الدين و الترييةالسياسةالصفحة الرئيسية

نظم أسماء أهل بدر الكرام لأبي المحامد الشيخ الخديم رضي الله عنهم- تقديم وتعريف –

بسم الله، إن وليي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله
———————————————
نظم أسماء أهل بدر الكرام لأبي المحامد الشيخ الخديم رضي الله عنهم
– تقديم وتعريف –
**********************************
إنَّ لأهل بدرٍ الكرام مكانةً شامخة في الإسلام؛ فبفضل عصابتهم ارتفعت راية الدين، وببسالتهم فلت كتائب المشركين والملحدين؛ فقد نصروا الله سبحانه وتعالى، وآمنوا برسوله وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فضلا عن بذلهم مهجهم في سبيل الله، حتى رضي عنهم ورضوا عنه، واستحقوا الذكر الجميل، والعطاء الجزل والتنويل.
وقد نوه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالبدريين وأشاد بفضلهم، وبما أعده الله لهم من أجرٍ وثواب، وحسبك من ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة التي قال فيها- صلى الله عليه وسلم- قولته المشهورة: «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[متفق عليه]، قال ابن حجر: «وهى بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم»، وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال: «مِنْ أَفْضَلِ المُسْلِمين»، أو كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة.[رواه البخاري] ولقدرهم الشريف، وجاههم الرفيع المنيف كانت محبتهم من حميد الخصال، واتباعُهم من أنفع القُرَب وبهيِّ الخلال، إلى ما في ذكرهم والثناء عليهم من مننٍ لا تستقصى، ومنح ظاهرة وباطنة لا تحصى، وكذلك فالتوسل بأسمائهم مفيدة في دفع الخطوب، ومجربة في كشف الملمّات والكروب، واستفاض في ذلك كلامُ العلماء والعارفين بالله، فقد «ذكر بعضهم أنّ كثيرا من الأولياء قد أُعطوا الولاية ببركة أسمائهم، وأَنّ كثيرا من المرضى سألوا الله تعالى بهم في شفاء أسقامهم، فشُفوا من ذلك، وقال بعض العارفين : ما جعلت يدي على رأس مريض، وتلوت أسماءهم بنيّة خالصة إلاّ شفاه الله تعالى، وإنْ يكن قد حضر أجله، خفف الله عنه .
وقال بعضهم: جرّبتُ أسماءهم في الأمور المهمة تلاوة وكتابة، فما رأيت أسرع منها إجابة، وروي عن جعفـر بن عبد الله، رحمهم الله تعالى، قال : أوصاني والدي بحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتوسل بأهل بدر في جميع المهمات، وقال لي: يا بُنيّ، إنّ الدعاء عند ذكرهم يُستجاب، وإنّ الرحمة والبركة والغفران، والرضى والرضوان، تُحيط بالعبد إذا ذكرهم، أو قال : عند الدعاء بأسمائهم، وإنّ مَن ذكرهم في كل يوم، وسأل الله تعالى حاجته قُضيت له، لكن ينبغي لمن ذكرهم في قضاء مُهمٍّ أنْ يترضى عن كل واحد عند ذكر اسمه، فيقول : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهكذا إلى آخرهم، فإنه أنجح للإجابة».
وقال الشيخ محمد المامي في التوسل بهم: [البسيط] يَا أَهْلَ بَدْرٍ تَوَسَّلْنَا إِلَى الْبَارِي = بِكُمْ لإِصْلَاحِ ذِي وَتِيلِكَ الدَّارِ
جَعَلْتُكُمْ أَهْلَ بَدْرٍ جُنَّةً أَبَدًا = بَيْنِي وَبَيْنَ عَذَابِ الْقَبْرِ وَالنَّارِ
يَا ظَالِمِينَ جَعَلْنَا دُونَ صَوْلَتِكُمْ = وَمَكْرِكُمْ وَأَذَاكُمْ قُدْرَةَ الْبَارِي
***
ومن أجل ذلك كله نجد الشيخ الخديم – رضي الله عنه – يكثر في قصائده من ذكرهم، ويطنب في الثناء عليهم والتنويه بقدرهم، ومن ذلك قوله: [الرجز] يَسِّرْ لِأَهْلِ بَدْرٍ الْكِرَامِ = جُمْلَةَ مَا رَامُوا بِلَا انْصِرَامِ
هُمُ الْغُزَاةُ وَهُمُ الْكُمَاةُ = هُمُ اللُّيُوثُ وَهُمُ الْحُمَاةُ
كما يكثر من التوسل بهم، وحسبنا في هذا المقام قصيدة طرزها بحروف: «أهل بدر»، ونصُّها: [الرجز] أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ بِأَهْلِ بَدْرِ = فَلِي اسْتَجِبْ بِهِمْ وَأَعْلِ قَدْرِي
هَبْ لَهُمُ الرِّضَى وَخَيْرَ أَجْرِ = بِمَا يَفُوقُ ظَنَّهُمْ قَدْ يَجْرِي
لِي سَخِّرِ الَّذِي تَوَلَّى حَجْرِي = فِي الْبَحْرِ رَوْضَ قَادِرٍ ذِي زَجْرِ
بَدِّدْ بِهِمْ شَمْلَ عِدَايَ الْمَجْرِ = فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَنَوِّرْ بَدْرِي
دُعَائِيَ اسْتَجِبْ بِهِمْ فِي الْبَرِّ = وَالْبَحْرِ وَاعْصِمْنِي بِهِمْ مِنْ ضُرِّ
رَبِّيَ كُنْ لِيَ بِأَهْلِ بَدْرِ = وَلْتَرْضَ عَنْهُمْ وَلْتُعَظِّمْ قَدْرِي
وقد تعرض في قصيدته المشهورة «جذب القلوب لعلام الغيوب» لمناقبهم، وحسر الخمار عن بعض مشاهد هذه الغزوة المباركة، استهلها بقوله:
قَدْ قَامَ خَيْـرُ الْبَشَرِ = وَسْطَ خِيَارِ الزُّمَرِ
إِلَى ذَوِي التَّكَبُّـرِ = كَالْبَدْرِ وَسْطَ أَنْجُمِ
يَوْمًا بِهِ اشْتَدَّ النِّضَالْ = يَوْمًا بِهِ اشْتَدَّ الْقِتَالْ
يَوْمَ تَعَارُفِ الرِّجَالْ = يَوْمَ الرِّضَى وَالْوَجَمِ
وَذَلِكَ الْيَوْمُ فَلَاحْ = لِذِي اهْتِدَاءٍ وَرَبَاحْ
لِذِي ارْتِقَاءٍ وَصَلَاحْ = لِكُلِّ شَخْصٍ مُسْلِمِ
يَوْمٌ بِهِ قَدْ غَفَرَا = ذُنُوبَ مَنْ قَدْ حَضَرَا
قِتَالَهُ رَبُّ الْوَرَى = كَبِيـرَةً كَلَمَمِ
لَاقَى ذَوُو الْخَيْـرِ الصِّحَابْ = فِيهِ ذَوِي الضَّيْرِ الصِّعَابْ
وَهُمْ مَعًا أُسْدٌ غِضَابْ = ذَوُو ارْتِفَاعِ هِمَمِ
تَنَازَعُواْ الْـمَوْتَ مَعَا = وَالْكُلُّ مِنْهُمْ شَجُعَا
يَبْغِي اللِّقَا أَوْ يُصْرَعَا = لِحُبِّ مَاحِي الْغُمَمِ…
التأليف في أسماء أهل بدر:
عني علماء السيرِ بذكر البدريين في معرض كلامهم عن غزوة بدر الكبرى، ومنهم: موسى بن عقبة في مغازيه (ت:141هـ)، والواقدي في مغازيه (ت:207هـ)، وابن هشام في سيرته (ت:213هـ)، وابن سعد في طبقاته (ت:230هـ)، وابن سيد الناس (ت:734هـ)، كما ورد ذكر أسمائهم في بعض كتب الحديث، مثل صحيح البخاري، ففي كتاب المغازي منهُ باب اسمه: (بَابُ تَسْمِيَةِ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ)، ذكر فيه الإمامُ – رضي الله عنه – طائفة من البدريين – رضي الله عنهم-.
وقد اجتهد بعض العلماء في نظم أسمائهم، تبركا وتيمنا وتسهيلا؛ إذ النظم أسهل حفظاً من المنثور، ومن تلكم المنظومات:
– جالية الكدر بذكر أسماء أهل بدر وشهداء أحد، للشيخ جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجى (ت:1177هـ)، وهو صاحب كتاب «عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر»، والمشهور عندنا في السنغال بـ«بَرْزَنْجِي».
– سيف النصر بالسادة الكرام أهل بدر، للشيخ إبراهيم بن إدريس السنوسي الحسني الفاسي (ت:1304هـ)
– هالة البدر في التوسل بأهل بدر، لأبي سالم العياشي (ت:1090هـ)
– نظم أسماء أهل بدر، للإمام الشيخ محمد المامي بن البخاري (ت:1282هـ)، فله نظمان كبير اسمه «وسيلة السعادة»، وشرَحه، ثم صغير قام العلامة الدكتور محمد بن أحمد مسكه – حفظه الله ورعاه – بشرحه وسماه: «شرح الصدر بأهل بدر».
– إشراق بدر على الصحابة من أهل بدر، وهو نظم للدكتور محمد المختار ولد أباه – حفظه الله ورعاه -.
– نظم أسماء أهل بدر الكرام، لشيخنا أبي المحامد الشيخ الخديم، وهو غرضنا في هذه السطور.
تاريخ تأليف المنظومة:
نظمَ الشيخ – رضي الله عنه – أسماءَ أهل بدر الكرام أثناء خروجهِ إلى المنفَى سنة 1313هـ، والظاهر أنه أتمَّها في «اندر» ثمَّ بيّضها ونقحّها في منفاهُ بـ«غابون»، قال الشيخ محمد الأمين جوب الدغاني: «وَبَاتَ الشَّيْخُ هُنَالِكَ [أي جيول]، وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ارْتَحَلَ إِلَى «كُكِّ Kocki»، وَكَانَ مَقِيلُهُمْ ثَمَّ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَقِيلِ شَرَعَ فِي نَظْمِ «أَسْمَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ»، قَالَ:[من الرجز] وَبَعْدَ مَا قَالُوا مَقِيلًا دَخَلَا = فِي نَظْمِ مَا بِهِ أُنِيلَ مَدْخَلَا»
وقال أيضاً في «المنح المسكية»: « غده يوم الأحد شرع في خدمة أهل بدر بنظم كاليواقيت وهو في كتابه “الفلك المشحون” هذا في قرية (كوكي KOKI) تاسع عشر صفر (جيسش-1313هـ) وأتمه في (اندر SAINT-LOUIS) في ربيع الأول عامَه قبل خروجه»، ثم قال: «وحين وصل إلى (كوكي KOKI) أرسل إلى عالم صالح من أهلها من أبناء المختار الولي يقال له (مَصَمْبَ كَدْ MASSAMBA GADE) وهو أبو مصمب أَمِنَة وهو من أخوال ابنيه السيد المصطفى والسيد البشير رضي الله تعالى عنهما فأتاه هو وأمه يبكيان أو تبكي هي فأمر الشيخ مصمب بأن يأتيه بلوح يكتب عليه فذهب مسرعا وأتى بلوح وعلى ذلك اللوح ابتدأ خدمة أهل بدر وبعد رجوعه من البحر لم يدرك الشيخ مصمب حيّا وبشَّر أهله ببشارة معناها أن الله تبارك وتعالى شكر له وأهل بيته بذلك اللوح وجزاهم به خيرا بَخٍ بَخٍ».
سبب تأليفها:
لم ينصّ الشيخ – رضي الله عنه – على البواعث التي دفعته إلى نظم أسماء أهل بدر، لكن يمكن إيجازها في ما يأتي:
 التقرب إلى الله بحبهم والترضي لهم والتوسل ببركاتهم، ابتغاءَ مجاورتهم وأن يُحشر في زمرتهم، «فالمرء مع من أحبّ»، يقول في المقدمات: «وهب لي بجاهه العظيم ثم بجاههم ما يفوق ظني بهذه الأبيات وبالقصيدة الآتية التي –إن شاء الله تعالى – التي دعوتك بها بذكر أسمائهم مع الترضي آمين يا رب العالمين….»، ويقول أيضا:
وَاجْعَلْ بِهِ رِجَالَ بَدْرٍ الْكِرَامْ = مَعِيَ فِي الدَّارَيْنِ فِي كُلِّ مَرَامْ
وَاجْعَلْ تَوَسُّلِي بِهِمْ عِبَادَهْ = مَقْبُولَةً تَجُرُّ لِلسَّعَادَهْ
وكذلك فإن حبهم له من لوازم الحب الشديد الذي كان يكنه للنبي – صلى الله عليه وسلم- سيدهم وإمامهم.
 التنويه بمراتبهم الباهرة، ومآثرهم الفاخرة، إلى جلالة مكارمهم، ورفعة هممهم ومضاء عزائمهم، وصدق حين قال في موضع آخر:
رَفَعَ أَهْلُ بَدْرٍ الْإِسْلَاَما = وَزَحْزَحُوا الْفُجَّارَ وَالظَّلَامَا
 الابتهال إلى الله والتوسل بهم في دفع البلاء الذي ألمّ به، فإنَّ أسماءهم نفَّاعةٌ في كشف الكربات ودفع كيد الأعداء، قال بعضهم: «ينبغي لكل أمير عسكر، ولاسيما عند المقابلة أن يحمل أسماءهم بنية الظفر، فإنه بإذن الله تعالى يكون ظافرا على عدوه، ومنصورا عليه، لكن بشرط الإجازة عن شيخ عالم عامل».
وهذا الباعث ظاهر في المقدمات المنثورة والمنظومة التي استهل بها النظم؛ إذ يدعو الله الكريم أن يجعل أهل بدر رُفقته في حله وترحاله، وأن يحفظه من كيد الأعداء ومكرهم ببركة سيد الوجود – صلى الله عليه وسلم- وبركة أهلِ بدر – رضي الله عنهم -، ومنها قوله: «اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد صلاة تجعل بها أهل بدر معي في سفري وحضري وسلم عليه وعلى آله وصحبه…»، وقوله: «اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه وارض عنهم عموما وعن أهل بدر خصوصاً واجعلهم جيراني ورفقتي في الدارين….»، وقوله:
اِجْعَلْ تَوَسُّلِي بِأَهْلِ بَدْر = حِصْنِي وَجُنَّتِي عَن اَهْلِ الْكُفْرِ
* * *
عَلَى وَسِيلَتِي إِلَيْكَ صَلِّ = وَسَلِّمَنْ عَلَيْهِ وَانْقُلْ كُلِّي
لَكَ بِهِ ثُمَّ بِأَهْلِ بَدْرِ = وَبِهِمُ اكْفِنِيَ أَهْلَ الْكُفْرِ
يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا = يَا رَبَّنَا يَا رَبَّنَا انْصُرْنِي هُنَا
سُقْ لِي بِجَاهِ الْمُصْطَفَى الْمَبَرِّ = نَصْرَكَ وَانْصُرْنِي بِأَهْلِ بَدْرِ
يَا رَبِّيَ اجْعَلْهُمْ مَعِي وَلْتَصْرِفِ = عَنِّي الْعِدَى بِهِمْ بِلَا تَوَقُّفِ
منهجه:
سلك المؤلفون في ذكر أسماء أهل بدر مناهج مختلفة؛ فمنهم من رتبهم حسب القبائل، ومنهم من رتبهم حسب الحروف الهجائية، كما صنع الشيخ الناظم – رضي الله عنه – في منظومته؛ فقد ذكر أسماءهم على ترتيب (أ، ب، ت، ث…)، واستهلها بذكر سيد الوجود – صلى الله عليه وسلم – تيمنا وتبركًا، فالخلفاء الأربعة – رضي الله عنهم -، ثم ذكر في الهمزة (11رجلا)، وفي الباء (7 رجالٍ)، وفي التاء (3رجال)، وفي الثاء (9رجال)،وفي الجيم (4رجال)، وفي الحاء (21رجلا)، وفي الخاء (18رجلا)، وفي الذال (رجلين)، وفي الراء (10رجال)، وفي الزاي (9رجال)، وفي الطاء (3رجال)، وفي الظاء (رجلا واحدا)، وفي الكاف (رجلين)، وفي الميم (45رجلا) وفي النون (8رجال)، وفي الصاد (رجلين) وفي الضاد (3رجال)، وفي العين (75رجلا)، وفي الغين (رجلا واحدا)، وفي الفاء (رجلين)، وفي القاف (7رجال)، وفي السين (36رجلا)، وفي الشين (رجلين)، وفي الهاء (رجلا واحدا)، وفي الواو (3رجال)، وفي الياء (4رجال)، وفي أصحاب الكنى (30رجلا)، وجميع من ذكر ثلاثمائة وأربعة وعشرون رجلا.
وهذا الخلاف في عدد أهل بدر معروف ومذكور في كتب السير، ورحم الله ابن سيد الناس اليعمري حين ذكر في كتابه ثلاثمائة وثلاثة وستين رجلا، ثم قال: «وَهَذَا الْعَدَدُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْخِلافِ فِي بَعْضِ مَنْ ذَكَرْنَا»، وأعجبُ من ذلك ما في نظم أهل بدر الكبير للإمام العارف بالله العلامة المحقّق الشيخ محمد المامي الذي ذكر 557رجلا، وذكر كل من اختلف في شهوده بدرا!
ومن منهجه – رضي الله عنه – في النظم أيضا أنهُ:
 سلك في ذكر أسماء البدريين مسلك الدعاء والترضي، ولعل ذلك لما نصّ عليه بعضهم بقوله: «…مَن ذكرهم في كل يوم، وسأل الله تعالى حاجته قُضيت له، لكن ينبغي لمن ذكرهم في قضاء مُهمٍّ أنْ يترضى عن كل واحد عند ذكر اسمه، فيقول : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهكذا إلى آخرهم، فإنه أنجح للإجابة».
ويختلف منهجه في الترضي لهم، ويكون بصيغ مختلفة منها:
1- صيغة فعل الأمر، كقوله:
وَعَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرِ = ارْضَ وَنَجِّنِي بِهِ مِنْ جَوْرِ
2- بصيغة الفعل المضارع المقرون بلام الأمر، كقوله:
وَلْتَرْضَ عَنْ أُبَيٍّ بْنِ كَعْبِ = وَعَلِّمَنِّيَ وَأَعْلِ كَعْبِي
3- بصيغة المصدر:
وَسُقْ رِضَاءً أَبَدًا لِلْأَخْنَسِ = السُّلَمِيِّ وَانْفِ عَنِّي دَنَسِي
وقوله:
وَسُقْ رِضَاكَ لِلْبَرَاءِ وَلَدِ = مَعْرُورٍ الرَّضِيِّ وَاحْمِ خَلَدِي
 قد تعرّض عند ذكره لبعض البدريين بعض أخبارهم وسيرهم، أو شيءٍ له علقة بهم، ومن ذلك:
1- قوله:
وَاكْتُبْ رِضَاءَكَ إِلَى أَوَّلِ مَنْ = دُفِنَ فِي الْغَرْقَدِ مَقْبَرِ الْمِنَنْ
عُثْمَانَ مَنْ يُنْمَى إِلَى مَظْعُونِ = بِكُلِّ مَنْ هُنَاكَ كُلَّ حِينِ
فهناك أفادَ أن سيدنا عثمان بن مظعون – رضي الله عنه – أول من دفنَ ببقيع الغرقد، كما نص عليه علماء السير.
2- وقوله:
وَاكْتُبْ رِضَاءَكَ إِلَى أَوَّلِ مَنْ = دُفِنَ فِي الْغَرْقَدِ مَقْبَرِ الْمِنَنْ
عُثْمَانَ مَنْ يُنْمَى إِلَى مَظْعُونِ = بِكُلِّ مَنْ هُنَاكَ كُلَّ حِينِ
فهنا يذكر بعض مناقب سيدنا عكّاشة بن محصن – رضي الله عنه -، ويشير إلى الحديث المشهور الذي اتفق عليه الشيخان، وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِىءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ » ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» [متفق عليه].
3- وقوله:
وَلِنُعَيْمَانَ أَخِي الظَّرَافَهْ = سُقِ الرِّضَى وَهَبْ لِيَ النَّظَافَهْ
فهنا يذكر – رضي الله عنه – النعيمانَ بن عمرو الأنصاري، قال ابن عبد البر في الاستيعاب: «شهد بدرا، وكان من قدماء الصحابة وكبرائهم، وكانت فيه دعابة زائدة. وله أخبار ظريفة في دعابته»، وتلكم الأخبار مذكورة في مظانّها.
4- وقوله:
وَلْتَكْفِنِي الضَّيْقَ مَعَ الزِّلْزَالِ = بِالْمُنْتَمِي مِنْهُمْ إِلَى هَزَّالِ
ثَابِتٍ الشَّهِيدِ فِي الْيَمَامَهْ = وَلْتَرْضَ عَنْهُ وَلْتُدِمْ إِتْمَامَهْ
ويذكر هنا ثَابِتَ بْنَ هَزَّالِ بْنِ عَمْرٍو الأنصاري الخزرجي، الذي استشهد يوم اليمامة سنة 11هـ.
 ولم يلتزم – رضي الله عنه – عند ذكره لهم التنبيهَ إلى المهاجري والأنصاري، ويحكى أن في زمنه نسخةً من النظم، كان فيها تمييزٌ بين المهاجريّ والأنصاري، والأوسي والخزرجي، وذلك بالمداد المغاير.
نماذج وأمثلة:
يقول في إحدى مقدمات المنظومة منوها بمناقبهم الفائقة، ومفاخرهم الرائقة:
بِسْمِ الْإِلَهِ قَدْ بَدَأْتُ رَاجِيَا = مِنْهُ تَعَالَى أَنْ أَكُونَ نَاجِيَا
سُبْحَانَهُ رَبًّا بِأَهْلِ بَدْرِ = رَفَعَ دِينَ الْمُصْطَفَى ذِي الْقَدْرِ
مُحَمَّدٍ صَلَّى عَلَيْهِ بِسَلَامْ = بِآلِهِ وَصَحْبِهِ جَالِي الظَّلَامْ
أَسْأَلُهُ بِحَقِّ بِسْمِ اللَّهِ = تَسْخِيرَهُ لِيَ ذَوِي الْمَلَاهِي
لَهُ تَوَجَّهْتُ مَعَ الرِّجَالِ = أُسْدِ الْعِدَى الْمُزَحْزِحِي الْأَوْجَالِ
لَهُ تَوَجَّهْتُ بِمَنْ قَدْ صَبَرُوا = عَلَى الْعِدَى وَمِنْ سِوَاهُ أَدْبَرُوا
هُوَ الَّذِي نَصَرَهُم وَأَيَّدَا = وَجَاهَدُوا الْعِدَى جِهَادًا جَيِّدَا
أَكْرَمَهُمْ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ = إِذْ قَاتَلُوا الْعِدَى ذَوِي الْخُسْرَانِ
لَهُ تَوَجَّهُوا بِالاِحْتِسَابِ = وَكُرِّمُوا بِعَدَمِ الْحِسَابِ
رَضِيَ عَنْهُمُ الْمُكَرِّمُ الْغَفُورْ = إِذْ دَوَّخُوا بِإِذْنِهِ ذَوِي النُّفُورْ
حَطَّ الْكَرِيمُ جُمْلَةَ الْخَطَايَا = عَنْهُمْ وَسَاقَ لَهُمُ الْعَطَايَا
– ويقول عند ذكره للخلفاء الراشدين:
يَا رَبَّنَا صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ = وَآلِهِ مَعَ الصِّحَابِ الْحُمَّدِ
وَلْتَرْضَ عَنْ نَائِبِهِ الصِّدِّيقِ = رَفِيقِهِ فِي الْغَارِ ذِي التَّصْدِيقِ
وَلْتَرْضَ عَنْ وَزِيرِهِ الْفَارُوقِ = سَيِّدِنَا عُمَرَ ذِي التَّفْرِيقِ
وَلْتَرْضَ عَنْ مَأْمُونِهِ عُثْمَانَا = وَزِدْهُ غُفْرَانَكَ وَالْأَمَانَا
وَهْوَ الَّذِي قَدْ فَازَ بِالنُّورَيْنِ = وَبِهِمُ ارْحَمْنِيَ فِي الدَّارَيْنِ
وَلْتَرْضَ عَنْ وَارِثِهِ عَلِيِّ = ابْنِ أَبِي طَالِبٍ الْعَلِيِّ
بَابِ الْعُلُومِ وَالِدِ السِّبْطَيْنِ = وَلِيَ هَبْ بِجَاهِهِ بَسْطَيْنِ
ويقول في بداية أهل حرف الهمزة:
وَلِيَ هَبْ بِأَهْلِ حَرْفِ الْهَمْزَهْ = نَفْعَ كِتَابِكَ وَلِي اكْشِفْ رَمْزَهْ
يَا رَبَّنَا صَلِّ عَلَى وَسِيلَتِي = مُحَمَّدٍ وَزِدْ بِهِ فَضِيلَتِي
وَلْتَرْضَ عَنْ أُبَيٍّ بْنِ كَعْبِ = وَعَلِّمَنِّيَ وَأَعْلِ كَعْبِي
وَسُقْ رِضَاءً أَبَدًا لِلْأَخْنَسِ = السُّلَمِيِّ وَانْفِ عَنِّي دَنَسِي
وَسُقْ رِضَاءً أَبَدًا لِلْأَرْقَمِ = ابْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ وَاشْفِ سَقَمِي
وَسُقْ رِضَاءً سَرْمَدًا لِأَسْعَدَا = ابْنِ يَزِيدَ وَاحْمِنِي وَأَسْعِدَا
وَسُقْ رِضَاءً سَرْمَدًا إِلَى أَنَسْ = ابْنِ مُعَاذٍ وَلْتُعِذْنِي مِنْ فَنَسْ
وَسُقْ رِضَاءً سَرْمَدًا لِأَنَسَهْ = مَوْلَى الرَّسُولِ وَاكْفِنِي الْمُدَنَّسَهْ….
– ويقول في ذكر أصحاب الكنى:
وَلِيَ هَبْ بِحَقِّ أَصْحَابِ الْكُنَى = عِنْدَكَ يَا وَهَّابُ مَا فَاقَ الْمُنَى
وَسُقْ رِضَاءً لِأَبِي لُبَابَهْ = وَخِرْ لِيَ الْخَيْرَ وَلِي افْتَحْ بَابَهْ
وَسُقْ رِضَاءً لِأَبِي عُبَيْدَهْ = وَكُفَّ عَنِّي قِتْلَنَا وَكَيْدَهْ
وَسُقْ رِضَاءً لِأَبِي حُذَيْفَهْ = وَأَرِنِي خَيْرَ الْوَرَى وَخَيْفَهْ
وَسُقْ رِضَاءً لِأَبِي خُزَامَهْ = وَهَبْ لِيَ الْإِسْعَادَ وَالْكَرَامَهْ
وَسُقْ رِضَاءً لِأَبِي الْحَمْرَاءِ = وَلِيَ جُدْ بِالسُّنَّةِ الْغَّرَّاءِ
وَسُقْ رِضَاءً لِأَبِي السَّلِيطِ = وَلْتَقِنِي الْإِفْرَاطَ كَالتَّفْرِيطِ…
***
وهذا باختصار تعريف بنظم أسماء أهل بدر الكرام الذي ألفه الإمام العارف بالله سيدي أبو المحامد الشيخ الخديم – رضي الله عنه. ولِما في نسخه من هَناتٍ في ضبط الأسماء تشمر بعض الإخوة المريدين لخدمة المنظومة؛ ضبطا وتحقيقا، إلى الترجمة للبدريين والتمييز بين المهاجرين والأنصار، وندعو الله أن يوفقهم لإكمال العمل ونشره حتى ينتفع به القاصي والداني.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
*******
أبو مدين شعيب تياو الأزهري الطوبوي
يوم 17رمضان 1441هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى