الثقافةالدين و الترييةالرياضةالسياسةالصفحة الرئيسية

القراءة مفتاح التفكير ، والنجاة فى العقل السليم . عبد الرحمن بشير

القراءة مفتاح التفكير ، والنجاة فى العقل السليم . عبد الرحمن بشير
………………………………………………………………………………………
ليس من الدين محاربة العقل ، وليس من العقل السليم محاربة الدين ، ومن السذاجة بمكان إيجاد جبهتين فى داخل الحضارة الإسلامية ، جبهة تحارب العقل باسم النص ، وأخرى تحارب النص باسم العقل ، بل ومن المضحكات المبكيات أن يسمي البعض بالنصي ، أو الأثري ، وهذا يفهم منه أن العقل لا مكان له عنده ، بينما يسمّى البعض بالعقلاني ، ويُفهم من هذا الكلام أن النص عند العقلاني لا مكان له ، فهذا النوع من التفكير التفكيكي لا وجود له فى الوحي الصحيح ، بل المشكلة هي فى نوعية القراءة ، ومنهجية التفكير السائد عند الإنسان .

فى الحضارة الإسلامية مدارس عدة ، كل مدرسة حملت لونا من التفكير ، فكان هناك الصراع ما بين المعتزلة والأشعرية على أشده وما يزال ، المعتزلة تقدم العقل على النص فى بعض الأحيان ، ولكن هذا النوع من التفكير ليس منهجا أبديا عندها ، ففى بعض الأحيان نجد أن المدرسة تقدم النص على العقل ، ولكنها تؤوله عقلانيا ، وتتبع منهجا ارتضت بها ، ومع هذا بقيت مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي ، والمدرسة الأشعرية بدأت نصية ، ثم انحازت نحو العقل ، فتوسطت بعد ذلك فأصبحت مدرسة تجمع بين المعقول والمنقول ، فتبتعد بقدر المستطاع شطط العقل ، وتضخيم المدرسة الظاهرية .

ظهرت المدرسة التيمية ، فرأت فى الأشعرية عيوبا ، ولاحظت فى المعتزلة شططا ، فكتب ابن تيمية بعض كتبه ، وهو يحاول أن يكون فى الوسط ما بين المدرسة الأشعرية ، الناطقة الرسمية باسم السنة والجماعة ، والمدرسة المعتزلة ، وتمثل الأقلية فى الفكر الإسلامي ، ولكن ابن تيمية لم يصبح الناطق الرسمي ، ولكنه كذلك خرج من دائرة الأقلية ، واستخدم ابن تيمية فى محاولاته العديدة فى استدراكه على المدرستين أن يستخدم العقل والنص معا ( درء تعارض العقل والنقل ) لابن تيمية نموذجا .

فى قراءتى لهذه المدارس الثلاثة ظهر لى بأن الحقيقة ليست محصورة فى مدرسة ما ، بل هي محصورة فى الوحي فقط ، ولكن كل واحدة من هذه المدارس حاولت الوصول إلى الحقيقة من خلال قراءة علمية ، وعميقة للنص والواقع ، ولهذا ليس من الفهم السليم أن نحكم بأن مدرسة كاملة يجب محوها من التاريخ ، لأنها أخطأت فى بعض الأمور ، فهذا النوع من التفكير الذى ساد حينا فى الساحة ، وما زال له أتباع فى بعض الأمكنة لا يقدم شيئا فى عالم الأفكار .

لدينا فى عالم القراءة طريقة صحيحة حتى نصل إلى الغاية منها ، فالقراءة العشوائية لا ينتج منها فكرا سليما ، ومن هنا خطط الفقهاء ، ومن وقت بعيد إيجاد علم له أصول فى القراءة الصحيحة ، أو فى التفكير السليم ، فلا يقرأ المسلم بدون ارضية علمية ، ولهذا أوجد العلماء من زمن الإمام الشافعي رحمه الله علما كاملا إسمه ( أصول الفقه) ، وهو يعنى عندى علم أصول التفكير ، فالتفكير العبثي ، أو العشوائي ليس تفكيراً ، وليس كذلك قراءة علمية .

يدعو القرآن إلى القراءة العلمية المبنية على البحث ، وليس فقط إلى القراءة المبنية على النقل ، والبحث عن مظان الأقوال ( ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير ) .
تعتبر هذه القراءة خطوة نحو الأمام ، فالمسلم لا ينقل من الأقوال إلا ما صح ّ ، ولا يقبل من الدعاوى إلا ما كان مبنيا على الدليل ، فإن كنت ناقلا فالصحة ، وإن كنت مدّعيا فالدليل .

تكون الخطوة التالية فى القراءة المنهجية ، فلا معنى لقراءة تدّعى العلمية ، ولكنها لا تتبع منهجا علميا فى البحث عن الحقائق ، فإن كان الموضوع أمرا متعلقا بالغيب ( المبتافيزيقيا ) فله منهجية ، وإن كان الموضوع أمرا متعلقا بعالم الشهادة ( الفيزياء ) له منهجيته ، والمشكلة تكمن دوما فى الخلط بينهما ، فليس من الممكن أنونبحث فى مسائل الغيب تحت ( كيف ) ، كما ليس من الممكن أن نبحث مسائل الشهادة بأدوات فلسفية غير علمية ، ولهذا نجد دعوة القرآن صريحة إلى البحث العلمي والمنهجي( إئتونى بكتاب من قبل هذا ، أو أثارة من علم إن كُنتُم صادقين ) .

تكون الخطوة الثالثة فى القراءة الموضوعية البعيدة عن القراءة الذاتية ، والمنفتحة البعيدة عن القراءة المنغلقة ، والمتجردة عن التعصب البعيدة عن القراءة المتعصبة للأفكار ، فهذه القراءة تحرر العقل المسلم من آفة التعصب ، وروح الإنغلاق الفكري ، فتصبح تلك القراءة بداية فتح آفاق جديدة للعقل المسلم .

إن القراءة هي التى تجعل العقل المسلم يصل إلى آفاق جديدة من خلال القراءة التكاملية ، فلا يمكن أن يتحرر العقل المسلم من أدوات العقل ، لأن العقل هو الذى يجب استخدامه فى فهم الألغاز ، وفك الطلاسم فى هذه الحياة المعقدة ، ومعرفة الأفكار المتناطحة والمتصارعة ، ولولا العقل لما عرف الإنسان صحة المناهج ، وطرق الإستدلال ، كما أنه ليس من الممكن تجاوز النقل الصحيح ، فالنقل الصحيح هو الدين الصحيح غير المبدل ، ولكن كيف يعرف الإنسان من الدين الصحيح عن الدين المبدل ؟

إن الرحلة طويلة نحو الفهم الصحيح ، ولهذا سوف نحتاج فى رحلتنا إلى القراءة النقدية ، وهذه القراءة صعبة ، وتحتاج إلى فهم خاص ، وقراءة عميقة للتراث ، والواقع ، ولكن باستخدام أدوات معرفية دقيقة ، ولا بد من الإتصاف بالأخلاقية المعرفية ، فلا يمكن أن يمارس النقد من لا ينضبط بأخلاق المعرفة ، وقديما قال الشاعر : لا تقل عن عملي ذَا ناقص … جئ بأوفى ثم قل ذَا أكمل .

إن الذين يحاربون العقل باسم الدين سيفشلون ، ذلك لأن الوحي ربط بين العقل والنقل فى آية واحدة ( لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا فى أصحاب السعير ) ، قال ابن عباس رضي الله عنه : لو كنّا نسمع الهدى ، أو نعقله ، أو لو كنّا نسمع سماع من يفكر ويعي ، أو نعقل عقل من يميّز وينظر .
هناك من يستخدم كلاما لا يعقله ، أو مصطلحات خاوية من الداخل ، أو صفات لا تدل على الذم كالعقلانية ، ومن هنا نؤكد بأن الزمن تجاوز استخدام هذه المصطلحات التى فقدت مغزاها بمرور الزمن ، واستنفذت أغراضها ، وتم استخدامها لأجل إبعاد المسلم عن النظر والبحث ، فيجب طلاق هذه المرحلة طلاقا بائنا ، ويصبح المسلم مستقل الفكر والشخصية ، فلا يكون أحد وصيا عليه فى قناعاته الفردية ، أو لا يأخذ من جماعة أو دولة تمنحه القناعات ، فهو الذى يقرر قناعاته ، ويحدد مصيره فى الدنيا والآخرة ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ، ثم تتفكروا ) ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى