الإقتصادالثقافةالدين و الترييةالسياسةالملفات

الهِمَّةُ العَاليةُ عندَ الشَّيخِ الخديمِ – رضي الله عنه –

الهِمَّةُ العَاليةُ عندَ الشَّيخِ الخديمِ – رضي الله عنه –

إنَّ عُلو الهمَّة مِيزةٌ محمُودة فِي الإسلام الحَنيفِ، ومن الملحوظِ أنَّ ازدهارِ الأمم مُنذ العصُور الغَابرة إلى وقتِنا الرّاهنِ كانتْ كَامنةً فِي عُلوّ هِمة أفلاذِ كبدهَا الذين انغمسُوا في التماسِ مناصب راقية بشَغف مُنقطع النَّظيرِ. و إنَّ مما لا يخفى على ذي بصيرة وإلمام بتاريخ المُريدية أنَّ وظِيفة شيخنا الشَّيخ الخديم – رضي الله عنه – كانت التربية بالهمة التي كادت تُرى كَرسم دَار قد عفا قبل هُبوطهِ على هذه البَسيطةِ مِن منهاج تربيته للمُريدينَ الصَّادقين السَّالكين الذين ربّاهم ورقاهم في القرى التي أسِّسها على همتهِ العالية واقباله على اللهِ بالكلية حتى أصبحت أرواحهم صافية.

وكما كان يغرسُ – رضي الله عنه وأرضاهُ – على أذهان المُريدين الفضائل المحمُودة كالهمة العالية والإحسان والعَدل والصَّبر والرَّحمة والجُود والسَّخاء والإيثار وقصد وجه الله تعالى، وامتثال أوامر الشيخِ المُربّي والمرقّي واجتناب نواهيه، والمعرفة بالله المُوصل إلى الله تعالى واليقين والصّدق والاستقامة وإخلاص العمل لله، والرَّجاء والتقوى، ومحبة الله ورسُوله الصَّادق الأمين وآله وصَحبه وخديمه والمؤمنين المخلصين المحسنينَ .

تعريفُ الهمّةِ

الهِممُ: جَمع الهمّة، العزم القويُّ وقيل: ما تبعثك من نفسك عَلى طلبِ المَعالي، وقيمة كلّ امرئ همَّته.[ آداب المُريدين، لابن عَربي، ص: (46)]، وقال السَّيد الشَّريف : الهمّة توجّه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جَانب الحقّ لحصُول الكمال أو لغيره. أو عبارة عن: أن يتعرى العبد بنفسه عن حبّه الدُّنيا وبروحه عن التعلّق بالعقبى، ويقلبه عن إرادته مع إرادة المولى ويتجرد بسرّه عن أن يلمح الكون أو يخطر على سرِّه. [ شرح ” تائية السلوك إلى ملك الملوك” الشيخ عبد المجيد الشرنوبي الأزهري، ص: (12) وما بعدها، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة ].

وقد وردت مشتقات هذه الكلمة كما روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ )). [ متفقٌ عَلَيهِ]. وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – الذي يقول: ” صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْر سوءٍ ! قيلَ: مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجِلْسَ وَأدَعَهُ “. [متفقٌ عَلَيْهِ].

في هذا الحديث: أنه ينبغي الأدب مع الأئمة، بأن لا يخالفوا بقول، ولا فعل مالم يكن حرامًا، فإن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيء.

ومِن الصّفات الراقية التي كان سلفنا الصالح يتحلوّن بها علوُّ الهمّة والتعالي عن سفاسف الأمور، فكانوا حريصينَ على العلم، يظمؤُون الهواجر من أجله، ويكابدون الليل في المطالعة ومناقشة المسائل، كما كانوا يقطعون المراحل ويسافرون مسافةَ شهر في طلب حديثٍ واحدٍ (1)، وكتبُ التاريخ والتراجم والأدب شاهدةٌ على ذلك، وحافلة بالأخبار التي تدهش العقول، التي تنبئُ عن حرصهم الشديد على العلم وطول صبرهم على تحصيله وتطلابه (2).

وقال الشاعرُ:
ومَن تَكُن العَلياءُ همَّةَ نَفسِه = فَكلُّ الذي يلقاهُ فيهَا مُحبَّبٌ

مع أن كل من أمعن النَّظر في كتاباتهِ أو لم يمعن لكن فكر قليلا سيعرف أنَّ الهمة منهجٌ من مناهج تربية الشيخ الخديم كما هو معلوم أنَّه سلك مع أتباعه الكرام منهج التربية بالهمة بين الجوع والعزلة عن العوام خصوصا النساء والإكثار من الذكر بالهيللة وقراءة القرآن ليلا ونهارا، وكذلكَ المداومة على الطهارة ونَحوها حتى فاقوا غيرهم .

نماذجٌ مِن عُلو همَّتهِ

هِمتُه العالية في طلب العِلم

كان الشيخُ كبيرَ الهمّة فِي طلبِ العِلم كثيرَ الحِفظ عَاقلا لبيبًا وحسن الرأي والفَهم مُجتهدا فِي فَهم المَعاني والدَّقائقِ، كثير النَّشاط فِي تفهيم التلامذةِ والصَّبر لهم سيّما البُلداء منهم، فَأحبُّوه بذلك حبًّا جَما وقَدّموه عَلى غَيره، وصَار كلّ من تعلَّم منه لا يَكاد يُفارقه لفَصاحة لسَانه ورجَاجة عَقلِه. فَلما أحَال فيه الخَير وأحسَّ منه الوالد الفهم والمهارة فِي الإعرابِ والنشاطَ ولاهُ جلَّ التدريس، وصار يُقرأه عدّة من الألواحِ مما لم يبلغه لوحُه ربَّما يكون فِي كتاب غير الذي يقرأ لينُوبَ عنهُ فِي الإقراءِ إذا أتَى المتعلّمون ثقةً بقريحَته فَتبارك الله أحسَن الخالقين.

معَ ما انضَم إلَى ذلكَ فقَد ألهَمه الله تَعالى حبَّ البياضين وعَدم استخفافهم يذهبُ إليهم خفيةً إذا حطُّوا رحالهم فِي النَّادية القريبةِ منه ليقتبسَ من علم عُلمائهم، ومحاجتهم ومماراتهم وشِعر شُعرائهم، ومَفاخرهم ومهَاجاتهم، وحِكم حُكمائهم، وطبّ أطبائهم، وأخبار الأشياخ والأولياءِ وكراماتهم وسِيرهم، وسَخاوة أسخيائهم، وأمداح الشُّعراء لهُم، وبُخل بخلائهم، وذمّ الشعراء لهم، ومضاحك الطرفاء، وسخافة السُّخفاء… وقَد أمالُوه مرَّةً إلى شَيخ معروفٍ من عُظمائهم حتى كاد يميلُ إليهم يقُولون له: يَقضي حَاجتك ويُشيّخك، فأتَى والده يستأذنُه للارتحَال إليهم، فقال له[ الشيخ الخَديم] ما قالوا، فقال: لاَ تفعل إجلسْ واقبَل على تعلُّمكَ يأتيكَ الخيرُ فِي محلِّكَ، فكان كما قالَ- جزاه الله عنّي خَيرا- وهَكذا كان دَيدنُ الشيخ الوالد مَع ولدهِ ينصَحه دائمًا برفع الهمة عن غيرِ الله تعالى، فلم يخالطه مع الأولادِ ولا مع الأقَارب ولا الأجَانب ” [النبذة، ص: 6 -7 بتصرُّف]

قال الشاعرُ:
فكَم مِن صَغير لاحَظته عِناية = مِن الله فاحتَاجتْ إليه الأكابرُ

وكان يرفعُ همم طلاب العلم، ومن ذلك قوله:
فَإِنْ تَكُنْ ذَاتَ انْفِصَالٍ فَوَجَبْ = الرَّفْعُ مَعْ تَكْرَارِ لاَ عِنْدَ الْعَرَبِ
تَقُولُ: لاَ فِي هِمَّتِي مَزْحٌ وَلاَ = دُعَابَةُ مُذْ أَنَّنِي أَبْغِي الْعُلَى

1- عُلو هِمَّته في العبادة

كان الشَّيخُ الخديم – رضي الله عنه – نمُوذجا ساميا في الهمة العالية في امتثال الأوامر واجتناب المناهي كما قال الدَّغاني في النبذة المباركةِ :” أخبرنِي أخي عبد الودود بن سيد عبدلَّ العالم التقيّ الابييري أنّه قال أو قيل للشيخ إنَّك تقدّم الصلاة فِي أوّل الوقتِ، فقال: نعَم، أريد أن أبَادر للامتثال. وسَمعتُه منه – رضي الله عنه – قيل لِي هَل اتخذتَ للمسجدِ إماما يُريحكَ من الترداد كلّ وقت؟ فإنّ الشيخَ الفلانيَّ وعدّ أشياخا معه اتخذوا لمسَاجدهم أئمة، فقلتُ للقائل: بِم أَشتغل إن اتخذتُ لرأسِ العباداتِ فِي الجَماعات إماما أولِيه إيَّاها، أهُنالك شيء أعظمُ منها أشتغل بها أم أُوليه الأعلى، وأبقى في الأدنى بلا عُذر إنَّها الدَّناءة السُّفلى وسقُوط الهمَّة معاذ الله !!!

2- مُحمديّ الخلق إبراهيمي الهمة

وخير دليل عَلى همته العالية هذه الحِكاية التي ذكرها الدَّغاني – رضي الله عنه -: “قيل: إنَّ الشَّيخ لما دنَا من لُوغا خاطبه بعض وُكلاء النَّصارى الذين معه على وجه الشَّفقة: أيُّها الشَّيخ تسلَّح فقد قاربَ العدوُّ، فَقال له الشيخ بصوت قوي: ” الله لا يعجِز ولا يتخلَّف “.

فلما وصلُوا واطمأنوا رجع ذلك الوكيل فقال: أيُّها الشيخ أنا قلت على وجه الشفقة تسلح فقد قاربنا من العدوّ، فقلتَ لي: الله لا يتخلَّفُ فما فهمت هذا بالنسبة إلي قولي؟ فقال له الشيخ: نعم، معناه أن الله تبارك وتعالى لا يغيب عنه شيء ما الذواتُ وغيرها مما تضمّنت، فهو إذا حاضر معنا، فإن دافع عنّي بقُدرته فلا أحد يقدر، فإن خلى بينهم وبين مُرادهم فلا أحد يدفع { وَإنْ يَمسَسْكَ اللهُ بضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لهُ إلاَّ هُوَ وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفضْلِهِ} [ يونس: 107] صدق الله العظيم وبلغ مولانا رسوله الكريم، فانصرف الوكيل منشرحا.

قلت: لأن الشيخ بين له حاله ووراثته، فنبينا – صلى الله عليه وسلم – قال: { التوكُّلُ حَالي والاكتسابُ سنتي فمن ضَعف عن حَالي فلا يضعف عن سُنتي } [ لم نقف عليه]. فالشيخُ ورث من حاله – صلى الله عليه وسلم – وسنته حظا وافرا، ومن حال إبراهيم حين ألقيَ في النار فطلب منه الملائكة أن يستعين بهم فردّهم، وقال له جبريل عليه السلام سله، فقال: علمه بحالي يُغني عن سُؤالي. فالشيخ مُحمديّ الخلق إبراهيمي الهمة، يعملُ بحال النبي – صلى الله عليه وسلم – وسنته فقد عاينت عمله بحالهِ “.
[الإرواء المحقق، طبعة: 1439ه‍ 2017م، ص: (121- 122)]

ومما يدل عَلى أن همته كانت متوجهة إلى ربّه عزوجل دُون المخلُوقاتِ ما رواه الشيخ محمد الأمين جُوب الدَّغاني – رضي الله عنه – : ” ولما أصبح الصباحُ أركبُوه سفينة متجهين به نَحو غابُون حيث يكُون منفاهُ، ثُمَّ أتاه فِي السَّفينة أيضا [ بعد رُكوبه فيهَا ] شَخصٌ يُريد أن ينصحه، قال له: ” إنَّ هُناك أميرا جَديدا قدم من أرضِهم لما يختلط مع السَّوادين، لو كتبت إليه كتابا يعلِّمه بأنك مظلُوم لردَّك إلى دارك وعيالكَ، قال: ولم يَزل بي الرَّجل حتى أمالني، فتناولت المدادَ والقلمَ، فلما هممتُ وكتبت سَطرا أتاني الخِطاب من حَضرة ربِّ البرية: أترفع حَاجتك إلى مخلُوق مثلك دُوني؟ فمتُّ خَوفا وحياء، ومحوتُ ما كتبتُ، فألحَّ علي الرَّجُل، فقلتُ: لا سَبيل إلى ذلك.

قلتُ [ المُؤلف الدَّغاني ]: ومُخاطباتُ ربِّ الأرباب لعِباده المتمكّنين لا يعلم لها كيفية إلا أهلها الذَّائقون لمَرارتها وحلاوتها، فحسبُ العاميّ أن يُسلِّم ويقفَ عند حدِّه ليسلَم إن لم يوفَّق لقبوله.
وفي هذا يقول:
وطلبَ الذي الأميرُ أرسَلا = معَ الخديم ناصحًا أن يُرسِلا
بَراوةً إلى أميرٍ قُدمَا = مِن أرضهِم، ومَال ثمَّ نَدمَا
ثم مَحا الخَديم ما قَدْ كَتَبا = ثُم لهُ خُوطِب ثَمَّ بِاكتُبا
وكتَب القَصيدَة المقبُولَه = لذِكر من يَرى به سَبيلَه

والقصيدة المقبولة في حُروف قوله تعالى: { وَأُفَوِّضُ أَمْرِيَ إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [سورة غافر: 44] وجهتُ خطِّيَ إلى المَليك = ذِي الأرض والسَّماء والمُلوكِ

{ إلخ } وانطلقت السَّفينة يوم السَّبتِ الثَّانيَ من ربيع الثاني [ 21 سبتمبر 1895 م ] “. [ الإرواء المحقق، طبعة 2017 م ، ص: (132 وما بعدها )]

3- رغبتُهُ في الانضمام إلى ركْبِ أهل بدر الكرام

كان الشيخُ يبتهل إلى الله تعالى داعيا له أن يلحقه بخيار الزمر أهل بَدر الكرام من أصحاب البشير النذير، كما قال في نظم أسماء أهل بَدر:
واجعَل بهِ رِجَال بَدر الكرام = معِي في الدَّارين فِي كلِّ مَرام

ويقول صاحبُ الرّحلة : ” … واعتكفَ الشيخ في مسجده بطوبى الذي اندرسَ وصار غُفْلاً بعدهُ حتّى فَيَّضَ الله له تعالى سِبْطَه وسَمِيَّه والحاذي حَذْوَه سرين امباكي مَدِينَه بن الشيخ أحمد المصطفى فبحثَ عنه وبناهُ وشيَّدَه وأعمرَه. ولهذا المسجدِ خُصوصية لم تكن لغيره من المساجد وهي أنَّ أوّل ملاقاةِ الشيخِ لرسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – من دون حِجابٍ فيه في تلك الخلوةِ الأخيرة، وطلب من الله أن يكُون كأهلِ بَدرٍ ويشاركَهم في أجُورهم، فقيل له إنَّ ذلك دونَهُ بيع الدّماءِ في سَبيل الله، وأنواع من البلاء قلَّ مَن يصبرُ عليها فأنشدَ لسانُ حاله:
وبما شِئْتَ فِي رضاكَ اخْتَبِرْني = فاختيَاري ما كَان فيهِ رضاكا

فاستعدَّ للبلاء وقيل له: إنه لا يصيبه شيء ما دامَ في طُوبى فقد استجاب الله دعاءَه لها فصارتْ محروسةً، وما دام خالُه سرين امبسُوبيِ حيًّا، فارتحلَ من طُوبى إلى امباكّي باري وبعدَ مَجيئه لها بقليل سمع أنَّ خالَه توفِّيَ فرجعَ لطوبى للتّعزيةِ ثمَّ رجعَ إلى امباك بارِ في جُلُفْ ….”. [ ينظر: كتاب “رحلة شيخنا الشيخ أحمد بامبا في غيبته البحرية وبعض كراماته “،
تأليف/ محمّدِ بن شيخه أحمد بن الحسين بن عبد الله بن حمّاد الشريف الحسيني – صبَّ الله على رَوضته شآبيب العفو والمغفرة والرضوان – ]

وفي السنة السَّابعة من سنواته الأخيرة التي عاشها الشيخ الخديم فِي مدينة طوبى المَحروسة اعتكف بمسجدِه في دَار القدوس للذكر والدُّعاء والاستخارة، فرأى النبيَّ المُنتقى – صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم – يُعلن له درجة يصيبها بعد أشهر وهي درجة قُطب الزمان؛ وقال الشيخُ: ” لما رأيتُ النبي – عليه الصلاة والسلام – بصُحبتهِ فِرقة من أهل بَدر الكرام لم يَعد يهمّني شيء سِوى أن أكون واحدا مِن خواصِّه المُقرَّبين أهل بَدر الكرام، فأخبرنِي المُصطفى – عليه الصلاة والسَّلام – بأنه لا يُمكن أن تبلغ مقامهم إلا بمُمارسة مُجاهدات عنيفة، ومعاناة شاقّة ومكابدات وبَلايا مُؤلمة التي قَد لا يكون قادرا عَلى تحمله أصبَر الصَّابرين !!
فأجبتُ بأنَّ إرادتِي وعَزمي وحَزمي تصمدُ على كلِّ ما يتحَمله رُوحي .

وقال: أخبرني المُصطفى بأنه لا بد أن أخرج من مدينةِ طُوبى المحروسة بسَبب دُعائي المستجاب.

وكان الشيخ يقُول في قصيدته “مطلب الفوزين” التي نظمها أيام تأسيس طوبى:
ونجِّنا من شَر هَذا الزمن = وشرِّ غيرِه وكلّ فِتن
ولتقنا شرَّ النصارى واليَهُود = وشرَّ إبليس وكلِّ ذِي جُحود
والجن والدَّجال والسُّودان = في الشَّرقِ والمَغرب والبٍيضان
وشر مَا فِي الأرض طُرا والسَّما = من ظاهِر وباطن اكتتمَا

ولذلك خَرج من طوبى إلى منطقة جُلف – وهي أرض سكنها جده الكبير محمد الخير مهرم بعد انتقاله من منطقة فوتا -، فأحيى قرية جدِّه بعد خرابها وبنى فيها مَسكنا مع أتباعه المُريدين السّالكين ” . [ ينظر كتاب ” خُلاصة عن حياة المربّي الحكيم”، للباحث القدير الشيخ أحمد بامبا امباكي نجل الشيخ محمد المُنتقى امباكي، ص: (21 – 22) بتصرّف يَسير]

التِحاقُهُ بِركبِ أهل بَدر الكرام

إن مِما لا لجاجةَ فيه أنَّ الله تبارك وتعالى جَعل شيخنا الخديم – رضي الله عنه – من زمرة أهل بَدر الكرام، فَصار معدُودا منهُم أجُورا وقدرا بعد ما جاهدَ أعدائهُ جِهادا مُستبيتًا كما أشار إليه في كثير من كتاباتهِ، حيثُ قال في مطلع إحدى قصائدهِ: ” بسم الله الرَّحمان الرحيم كتبَ الله تبارك وتَعالى أنَّ كاتبَ هَذه الحُروفِ مِن أهل بَدر “.

وقال: ” …. وكانت النفسُ [ يعني] نفسه قبل الخروج تحبُّ الجلوس لخَوف الغربة، وأنا أكرهه لخَوف المهلكة؛ لأني لو جلست لهلكتُ وأهلكتُ، ولكن الله منَّ عليَّ بالخُروج وأدخل في قُلوب النصارى الخوفَ مني، وأخرجُوني وخرج الناسُ مني لخَوف النَّصارى، وقرَّبني الله بنفسه وجَعلنِي فِي أهل بَدر وأشهدهُم بأني منهم وجَعلوني كأنفسِهم ..”. [ المجموعة الصغرى، ص: (55 -56) ]

وقال – رضي الله عنه – فِي قصيدة مطرزة بـ” ربيع الأول ليَ”:
عَدَّنِيَ الباقِي مِن أهلِ بَدرِ = بمَولدِ المُختار عَالِي القَدْرِ

وقال:
عَدَّني اللهُ مِن اهْل بَدرِ = في البَحرِ والبرِّ وصَانُوا جُدري

وقال في قصيدة مطرزة بـ(ربيع الأول) :
عَدَّني الله من اَهل بَدْر = بغيرِ مَكر رافعًا لقَدري

وقال في قصيدته ” وإنك لعَلى خُلقٍ عظيم” :
عَدَّني اللَّه مِن أهل بَدْر = وصَانني بهم عَن أهل الغَدر

وقال في قصيدته المُطرزة بـ”وإنّك لعلى خُلق عَظيم”:
عَدَّنِيَ المَاحِي مِن اَهلِ بَدْرِ = بِلا اغتِرارٍ عِند أهْل الغَدرِ

وقال في قصيدة أخرى مُطرزة بـ”وإنّك لعلى خُلق عَظيم”:
عَدَّنِيَ اللهُ مِن اَهلِ بَدْرِ = وصَاننِي بهم عَن أهْل الغَدرِ

وقال:
عَدَّني الله مِن أهل بَدر = عَليهم رِضوان مُعلي القَدر

وقال في موضع آخر :
شهدَ اللَّه بأنّي واحدُ = من اَهل بَدر ومَا نحَاني جَاحِدُ

وقال في قصيدته المطرزة بـ ” يوم عاشُوراء كلّ عام وكلّ يَوم “:
أشهد ربّي قبلُ جُندَهُ العزيزْ = بأنَّني منهم بخارق عَزيزْ

وقال – رضي الله عنه -:
أشهد ربّي جُنده بأنني = منهم بخرق عادة ومنن

وقال في قصيدته المطرزة بـ ” محرم صفر …” :
بشَّرني اللَّه بأنِّي واحدُ = من اَهل بَدر خافَ مني الجَاحِدُ

وقال:
ضمَّني اللهُ لأهلِ بَدر = وقتَ اغتِرابي عند أهل الغَدر

وقال في قصيدته المطرزة بـ ” معجزات متأخرات من فضلِهِ ” :
ضَمَّنيَ اللهُ تَعالى كرَما = لأهل بَدرٍ زَحْزحُوا العَرمْرما

وقال في قصيدته المطرزة بحروف “شهر رمضان “:
ضَمنيَ الباقِي لأهلِ بَدْرِ = وكانَ لِي بهم وأَعْلَى قَدْرِي

وقال في قصيدته ” ذلك شهر رمضان”:
ضمَّتنيَ الخِدمُ للجُندِ الكِرامْ = وقادَ لِي اللهُ بِها خيرَ مَرامْ

وقال :
ضمَّتنيَ الأمداحُ والتَّوحيدُ = لجُند مُخزي منْ لهُ الجُحُودُ

وقال في قصيدته المُطرزة بـ “أن كاتب هذه الحروف من أهل بَدر “:
اختَصَّني اللهُ بكوني أبَدا = مِن أهلِ بَدر ذا فَلاحٍ أبَدَا

إلى أن قال في القصيدة نفسها :
رضيَ لي اللهُ بكونِي أبدَا = مِن أهلِ بَدرِ فَفلاحِي أُبِّدا

قال: ” كتبَ الله تباركَ وتَعالى أنَّ هاتينِ القَصيدَتينِ كُتبتَا عَلى سَاقيِ العرشِ والكُرسي، وأشهدَ اللهُ تبارك وتعالى جندَهُ الغالبينَ بأن ناظمها من جُند الله الغالبينَ بلا شكٍّ ولا تردُّدٍ ولا افتراءٍ، واللهُ على ما نقُولُ وكيلٌ “.[ يُنظر: دِيوان مراقي الأمن والسّعادةِ، طبعتهُ جَمعية أتباع الشيخ الخديم لطبع ونشر تُراثهِ العظيم، ص: (367)]

قال الله تبارك وتعالى : { ذَلكَ فَضلُ اللهِ يؤتيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ } [سورة المائدة: 54 ]

ولله درّه – رضي الله عنه – حين قالَ:” بسم الله الرحمان الرحيم وصلّى على سيّدنا ومولانا وآله وصَحبه وسلَّم وبارك صلاةً وسَلاما، وبَركةً يعلم بها كلُّ من وقف عَلى هَذا الخطِّ أنَّ من الناسِ من يؤمِن ومَن يكفُر بالفضلِ الإلهي وبالعدل الإلهي، فَمنْ شاء فليُؤمن ومَن شاء فليكفُر، وأنَّ اللهَ تبارك وتعالى يختصُّ برحمتهِ مَن يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العَظيمِ، ومما يُؤدّي إلى الكُفرِ – نعوذُ بالله تعالى منه – ومِن أهلهِ سُوء الظنِّ بأهلِ الاختِصاصِ وهَمًا ظَنًّا أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى حَبسَ اختِصاصهُ عَلى جهة أو قَوم – والعِياذ بالله تبارك وتَعالى – والسَّلام على من اتَّبعَ الهُدَى “.
[ المجموعة الكُبرى، ص: (361- 362)]

وقال في مَدح أهل بَدر الكرام مشيدا بهمَّتهم العالية في قصيدته ” جذب القُلوب “:
وهُم معًا أُسدٌ غِضابْ = ذوُو ارتفَاع هِمم
تنازعُوا الموتَ معَا = والكلُّ منهم شَجُعا

وقال في قصيدتِه “الميمية “:
فِي يوم بَدرِ بَدا بَدرًا وأمّهُم = إعلاء كلمة من أعلَى به الهِمما

الهمةُ في الكتاباتِ الخَديمية

1- الهمّة مِن لوازم طريق القوم

بيَّن أنَّ الهمَّة من اللوازم التي لا بُدَّ منها لأرباب الإراداتِ كما قال الشيخ في قصيدته ” حقّ البُكاء “:
طَرِيقُهُمْ عَشْرَةً جَآءَتْ لَوَازِمُهَا = لَا بُدَّ مِنْهَا لِأَرْبَابِ الْإِرَادَاتِ
إلى أن قال:
وَ مِنْ لَوَازِمِهَا مِنْهَاجُهَا أَبَدًا = وَهْوَ الشَّرِيعَةُ فِي بَدْءٍ وَغَايَاتِ
وَرُفْقَةٌ وَهْيَ إخْوَانٌ لَهُمْ هِمَمٌ = مَعَ الْوَفَآءِ بِصِدْقٍ فِي الأُخُوَّاتِ

إذا أمعنا نَظرة تيقظ وتنبّه دقيق نستطيع من هنا أن نقول بصفة عامة أنه صرّح و فصل وبيَّن لنا من خلال هذه الأبيات اللوازم العشرة عند الصُّوفية بتفصيل دقيق في هذه المنظومة التائية حتى لا نكاد نجد متسعا لبيانها خوفا من الاسهاب المملّ والإطناب المخل، وزيادة في الايضاح نكتفي بإيرادِ قول شارح” تائية السُّلوك ” الذي قال: ” إنَّ اللوازم التي لابد منها لمريد السفر لاسيما مُريد سَفر الآخرة عشرة: المقصد وهو الباعث عَلى السفر، والدَّليل وهو الشيخ، والزاد وهو التقوى، والسلاح وهو الوضوء، والسِّراج وهو الذِّكر، والمطية وهي الهمة القوية، والعُكاز وهو العجز، والحزام وهو الحزم، والمنهاج وهو الشريعة، والرُّفقة وهم إخوان الصِّدق. وما عَدا ذلك فهو من الشروط والأحوال” ثم ذكر الشارح الشروط التي تسمَّى بالآداب عند بعضهم.

والشروط كثيرة عند القوم، ويطلق عليها الآداب وهي كل خُلق حسن وجميل على السالك أن يتخلق به مثل دوام المراقبة، محاسبة النفس، ملازمة الشيخ، الوفاء بالوعد، حفظ القلب، الرفق في كل الامور، الحلم، الذكر، الخشوع، تصفية الباطن عن الحقد والحسد والغرور وغيرها. انتهى كلامه بتصرف. [ ينظر: منظومة ” تائية السلوك إلى ملك الملوك”نظم قطب الوجود العارف بالله سيدي أحمد عرب الشرنوبي المتوفى سنة (994) شَرحها وحقّقها الشيخ سيدي أحمد عرب الشرنوبي شرحها وحققها الشيخ عبد المجيد الشرنوبي الأزهري شرحا شاملا وكافيا، وقدّم له الشيخ الدكتور عاصم إبراهيم الكيالي، ص: (12) وما بعدها دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة ].

يقول أهلُ التصوُّف فلا بُدّ للمُجاهد من خمسة أشياء :
1- القائدُ والخبيرُ وهو الشيخ الذي يسلكُ به فِي الطرقاتِ والمسالك وينقيه من الرُّعونات ويقيه المَهالك .
2- الدَّابة أو المَطية وهي هُنا الهمة التي تساعده عَلى تحمل الصّعاب .
3- الزَّادُ وهُو هُنا التقوى اتباع الأوامر، واجتناب النواهي، ومراقبة الله عزَّ وجلَّ.
4- السِّلاحُ وهو هُنا ذكر الله في السِّر والعلن في سائر الأوقات .
5- الرُّفقة وهي هُنا صُحبه الصَّالحين من الأحباب الذين يُساعدوه عَلى المسير.

وفي مُصاحبة ومرافقة أهل الهمم العالية الهداة الدَّالين ومن لفَّ لفهم ونهج نهجهم يقول محمد بن عيسى – رضي الله عنه – : (( ما أفلح مَن أفلح إلا بصُحبة من أفلح، ومخالطة الخواص تكسب ثلاث خِصال: العلم، وصفاء القلب، وسلامة الصدر والعكس بالعكس، والصّدق مع الله نور، والمعرفة بُرهان، والالتفات إلى غيره بُهتان، وإضاعة حقُوقه كفران، والغفلة عن ذكره خسران )). [ انظر: كشف اللثام عن تصوّف الُمظلَّل بالغمام – صلى الله عليه وسلّم – تأليف: دكتور محمد سيد سلطان جامعة الأزهر الشريف، الناشر: دار جوامع الكلم، الطبعة الأولى: 1432- 2011م، ص: (206) وهو بدوره نقله عن كتاب” إتحاف إعلان الناس”، للشيخ مولاي عبد الرحمان بن زيدان، (4/11)].

وقال حكيمٌ: ” ثلاثةٌ إياك وصحبتَهُم: الاحمقُ، وقليل الهمة، وقليلُ المُروءة “.

وكان الشَّيخُ الخديم – عَليه أسنى الرضى من الباقي القديم – يقولُ في حِكمه النَّافعة :” فجميع ما يَخطر ببال الإنسان على ثلاثة أقسام: الهمَّة، والاهتمام، والهَمُّ؛ الهِمَّة ما كانتْ لله أو فِي الله فآثارها أسرار، والاهتمامُ ما كان للأخرى فآثاره أنوار، والهمُّ ما كان للدنيا فآثاره ظلمات وأكدار. فكلُّ صُحْبَةٍ لله فآخرها الحمدُ لله، وكل صُحبة ليست لله فآخرُها إنا لله “. [ ينظر: المجموعة الكبرى].

2- الهمَّةُ منهجٌ من مناهج تربيتِه

في قرية امباكي كجور سنة 1301 ه‍ – كما يقولُ صاحب إرواء النَّديم – فوجئ بأمْرٍ عال من رسول الله – صلى الله تعالى عليه وسلَّم – الذي شافهه بقوله: ‹‹ ربِّ أَصْحابَكَ بِالهِمَّةِ، ولا تُرَبِّهِم بِالدَّرْسِ›› فسلكَ الشيخ مع أتباعه الكرام طريق أهل الصُّوفية وهو طريق الله تعالى، طريق المجاهدة والرياضة ومخالفة طلب النفس.

يذكُر بعض الباحثين أن الشيخ الخديم – رضي الله عنه – أعلن دعوته الإصلاحية والتّجديدية عقبَ ما جَمع جُموعا غفيرة مِن الناس ضَحوة يوم الجُمعة السابع والعشرين مِن شهر رمضان 1301ه‍ 1883ه‍ وقيل: يوم السَّبتِ بَعد وفاة والده الكريم.

وفي هذا المعنى يقول الدَّغاني: ” فكان يُنَوِّع في عِباراتهم ويُبرز المعاني الدَّقائق، ويشعر بلسَانهم ، إلى أن استولى عليه سُلطان الهمة العالية، فأقام وحَرَّك وسكّن، ودعا بلطافة إلى حَاله، فلمَّا اسْتفحَل عليه الأمرُ صدَع بمُراده، ودعا إلى همته، ثم جمع الأصحاب، وقام خطيبا معتمدا على عكاز عزم. (أَلاَ من كان صحِبَنا للتعلم [فقط]، فلينظرْ لنفسه، وليَذهب حيثُ شاء، وليأوِ لجنسه، ومَن أراد ما أردنا فليسرْ بسيرنا، وليُقم بأمرنا).

ثم انفَتَلَ داخلا، فأوقع كلامُه الأصحاب في المقيم المُقعِد، فاضطربوا اضطرابا شديدا بين من ينصرفُ ومن يبقى معه، ومن يمنع خليلَه من الذَّهاب، ومن يمنع من البقاء؛كلُّ ذالك والشيخ ساكتٌ، لايَسأَل، مُصمِّم لا يترددُ، حتى آل الأمر إلى ذَهاب الجُلِّ وبقاءِ القُلِّ ” . [ إرواء النَّديم المُحقّق سنة 1439ه‍ – 2017م ، ص: (75)].

وقال الشيخ محمد البشير : ” … ولما علم أنه أمر كتبه الله ولا محاص عنه صبر عليه وجَعل يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم .. إلى أن فوجئ بأمر عال أن يربي فقام بأعبائها فيما بين هذه الأشغال الكثيرةِ وأخذ بهم طريقة التربية والسلوك على قواعد العلم الصحيح والدين القويم والفراسةالصادقة … إلخ”. [ المصدر المنن ، ص : (63)]

ويقُول صاحبُ إرواء النَّديم : “… وقد ضُربوا وكتفوا وأخذ أموالهم وأخرجوا من ديارهم، كل ذلك في سبيل تبديدهم وتشتيت شملهم، فكأن فعل المعاندين زيادة لهم في الرغبة والإقبال، سر إلهي سرى من باطن شيخهم إليهم .

فكان الشيخ يثبتهم ويقوي بصائرهم بحمل هممهم إلي همم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول من هذا : ” قد لقي أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما هو أشد إذ قتلوا في سبيل الله وأهريق دماؤهم وسُلبوا أموالهم وأخرجوا من ديارهم فلم يصدَّهم شيء من ذلك عن مطلبهم حتى فازوا بمدح الله إياهم: { لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] أما علمتُم أن أولئك آباؤكم في الدين، فعلام هذا الجزع والموت في حقكم قليل ؟!! { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ } [ الأحزاب:21] فاصبروا وأحسنوا إلى من أساء إليكم { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 33- 34 ] ، فاجعلُوا نصب عُيونكم { يَوم ندعُو كل أناس بإمامهم} [ الإسراء: 71 ] فإذا لا يسوءكم رفض من رفضكُم. فكانوا يرتَوون إذا وردوا فرات مواعظ الشيخ وينشطون ويصيحون ويرقصون … “. [ ينظر: كتاب ” الإرواء المُحقّق ” ، مطبعة المعارف الجديدة، المحقّقون: مجموعة من الباحثين 2017م 1439ه‍ ، ص: (95- 96)]

واستمعُوا وعُوا إلى قَول العالم الجهبذ :” وحَكى لي مُريده الكبير الشيخ إبراهيم فال (Cheikh Ibra FALL) وهو من فرسان النية تلو شيخه، قال لي: إن أول ما عاقدت عليه الشيخ رضي الله عنه من العهد والبيعة، قلت له: إني لم يخرجني من بيتي إلا طلب شيخ موصل أجد من حاله نور الحق تندفع أمامه ظلمات الخلق وتنجلي به آيات الحق. لو لم أجد أحدا ممن هذه صفته إلا قبره لبلغني صدق ونيتي فيه أملي، وإني أبايعك على أن لا أحظى من الدنيا بشعرة إنما همي الله والدار الآخرة قال فقال له شيخنا – رضي الله عنه – : يا إبراهيم أنا لو لم أجد من آثاره – صلى الله عليه وسلم – إلا منظرَ هذه النجوم والسماء التي تحققت أنه – صلى الله عليه وسلم – كان ينظر إليها لوثقت بأن نيتي فيه ومحبتي كفيلتان لي بقضاء الحاج، والأخذ باليد عن سَابقة الحسنى من الله تعالى لمن رزقه الإيمان به والحب فيه عَلى أني أبايعك على الامتثال والاجتناب وترقية الهمة إلى الله. ولا ترج مني في الدنيا عريشا مظلك فضلا عن أهل ودار “. [ المننُ المحقّق، ط 2012م، ص: (115)]

وأحسن ما قيل في وصف همة أبي المحامد الشيخ الخديم – رضي الله عنه – قول الشاعر ابْن عَيْنَيْنِ الْحَسَنِيّ الشنقيطيّ: [من البسيط] لَمَّا رَأَى الْمَجْدَ صَعْبًا لَا يُنَالُ وَمَا = فِي النَّاسِ إِلَّا ضَعِيفٌ عَنْهُ مُسْتَرِقُ
شَدَّ الْقُتُودَ عَلَى كَوْمَاءِ هِمَّتِهِ = تَعْدُو بِهِ الْوَلَقَى فِي سَيْرِهَا هَطَقُ
وَأَيْقَنَ الْعَزْمُ مِنْهُ أَنَّهُ رَجُلٌ = لَمْ تَثْنِهِ عَنْ بُلُوغِ الْغَايَةِ الشُّقَقُ
وَجَرَّعَ النَّفْسَ مُرَّ الصَّبْرِ مُبْتَهِلًا = وَقَدْ جَفَا النَّوْمَ وَاحْلَوْلَى لَهُ الْأَرَقُ
وَلَمْ تَزَلْ تَرْتَمِي بَيْنَ الْقِفَارِ بِهِ = يُقَرِّبُ الْمَجْدَ مِنْهَا الشَّدُّ وَالْعَنَقُ
تَفْرِي مَهَامِهَ دُونَ الْمَجْدِ مُقْحِمَةً = سِيَّانِ فِي سَيْرِهَا الْحِزْبَاءُ وَالْقَرِقُ
حَتَّى أُنِيخَتْ بِبَابِ الْمَجْدِ مُرْتَتِقًا = قَدْ طَالَمَا هُوَ عَنْ هَذَا الْوَرَى غُلُقُ
فَفَتَّحَتْ يَدُهُ الْأَبْوَابَ فَانْفَتَحَتْ = مِنْهَا الْمَصَارِيعُ لَا قُفْلٌ وَلَا غَلَقُ
فَدَوَّخَ الْمَجْدَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ عَلَى = رَغْمِ الْحَسُودِ وَقَدْ أَوْدَى بِهِ الْخَنَقُ

[دواوين شعراء أهل الزوايا الموريتانيين]

قال الشاعر سرين امبي جختِي – رضي الله عنه -:
تراهُ نَحيلُ الجِسم مِن أجل همةٍ = منَ اللهِ خَوفا منهُ حِينَ دَعاهُ

ولله درّ الغَوث أبي مَدين بن الشيخ أحمد بن سُليمان الدَّيماني حيث يقول:
فالشَّيخُ هِمَّتهُ الأُخرى وهِمّةُ مَنْ = سِواهُ نيلُ الدُّنا كُلًّا ولَيلاهُ

3- حثُّهُ أتباعهُ على التحلّي بالهمة العالية

يقول الشيخ الخديمُ – رضي الله عنه – فِي منظومتهِ “مسالك الجنان” فِي باب الرذائل:
والهِممَ اصْرِفنَّها للحقِّ = سُبحانهُ لا تَلتَفتْ للِخَلقِ

وهذا معنى قول الشيخ الأكبر ابن عَربي – رحمه الله – : ” والصُّوفي هو الذي لا يشتغل بالخلقِ، ولا يلتفتُ إلى قبولهم وردهم “. [ ينظر : كتاب “آداب المُريدين”، للشيخ الأكبَر سيدي محيي الدين بن عَربي (636 ه‍ ) – رضي الله تعالى عنه- ، تحقيق محمد عبد الرحمن الشاغول. الناشر: دار جوامع الكلم، ص: (26- 28)].

وقال:
طوبى لمن كان بالطاعات ذا هِمم = ولم يكن صاحبَ الطغيان والكسَل
ومن يكُن ذَا اهتمام بشَواغلها = عن دِينه وهو ذو جهل وذو عِلل
فإنَّما هذه الدنيا وإنْ عظمت = لذاتها فهي في استِدراجها كظل

وقال في قصيدته “جذب القلوب”:
فمن طعاما هيئا = لمن له قد قراءا
مبَجِّلا فخَبئَا = خيْراتِ أهل الهمم

وقال في وصيته “دُونكَ يا محمُود”:
وَجُمْلَةُ الْآدَابِ عِنْدَ الْقَوْمِ = انْحَصَرَتْ فِي خَمْسَةٍ يَا قَوْمِي
حِفْظٌ لِحُرْمَةٍ عُلُوُّ هِمَّةِ = وَحُسْنُ خِدْمَةٍ وَشُكْرُ نِعْمَةِ
خَامِسُهَا النُّفُوذُ لِلْعَزِيمَهْ = فَمَنْ يُرَاعِهَا يَنَلْ غَنِيمَهْ
فَالْحُرْمَةَ احْفَظَنْ مَعَ اللَّهِ وَمَنْ = لَهُ إِلَيْهِ نِسْبَةٌ حَيْثُ عَلَنْ
مَنْ ذِي نُبُوَّةٍ وَذِي وِلَايَهْ = وَعَالِمٍ وَكُلِّ ذِي هِدَايَهْ
وَغَيْرِهِمْ حَتَّى ذَوِي الْعُمُومِ = وَالْكُلُّ بِالنِّسْبَةِ فِي الْعُمُومِ
فَأَعْلِ هِمَّتَكَ فِي أُمُورِ = دُنْيَا وَأُخْرَى تُحْظَ بِالْأُجُورِ
وَلَا تُعَلِّقْهَا بِشَيْءٍ فِي زَمَنْ = مِنَ النَّقَائِصِ بِسِرٍّ وَعَلَنْ
وَحَسِّنِ الْخِدْمَةَ أَيْضًا بِاتِّبَاعْ = عَلَى الدَّوَامِ وَبِتَرْكِ الِابْتِدَاعْ
وَبِالتَّبَرِّي فِي أَقَلِّ أَمْرِ = مِنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوًى فِي دَهْرِ
أَمَّا النُّفُوذُ لِلْعَزِيمَةِ فَأَنْ = تُدِيمَ تَرْكَ السَّمْعِ لِلنَّفْسِ زَمَنْ
فِي حَلِّهَا عَزِيمَةً فِيمَا تُرِيدْ = فَلَا تُصِغْ لِمَا دَعَتْكَ يَا مُرِيدْ
وَلَا تُرَاخِ مَوْضِعَ التَّشْمِيرِ = وَاجْتَنِبِ الرُّكُونَ لِلتَّقْصِيرِ

وقَال الشيخ في وصيته لابنه الشيخ محمد الفاضل امباكي- رضي الله عنهما -:” وإنَّ الشَّرَفَ فِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ لَا فِي الرِّمَمِ الْبَالِيَة لِأَنَّ شَرَفَ الأَعْرَاقِ يَحْتَاجُ إِلَى شَرَفِ الْأَخْلَاقِ “.[ يُنظر: من وصايا الشيخ الخديم أحمد بامبا امباكِّي، ص: (252)]

ويقول – رضي الله عنه – في منظومته ” مغالق النيران ” وهو يذكر شروط طلب العلم ويحذّر الطالب من الاختلاط بالنِّساء:
…………………………………………………

رابعها: حِلم كمثل الهِرّ = خَامسُها: إدامة لِلصبر
عن النِّساء الصَّارفاتِ الهِمم = كصبرِ خنزيرٍ بلا تهمُّمِ

[ يراجع ” ثلاث منظومات في التصوف والسلوك ” إصدار، دائرة فتح الغفار، ص:(68)].

والأعجبُ من ذلك كلّه أنَّه ـ رضي الله عنهُ ـ قد ضمَّن كتابه ” سعادة الطلاب” أمثلة حاول بها تصريحا وتلويحا تقوية عزم الطلاب وترقية همم قارئي الكتاب، والأخذ بحجزهم من الثرى إلى الثريّا، ومن أسفل سافلين إلى العلِّيّين، فندبهم إلى بذل الجهد، والتشمير عن ساعد الجدّ، ومكابدة الليالي والرّنوَّ إلى المعالي.

آثار تَربيته بالهمَّة

ومما يستحسن ذكره هنا أنَّ لتربيتِه بالهمة آثار ملموسة في أتباعهِ حيث يحكي صاحب المنن : ” كنت أتحدث معه [ الشيخ عبد الرحمان لُوح] يوما في قيامه فذكر غرائب، فقلنا له في ذلك، فقال : ” كل ذاك إلا من كرامات شيخنا العديدة، فأنا اليوم نيَّفت على السبعين ولا أحس بفتور إذا قمت بالقرآن في ركعتين، ولست بأعجب من الشيخ إبراهيم فال الذي يقوم بخدمة الشيخ وخدمة المسلمين، ويجتمع عليه أبناء الأمراء وبناتهم الضعفاء والمريدون أهل التربية، الذين لا شغل لهم إلا إصلاح النفس، وتطهير القلب، وهو مع كل ليلا ونهارا، ويرقي هممهم كلهم إلى طلب رضى المولى والدار الآخرة، وسخر الله له الأمراء وخولهم وحشمهم وأضعافهم من المريدين وقواه على تربيتهم، والرفق بضفائهم.

فتعجبنا من تبصُّره وعدم رؤيته نفسه في أعماله، فشكرت الله على وجود أمثال هؤلاء من آثار بركة معرفة شيخنا والسُّلوك على يديه “. [ ينظر كتاب ” منن الباقي القديم” للشيخ محمد البشير امباكي بتحقيق الدكتور محمد شقرون، ص: (81) وما بعدها ].

وهكذا كان المريدون الأوائل فها هو الشيخ سرين امباكي بُوسو – رضي الله عنه – يقولُ في قصيدته ” بنِي بلّ”:
إلى الهمة العليآ إلى السنة التي = هي الغرض المرمي لكل مصيب

وما أحسن قول سرين خليل امباكّي نجل سرين مصطفى حبص امباكّي:
هل مِن مُدان إبرَ فال في هِمّة = عُليَا وصِدق إرادةٍ وسَخاء

والهمة: هي التي يد فع بذلك (المُشَيَّخ) إن جاز التعبير، أو من جعل شيخا أو إماما في الطريق من قبل الشيخ، إلى أن يلج في الخمائل والفلوات ليشيّد مدينة بما تعني من معنى بدءا من لاشيء. وكلّ هذه المدن المريدية قامت بفضل هذه الهمّة العالية التي ربّى بها الشيخ الخديم أصحابه.

وقال الشيخ إبراهيم جوب المشعري في مدح سرين مصمب امباكي – رضي الله عنهما – وهو من أهل الهمة: [ من البسيط ] فاقَ الأفاضلَ أهلَ الجُود والكَرم = (مصمبَ بَك) كثيرَ العلمِ والحِكمِ
بَدرٌ مُنير جَوادٌ فائقٌ عَلمٌ = قُدوة كلِّ مُريدٍ صَادق فهِمِ
إن كانَ أصْغرَ إخوانِ الخَديمِ معا = فإن همتَه مِن أكبرِ الهممِ

وقال الشيخ محمد بوسو في مدح الشيخ محمد الفاضل امبكي :
يا رائِما نيلَ الأمانِي العالية = ألمم بطوبَى ثم سِر للعالية
فيها مَزارع للخُيورِ جميعِها = دلت على هِمم الهمَام الراقية

وقال وهو يمدح الشيخ امباكى بوسو – رضي الله عنهما- : [ من الطويل ] دَع الخَوضَ في قِيل وقَالٍ وكُن فتى = أخا همّة تَسمو إلى الرتبة العليا

ولله درّ الخليفة الشيخ محمد المنتقى امباكّي حين نبّهَ المُسلمين جَميعًا في خطابهِ في عيد الفطر المنصرم 1439ه‍ إلَى أن الإسلام رَفع رايتهُ في الماضي رجال ذوو هِمم عَالية ضحوا بالنفس والنفيس وأن ما يرفع الإسلام في الماضي هو ما يرفعهُ في كل الأزمنةِ، و أنَّ صعُوبات العيشِ ومشاكلها كلّها ترجع أساسًا إلى الانحِراف الخُلقية وضُعف الهممِ .

من أسباب الارتقاء بالهِمم

الدُّعاء واللجوء إلى الله تعالى

الحرصُ على الوقتِ

القراءة في سيرة الأعلام والسَّابقين

من أسباب ضُعف ودَناءة الهمة

حبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ

كثرة الأماني

التسويفُ

الغفلةُ

وبالمناسبة أوجّه شباب هذا الجيل إلى مطالعة كتاب: صَلاح الأمة في علو الهمة للأستاذ سيد حسَن العفاني الذي يقع في سبع مجلدات .

بقلم البُويحث خويدم الخديم سرين امباكي جوب خضر خريج معهد الدروس الإسلامية، ومعلّم اللغة العربية في معهد الخليل الإسلاميّ وفتح المنان بدار القدوس

حرر في شهر نوفمبر 2018م .

الهوامشُ:

(1) ومن ذلك أن جابر بن عبد الله رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث واحد، [ انظر: مسند الإمام أحمد، 25/431]

(2) انظر: صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، للشيخ عبد الفتاح أبو غدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق