الثقافةالدين و الترييةالرياضةالسياسةالصفحة الرئيسية

الإنسان حيوان مفكر ولكن ! عبد الرحمن بشير

من المهم أن تفكر ، ولكن أهم من ذلك أن تتعلم كيف تفكّر ؟ فالمسافة بين التفكير العادي ، والتعلم في كيفية التفكير طويلة ، ذلك لأن كل إنسان لديه قابلية للتفكير ، فالإنسان كائن مفكر. ، ولكن المشكلة تكمن فى رفع مستوى التفكير ، وصناعة منهجية التفكير ، ولهذا يخطط المنهج التربوي فى الغرب تدريب الإنسان على التفكير ، وتعليمه كيف يفكر ، بينما نحن فى العالم الإسلامي نجعل الإنسان مخزونا للمعارف ، ولا يتعلم كيف يستخدم هذه المعارف المكتظة لديه .

من المهم أن تتعلم كيف تفكر ؟ ولكن أهم من ذلك أن تقوم فى تحسين مستوى التفكير ، وتتعلم فن القراءة ، وفنون البحث العلمي ، فالإنسان بدون قراءة منهجية نسخة مكررة ، وبدون ممارسة البحث العلمي يبقى فى منطقة آمنة غير قلقة ، فالقلق هو الذى يصنع العقل العلمي ، ويحسّن التفكير ، ذلك لأن الإنسان القلق هو الذى تحدثت به الآية الثانية من سورة ( القيامة ) فى قوله تعالى : ولا أقسم بالنفس اللوامة ، فالنفس اللوامة هي التى تجعل صاحبها قلقا ، ومتسائلا ، وباحثا ، ومناقشا .

من المهم أن تحسّن التفكير ، ولكن أهم من ذلك هو أن نتعلم القراءة النقدية ، والقراءة النقدية ليست تلك التى تهوى النقد لأجل النقد ، بل يمارس صاحب التفكير النقدي للنقد للوصول إلى الحقيقة ، والوصول إلى الحقيقة ليس سهلا ، بل لا بد من جهد عقلي مكثف غير منقطع ، وقراءات عميقة لنقول السابقين ، والإدعاءات الموجودة فى الساحة بعقل علمي ، وقديما قال سقراط : اتبع الدليل أينما قادك ، فلا قيمة للرأي إذا كان عاريا من الحجة والدليل ، وقرّر علماؤنا كذلك قاعدة ذهبية : إن كنت ناقلا فالصحة ، وإن كنت مدّعيا فالدليل .

من المهم أن تُمارس التفكير النقدي ، ولكن أهم من ذلك أن تقبل الفكر الذى يخالفك ، ولو كان بعيدا عن أفكارك ، فالإنسان قد يرى الصواب من جانب ، وليس من كل الجوانب ، وقد لا يتوصل إلى الصواب ، ويكون الصواب عند غيره ، ومن هنا فلا بد من قبول الفكر المخالف ، فالحضارة الإسلامية قررت قاعدة ( رأيى صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيرى خطأ يحتمل الصواب ) ، وتلك ممارسة فكرية متقدمة ، ولكن بعضا من شباب الصحوة يؤمنون بأن جماعتهم هي خير الجماعات ، وأن إجتهادات شيوخهم تمثل نهاية التاريخ ، وأن العقل الإسلامي انتهى عند شيوخهم ، ولَم يقرؤوا أن بعض علماء الفقه ذكروا بأن الصواب قد يتعدد ، وهناك مدرسة ( المصوّبة ) إلى جانب مدرسة ( المخطئة ) والتى ترى بأن المجتهدين كلهم على الصواب ، وهذه أيضا درجة عالية من النضج الفكري والفقهي .

من المهم قبول الرأي المخالف ، ولكن أهم من ذلك تعلّم التعايش السلمي بين الأفكار المتناقضة ، والمدارس المختلفة ، والجماعات المتباينة ، والأحزاب المختلفة ، فليس هناك من يمثل الله فى الأرض سوى الأنبياء ، ولا نبوة بعد محمد عليه الصلاة والسلام ، وليس هناك أحد من الناس ينطق باسم السماء ، فالكل يجتهد ، والكل يرغب الخير للناس ، والنَّاس عندهم عقول ، فليسوا أطفالا يحتاجون إلى أوصياء .

من المهم أن نتعلم التعايش السلمي ، ولكن أهم من ذلك أن نفرق بين الإنسان والفكر ، نحن يجب أن نتعامل مع المنتوج الفكري للإنسان دون أن نحاكم ضميره ، وسلوكه ، لسنا بحاجة إلى حياته الخاصة ، بل نحن ننظر إلى إنتاجه الفكري ، فنأخذ منه ما هو صالح وقابل للأخذ ، ونترك منه ما هو غير ذلك ، فقد نأخذ الفكر الجيد من إنسان غير مسلم ، ونترك الفكر السيئ الناتج من عقل إنسان مسلم ، لأننا رأينا فى الساحة أفكار سيئة جدا ونتجت من العقول المسلمة ، ومنها تلك التى تدمر الشعوب. والبلاد بلا رحمة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى