إلى الرئيسيةالدين و الترييةالسياسة

دخل الجامعة ولكن……

دخل الجامعة ولكن……

أرسلت الشمس خيوطها الذهبية إلى شُرفات هذه القرية، التي مازال أثر التاريخ يلمح في جدرانها.
قرية نزيهة رغم تلك البصمات التي خلفتها حافلة الفقر في ساحاتها العتيقة، فاستيقظ أهل هذا البيت الواسع الذي يقطنه أحمد ،وهو رجل أخذ من عمره نيفا وأربعين سنة، وزوجته الجميلة التي تربطهما رابطة العشق والودّ بعد أن كانا يتبادلان شعورالحب الصادق، والعِشرة الخالدة ،والاحترام الدائم، فشاء القدر أن يجمعهما تحت ظلّ الزواج .
كان أحمد يستعدّ للسفر إلى دكار لأنه موظف في إحدى الشركات هناك ،كما كانت تستعدّ زوجته زينب لتذهب إلى مزرعتها كعادتها كلّ صباح؛ لتجني عطايا الأرض، وتأخذ من أثمارها وخضرواتها، ما تستعين بها في تجهيز وجبة الغداء ، رتّل أحمد أمام زوجته آيات الوداع ليخرج من البيت متجها إلى دكار عاصمة السنغال.
المدينة التي تجمع جمهورا غفيرا من سكان سنغال ، وهي عاصمته الاقتصادية والساسيةوالسياسية ، ومن غرائبها أنها مدينة يحيطها الماء من جميع جهاتها لكنها دوما تعاني من فقدان المياه.
تتميز بمبان عالية، ومصابيح منيرة ،ومدارس كثيرة ، تتدفق السيارات في شوارعها ، كما يتدفق في تلك السيارات أناس من بينهم تلميذ يذهب إلى مدرسته ،أو موظف إلى عمله، أو تاجر يبكر تبكير الغراب إلى متجره ، يختلفون تماما في سلوكياتهم ، فيهم عاقل يتعامل مع الناس بذكاء وحنكة، وغبي لا يبالي بشي ء ، وبينهم من يرى لنفسه العذر في كل شيء ولا يراه لغيره ، هي مدينة سكنها شعوب وقبائل متنوعة .
بدأ أحمد يستنشق أجواء “دكار” وفي ملامحه آيات المشقة والتعب، ولسان حاله يقول: (السفر قطعة من العذاب).
استقبله “مود” ابنه الذي بلغ من العمر ثماني عشرة سنة ، إنه طالب في ثانوية” فرانكو عراب ” في الفصل الثالث الثانوي ، يتمتع بمستوى دراسي عالي، وأدب جم،ّ يحترمه جميع معلّميه ويثنون عليه ، كما أنّه يختلف تماما عن زملائه في السلوك وفي الآراء وفي أمور متعددة ، ولعلّ ذالك يعود إلى اختلاف تربيتهم ، لأنه تخرّج في مدرسة قرآنية وبعد حفظه لكتاب الله ؛ لجأ مباشرة إلى تلك المدرسة ليواصل مشواره التعليمي هناك .

جلس بجوار أبيه فور وصوله إلى الدار ، فأخذ يسأله عن حال أمّه أحيانا وعن الحديقة والحصان والجيران أحيانا أخرى ، وكان الأب يجيب عن كلّ الأسئلة بلا أي ملل .

في ضحى يوم من الأيام بعد ما بدأت السنة الدراسية تأخذ أمتعتها وتجهّز لسفر يستغرق تقريبا ثلاثة أشهر ، وبدأت عواصف الامتحان تهبّ في ربوع البلاد شرقا وغربا ، وترى التلاميذ في هذا الوقت مشغولين جدّا ، فلا ترى منهم أحدا إلاّ وفي يده بحث عن اقتصاد اليابان ، أو أوراق تضم عن حياة سقراط وعن نظرياته ، يفعلون كلّ شي للحصول على هذه الشهادة التي يعتبرونها مفتاحا لأبواب أحلامهم .
شاء القدر أن يكون “مود” ضمن ركب المترشحين في هذه السنة ، بعد أربعة أيام قضاها في قاعة الامتحان ، لم يميز المشاركون ليلهم من نهارهم ،ولا فطورهم من غدائهم ، ها هم وصلوا إلى يوم إعلان النتائج ، والتوتر يغمر وجوههم ، تكاد تسمع دقات قلوبهم تعزف بسرعة ملحوظة ،وصار المنظر رهيبا جدا ومثيرا للعطف بالنسبة للجميع .
بعد لحظات قليلة من الانتظار المترقب، وكأنّ كلّ واحد منهم جالس على بيضة ، رغم أن ” مود ” مطمئن البال في يده رواية *جريمة ولكن* يتابع عن كثب ذالك الحوار اللطيف الذي كان يجري بين “ليلى” وعاشقها “راشد” ووفاء “مريم” يعجبه كثيرا ، كما هو معجب بتلك الأساليب الرنانة التي كان الكاتب يخطها بيمينه، فربما يتماهى كثيرا مع بطلة الرواية رحمةََ بها ، ولا يملّ من حديثه مع تلك الرواية الممتعة – ولن يملّ قارئها – حتّى سمع ضجة وجلبة تأتيانه يمنة ويسرة ، فإذا التلاميذ يقومون ويتجهون نحو هذا الرجل الذي لبس لبسة إيطالية، وهو غير وسيم رغم أنه دائما يعتني بمظهره ، ويعاني من تكلّف شديد حينما يعبّر كلماته بلغة “مولير”

وقف في مكان عال وفي يده جملة من الأوراق ، بدأ يعلن أولا أسماء الناجحين في الدور الأول ثمّ الذين لهم فرصة أخرى في الدور الثاني .
فاز مود الشاب الذي بذل كلّ مالديه من جهد بالمرتبة الأولى في مركزه ، لم يصدّق ما سمعه من أذنيه ، ورفرفت أعلام الفرح في وجهه .
استقبل من أصدقائه ورفقائه أجمل التهاني والتبريكات ، ثم غادر المدرسة متجها إلى منزله وفي طريقه لا يدري أماش هو أم راكب من أثر الفرحة ، على كلّ حال وصل إلى قلب داره ووجد الأب يتوضأ مستعدّا لصلاة الظهر ، فسلّم عليه تاليا هذا الخبر الذي نشر في البيت آيات السعادة والغبطة ، ضمّه الأب على صدره لحظة طويلة ، والدموع التي كانت تسقط من أعينه عبارة عن بيان مدى سروره وابتهاجه الذي يجلّ عن الوصف ….!

وبعد مرور الأيام والشهور ها هو ” مود ” يطوي هذه الصفحة رغم أن الذكريات تبقى تتراقص في مسرح ذهنه ، و ينتقل إلى صفحة جديدة ، وسرعان ما ينتظر مجيئ هذا اليوم ، وهو يوم التحاقه إلى الجامعة ، وخاصّة جامعة” شيخ أنت جوب”
وهي الجامعة التي كان يتمنى كثيرا ويحلم أن يواصل دراسته هناك ، وبفضل الله حقق اليوم جميع أمنياته .

ذات يوم جلس مع أبيه الذي يمتلك خبرة كما يَكِنّ له محبة عظيمة ، وهو يرشده ويقول له : أنت الآن تعيش في بيئة عجيبة ، رغم أنها مستعدة لبناء الأجيال وتثقيفهم وتكوين الإنسان ، كي يستحقّ بلقب الإنسان ، فقد تخرّج منها أناس يحملون راية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، والعكس أيضا كذالك .
إنها بيئة يجتمع فيها كثير من أنواع الطلبة ، هناك من همّه العلم وتحصيله ؛لكنّه فقير يده لا تكاد تصل إلى ظهره – كما يقوله الولفيون- فضاع مستقبله في عالم الضياع ، كما تجد فيها صنفا لا يهمّهم العلم وليس لهم أدنى مستوى ، تراهم ينالون كلّ رغباتهم وأمنياتهم ،فقط لأنهم من أبناء الأغنياء، فتخرّجوا وهم يقودون حملة الإفساد ، ويطوفون كلاّ من أرجاء الوطن ، لا يتركون بابا من أبواب السياسة أو الاجتماعية أو الاقتصادية إلاّ وطرقوها ، وتركوا فيها آثارهم .
أي بني ليكن همّك في تلك البيئة تحصيل العلم والثقافة ، لأن الوطن يحتاج إليك غدا .
في الوقت الذي كان الأب في لبّ الحديث و “مود” يستمع جيدا إلى أبيه ، طرق الباب طارق فقام مسرعا لفتح باب البيت فإذا بضيف من جيرانه يزور أباه ، ثم رجع ” مود ” إلى غرفته متثاقل الخطوات يبدو أنه تأثر كثيرا بكلام الأب…

أيامه الأولى في تلك الجامعة كان يقضيها بين جِدّ واجتهاد ، ويتمنى له الجميع مستقبلا زاهرا ، إنه – دائما – بين البحث والمطالعة ، مع صديقه العزيز ” تال”الذي يواصل دراسته أيضا في نفس الجامعة في القسم العربي ، وليس من المستعربين الذين يفقدون ثقتهم عند تواجدهم داخل المتفرنسيين ، بل له ثقة بنفسه ويؤمن بأنّ هذه اللغات مجرد وسيلة ، ولكل إنسان حرية في أن يختار أي لغة شاء لإبلاغ رسالته وتنمية بلاده ، لكن الهدف مشترك هو العلم والثقافة .
في يوم من الأيام في الصباح الباكر حيث ترى الطلاب والطالبات يحملون محفظتهم ، ويمشون بجدية كأنهم يتسابقون مع الوقت، وهناك من يتّجهون نحو المطاعم ليتناولوا فطورهم .
وبينما يتدفقون قرب المطاعم ، حدثت مشكلة بين جماعة من الطلبة والذين يعملون فيها بسبب التنازع والتخاصم ، فدفعهم ذالك إلى الخروج في ساحة الجامعة وتأجّجت نار الفتنة ، ولم يمض إلاّ لحظات قليلة، حتّى جاءهم رجال الشرطة ، لكنهم وقفوا ضدّهم ، لتبدأ الاشتباكات، وكانت شديدة جدا كما اعتادوا.

” مود” لم يكن من عادته المشاركة في مثل هذه الاحتجاجات ، لكن زملاءه دفعوه إلى المشاركة ، فذهب معهم حياء ، لكن فأين المهرب؟؟
مشى مع من مشوا وفي يده حجارة كبيرة ، يخطو إلى الأمام شيئا فشيئا دون خوف ولا تردّد ، وبينما هو في قلب الجماعة ، يهرولون إلى الأمام مرّة ، ومرّة أخرى إلى الخلف، فجأة تلقى “مود” رصاصة مجهولة حذفت اسمه من قائمة الأحياء بسرعة خاطفة وأضافته مباشرة إلى قائمة الموتى !
فنُقل جثمانه إلى المستشفى بعد أن شاع الخبر في ربوع البلاد ، وملأ الحزن تلك الجامعة ، فزاد الطلاب غيظا وغضبا ، أما أبوه كاد أن يذهب به هذا الخبر المؤلم إلى عالم البرزخ .

فمنظر رهيب وعيون دامعة توجد في هذه القرية التي فقدت ابنه المثالي الذي كان آية في العزم والجهد على تحصيل العلم ، وكثرة أدبه وحب جيرانه هو سبب وجود جميع أهل القرية في هذا البيت تضامنا مع أمه التي أصبحت لا تنطق ببنت شفة إلاّ بالدّموع ، فكم تأسفت وتفجّعت هذه المرأة؟؟!
لكن فهل ننكر القدر ؟
ربّما كثير من الذين يبكون على هذا الشاب ، لم يبكوا فقط لموته ولكن باغتتهم الأحوال والظروف التي مات فيها .

في العاشرة صباحا رأينا موكبا ضخما من قصر الرئاسة تعزية وتفقّدا لهذه الأسرة التي فقدوا ابنهم ، ووعدوهم – كعادتهم – بدعم مالي وفتح باب التحقيقات لإلقاء القبض على كلّ من شارك في هذه الجريمة البشعة ، تركوا في البيت وعودهم وكلامهم المدهون بالعسل ولكن هل سيجدي هذه الوعود شيئا ؟

بعد شهر كامل ها هو ” تال” يذهب إلى الجامعة ، وما زالت الدموع تسقط من مقلتيه بعد ما فقد صديقه العزيز ، جلس في مقعد في ساحة الجامعة وهو يتأمل إلى الماضي البعيد ، الطلاب يمرّون عليه من حين إلى حين.
هدأ كلّ شيء وكأنّ شيئا لم يحدث ، التحقيقات ومايشبهها كلّها أصبحت هباء منثورا ، مثل كلام الليل، وصار أمر هذا الطالب في طي النسيان ، في وقت مازالت الأمّ تكتوي من لهيب الوجع، وتسهر كلّ الليل باكية على ابنه الراحل !

والسؤال الذي نبحث عن جوابه ، هل ستتقدّم أو تتطور دولة دائما يموت أبناؤها داخل الجامعات ،و على أرصفة الشوارع لأتفه الأسباب؟؟؟؟؟
كما يموت هؤلاء الذين يهاجرون إلى أوطان أخرى فقط لطلب العيش ، ولا يجدون قوة تدافع عنهم!

إهداء :

إليك أيها الطالب (فضل سين) زادك الله رحمة.

مازال خبر موتك عالقا في ذاكرتنا !

بقلم الطالب / أحمد البشير طالب في معهد الإسلامي أحمد الصغير لوح كوكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق