُنوّر دارا
سلام على شيخ الشيوخ الذي له = مقام رفيع وهْو ليس يبارى
سلام على سعْدٍ سعيدٍ مُبجّل = يُكرّمه القاصي ومن كان جارا
أيا شيخ خذ مني جوابا يدلكم = على سبقكم فالفردُ ليس يجارى
على المصطفى خير البرايا = صلاةُ من
إذا كان للأوّاب كف تبارا
عليه سلام الله ما دام مصطفى = ومن كبّ من يخفي الهدى حيث بارى

وقال صاحبُ منظومة “مواهب المعين”:
هَذا ولي الله باتِّفاق = عنْد ذو البَصائر السُّباق
وهو شَيخنا الشَّريف سَعد = أبيه ذو الأسْرار نعم العبد
كتابة نظْما ونثرا جَعلا = في شَيخنا وكلها قد اعْتلا
منها بَراوة إليه نسَبا = مبدَأها سلم شيخِي بمبا
لعنَ من أبغضَه وسَبَّا = وبعْدها أتَى الذي قد أوجبَا
لا تنسَني لا تنسَ أمة الرسُول = صلى عليه من بِه يحبُو بسول
أيضا له لدَى الرُّجوع تهنئَة = مقصُورة لقد ذكرت توطِئة
فهذهِ من الوَلي الصَّالح = إشارة الخير ونصح الجانِح

ولله درّ صاحب المنن حينَ قال عنهُ: ” الشيخ الجليل المفخَّم، ذو الولاياتِ الشَّهيرة والقبول الفائقِ “.[ منن الباقي القديم، ط1، (191/1)]

ومن ضوء ما سبق عَرضه نَرى خلاله شَهادات كثيرة مِن أجلاء عُلماء في حق الشيخ الخديم – رضي الله عنه -.

بقلم الأخ الباحث سرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي

الهوامشُ:

1- الحاج مالك سِه

2- الشيخ عبد الله انياس

3- هو الشيخ محمد الخليفة بن الشيخ الحاج عبد الله نياس الكولخي، ولد سنة 1298هـ/1881م، كان من العملاء الأجلاء، ومن البررة الأتقياء، أنفق عمره في التربية والتعليم، كما كان من الشعراء المبرّزين، وكما كان عالما وأديبا، وغيورا على التصوف وخاصة الطريقة التيجانية وقد ألف العَديد من المصنفات للذبِّ والدِّفاع عنها والرد على هجوم الطريقة، ومن مؤلفاته ما يلي: ذخيرة العطايا في الوفود والسرايا، ومرآة الصفا في سيرة النبي المصطفى، والأدلة المقنعة إلى طرق المنفعة، وديوان عقود الجوهر في مدح سيد البشر، والكبريت الأحمر في مدائح القطب الأكبر، والجيوش الطلع في المرهفات القطع إلى أبن ما يابى أخي التنطع، وهو رد على ابن ما يأبى الذي هاجم الطريقة التيجانية وبدع صاحبها ، ومنها أيضا قصيدته هاج شوق الفؤاد، ودرة الذاكرين وقد توفي سنة 1959م. [ ينظر:” الخليفة الحاج محمد انياس صاحب البصمات الراسخة والكرامات الخالدة” لمؤلفه الشيخ محمد الهادي بن الحاج أحمد انياس الواعظ في قناة والفجر، الطبعة الأولى: 1435ه‍ – 2014م و كتاب ” الأدب السنغال العربي” (2/6 – 19)]

وقد قال :
واعلَم بأنَّ حُسنَ إسلَام الفَتى = تركٌ لِما لم يُعنِه كما أتَى
واللهُ فِي عَون الذِي أعَانا = أخاهُ إذ فِي خبَر أتَانا
والشِّركُ أخفَى مِن دَبيبِ النَّملِ = فِي أُمَّتي مقالُ خيرُ الرُّسلِ

[ يُنظر ” نظم وصايا الشيخ رضي الله عنه “، للشيخ الخليفة الحَاج محمد انياس الكولخيّ ].

هو الشيخ بُوكنت (cheikh Bou Kounta) المعروف بـ (محمد بُوكنت Mouhamed Bouh Kounta) من شيوخ الطريقة القادرية في السِّنغال، فَوالده هو الشيخ مُحمد كُنت والدته هي مكد جوب بنت ساخور سخن امبي جوب، ولد سنة 1843م وهو مؤسس انجاسان (Ndiassane) التي تقع قرب تواوون (Tivaouane) وتوفي 13 يوليو في سنة 1914م .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى