الإقتصادالدين و الترييةالرياضةالسياسةالصفحة الرئيسية

الأفارقة والسجن الثقافي:

الأفارقة والسجن الثقافي:

مع تبني النبرة الجدلية يمكنني القول إنه من الإهانة لميراثنا التاريخي وسياسات تصفية الاستعمار، أن نرى في عام 2019 معالم وتماثيل وشوارع عامة ودورائر حكومية في دول القارة الأفريقية تحمل أسماء جلادين وقتلة أجدادنا ومن استرق آباؤنا واحتلوا أراضينا.

مثلا، في النيجر عندك جادة شارل ديغول ( Avenue Charle Degaulle) في السنغال جادة فيردبرغ Avenue Fairdherbg ( هو جنرال فرنسي من فيلق الاستعمار الفرنسي قتل مالا يقل عن 800 من أجدادنا في أفريقيا الفرنسية). لا ننسى جادة شارل ديغول بدوارة مدينا في داكار، سنغال. قِس عليه شارع اتحاد فرنسا بكاميرون(Rue L’union française)، – أحقًا وصل بِنَا البؤس والشقاء أن نسمّي شارعا باتحاد فرنسا ما دخلنا بمتى اتحدت فرنسا؟-.
في مالي في حي كونا، سموا شارعا بأكمله بدامين بواتيه، ذلك الإرهابي من الجيش الفرنسي. مثله في دولة غابون، توغو، ساحل العاج، وغيرها مما لا يسمح نَفَسِيْ بعدّها. في دراسة ل IGA تؤكد أن 95% من شوارع كاميرون بأسماء تعود لمعالم فرنسية. مهزلة!
لكن كي ندرك خطورة الوضع ودرجة الإهانة، دعونا نكتشف من هو شارل دوغول هذا؟ الجنرال شارل دوغول(1890-1970)،قائد قوات المقاومة في فرنسا ضد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.
من الجدير بالملاحظة أنه عندما يتحدث المؤرخون عن الحرب العالمية الثانية ، هناك حدث بالغ الأهمية يتظاهرون بنسيانه. كي على الحدث يجب أن نعود ل 4 أشهر قبل نزول الحلفاء في نورماندي لتحرير فرنسا. بالتحديد من 30 يناير إلى 8 فبراير 1944 ، عُقد اجتماعٌ في برازافيل ، الكونغو. ضمّ الاجتماع الأقاليم التو كانت تسمّى: “أفريقيا الاستوائية الفرنسية” والاجتماع تحت اسم “مؤتمر برازافيل”. اجتماعٌ تمّ تنظيمه من قبل اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني (CFLN)، التي تحارب سراً في فرنسا ضد الاحتلال الألماني. الغرض من المؤتمر هو تحديد دور ومستقبل الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية.
وأنا أقرأ تاريخ هذا الاجتماع،قلت في نفسي، سيكون من المنطقي التوقع أنه إذا كانت جماعة تقاتل في فرنسا ضد المحتل(ألمانيا)، وقدّرت الظروف أن اجتمعت هذه المجموعة في إفريقيا ، للتحدث عن المحتلين(الألمان) ، فسيكون من البدهي أن تقول لنا فرنسا “عفوا ، يا أفريقيا، نعتذر، لم نكن ندرك سعة الذلّ والإهانة اللذين يمكن الشعور بهما حين تحتل دولة ما بلدك أو بلدًا آخر” واصلت القراءة فكانتْ صدمتي: لا، هذا الاجتماع ليس للاعتذار أبدا أو اتخاذ قرار بإنهاء احتلال أفريقيا. الأغرب، أنّ هذا الاجتماع كما في مؤتمر برلين 1884-1885 ، حضر الجميع باستثناء المعنيين أنفسهم(ممثلي الأفارقة).
ففي مؤتمر برازافيل هذا ، لم تتم دعوة أي ممثل لدولة أفريقية أو مجتمع أفريقي أو قبيلة أو مجموعة من الجماعات العرقية. إنما رأّس المؤتمر الجنرال ديغول ورينيه بلفن، مساعده ، لكن حضر عملاء فرنسا الممثلون الإداريون للأقاليم الفرنسية في إفريقيا ، بمن فيهم 21 محافظًا ، و 9 أعضاء في الجمعية الاستشارية ، وستة مراقبين أرسلتهم الحكومة العامة (الفرنسية) في الجزائر والمساكن العامة (الفرنسية) في تونس والمغرب.
بل يصرّ الجنرال ديغول ، -في حال لم يكن واضحًا في رأس كل شخص كان يعتقد أن فرنسا في ظل الاحتلال الألماني لها كانت ستوافق على تحرير مستعمراته ، – أن الصلة بين فرنسا ومستعمراتها “أبدية” والإعلان الختامي للمؤتمر يرفض دون تأويل “أي إمكانية للتطور والتحرر خارج الكتلة الفرنسية،والابتعاد عن كل حلم للأفارقة يهوم حول ” الإدارة الذاتية “.
وجاء في النص النهائي، المكتوب كما أراده الجنرال ديغول ، نبذ أي فكرة لتحرير المستعمرات وفق هذه العبارة ” نرفض أي فكرة عن الحكم الذاتي ، أي إمكانية للتطور خارج كتلة الأمبراطورية الفرنسية ودستورها”.
واو، هنا رجلٌ ، منذ عام 1939 ، يقاتل ضد محتل عنيف ويجد نفسه بعد 5 سنوات ، في عام 1944 ، في بلد إفريقي ليقول إنه لن يتراجع عن احتلال دولته لإفريقيا ولن يدعها حرة مطلقًا وأن العلاقة أبدية!!!.
بعد الاجتماع جمع ديغول عدد من آبائنا كالقطيع وساقهم إلى فرنسا ليحابوا جنبها. وهكذا انتصرت على ألمانيا النازية. ما يميز غيظًا، أنّ بعد الحرب والانتصار بدلاً من أن تشكرهم فرنسا وتعترف لهم بالجميل، قام الجنرال ديغول بتطبيق سياسة العملة التي كانتْ ألمانيا النازية طبقتها على فرنسا. قام ديغول بالتطبيق طبق الأصل دون تغيير ولا حتى بند من هذا الاحتلال العُمْلاتي. تلك العملة ما هي غير وجه البؤس” عملة فرنك سيفا”. هل هذا التافه يستحق أنْ يكتب اسمه على معالمنا وشوارعنا والجادات والطرق الرئيسية؟ هل التنشئة السياسية لأطفالنا لاتهمنا؟ كي ندس هذه المهانة دسًا في اللاشعور عندهم بكتابة أسماء هذه الجينات النتنة من البيض على الشوارع التت يمرون بها ليل نهار؟!!

المستعمرات الانجليزية: قد يخيّل لأحدنا أن الموضوع منحصر على أفريقيا الفرنكوفونية، لا بل هناك ما هو أبشع في المستعمرات الانجليزية، بعضها أيضًا قامت بإعطاء أسماء وبض الرموز العنصرية الغربية البغيضة لمعالم دولهم، المحزن في ذلك أن دولة راقية ومثقفة مثل غانا قامتْ في وسط أكرا بتنصيب تمثال ،مهاتما غاندي.
لكن من هو غاندي هذا،؟ وما حقيقته: مهاتما غاندي(1869-1948).، هو والد القومية الهندية، وقائد حركة تحررّ الهند من الاستعمار البريطاني، غالبًا يرمز إليه على أنه رسول اللاعنف والتسامح والحقوق المدنية وحرية الشعوب في جميع أنحاء العالم. دَرس القانون في بريطانيا، في جامعة UCL في بريطانيا، ثم سافر وأمضى 21 عامًا في جنوب إفريقيا من 1893 إلى 1914 عندما وصل للعمل كمحام للتجار الهنود المسلمين الأثرياء هناك.
إليكم ما قاله عن السود من جنوب إفريقيا وبلده الأصلي الهند: يقول غاندي:
“الكافير ( لقب يطلق على السود في جنوب إفريقيا) غير متحضرين بشكل عام، إنهم مزعجون وقذرون للغاية ويعيشون كالحيوانات تقريبًا…نحن نؤمن بالطهارة والتفوق العرقي. ونعتقد أيضًا أن البيض في جنوب إفريقيا يجب أن يكونوا الأسياد على الزنوج”. وأضاف أنّ الهنود الأصليون (السود) لم يجلبوا شيئا للهند، وهم مدينون برخاءهم للهنود (ذوي البشرة البيضاء)…….يجب السطو على الذين ينتمون إلى العروق الغير المتحضرة لأنهم لا يستطيعون العمل على أي حال”…. معركتنا هي الصراع لنحمي عرقنا الذي يحاول الأوروبيون تدنيسه باختلاطنا مع الكافير الغير المتحضرين. ” المصدر: “مقتطفات من الأعمال المجمعة”، مجلة أرشيف الرأي الهندي.
هذا الرجل غاندي تحت عباءات التعايش السلمي والتسامح يحمل تلك النزوعات الممرضة للروح السليمة وهذه الهلوسات التي تعبر فقط عن الانحطاط، بربكم أيمكن أنْ نطلق على مثله أيقونة التسامح؟ والأسوأ أيستحق أن ننصب له تمثالا في أحد أعرق دولنا والتي تحمل ميراث أحد أكبر أمبراطورايتنا( غانا)؟ لغز!

مالدرس للجيل الجديد من القارة الأفريقية:
الأعقد لغزًا هو، كيف يتحمّل قادتنا ورؤساء دولنا مثل هذه المذلة وهم يبنون الشوارع وإعطائها أسماء حثالات من هذا القبيل للمعالم ومعاهدنا؟! هل هم جهلة؟ أمْ أن هوياتهم طمست فماتت فيهم الحمية وكرامة الذات؟. الإجابة الوحيدة المنطقيه التي وجدتها كانت عند الملقب ب” أب التاريخ الأسود” الدكتور ” كارتر وودسون” المؤرخ والناشط السياسي الأفروأمريكي، خريج جامعة هارفارد. في كتابه ” التعليم السيء للزنوج The Mis-education of Negro”، كتب في حالة نشوة ذهنية عبارة عن السيطرة على التفكير أرى أنها الأنسب وصفا لتصرفات قادتنا. حيث قال:” عندما يتم التحكم على تفكير المرء، لا داعي للقلق بشأن أفعاله، سيتصرف بالطريقة التي يرضيك، وستجده في المكان الصحيح الذي تنتظر وجوده فيه، وسيبقى. وإنْ عُدم المكان الصحيح، فسيحتجّ حتى يخصصّ له ذلك المكان، فتربيته تتطلب منه ذلك”.
بعد هذه العبارة الوجيزة والشاملة، لا يسعني أن أقول إلا أن التعليم السيئ للاستعمار هو الذي يفسر كيف رؤسائنا يقومون بتسمية شوارع بمن استرقنا واحتلنا وقتل آباءنا وأجدادنا، فتربيتهم تتطلب منهم ذلك.
يبقى السؤال المهم. فماذا عن جيلنا،طلاب غانا مانتظروا جوابنا،بل قاموا بهدم تمثال غاندي مطلع 2019 ماذا ننتظر؟!

إدريس آيات- طالب في كويت قسم العلوم السياسية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى