الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

مقال: انتكاسة الفن في السنغال

حضرني تساؤلات عدة وأنا أشاهد ليلة السبت الـ 16 من رمضان 1441هـ في وقت مابين الـ 11:45إلى الـ00:30 مسرحية في الشاشة الوطنية RTS1 بعنوان Njangaan من تأليف محما جونسون تراوري.

وهي مسرحية بطلها طفل بُعث إلى الكتّاب (دارا) مبكرا بين شدة والده وعنف شيخه وقسوة مقرئه ـ ابن شيخه سرنج درامي ـ الذي كان يستغله عندما نقله إلى المدينة مع زميلين له من الطلاب، وزج بهم في شوارع دكار متسولين، حتي لقي الطفل الصغير حتفه إثر صدمة سيارة تلقّاها، وطيّ بها صفحة حياته المليئة بالمعانات والحرمان والاستغلال؛ عانى كثيرا من سياط المقرئين، وحرم من حنان الأمومة، واستُغل من قبل ولد شيخه وكل ذلك في طفولته الناعمة وحياته القصيرة.

هكذا صورت لنا المسرحية المدرسة القرآنية (دارا) في سنغال، وذلك منذ إنتاجها سنة 1975م مع الضجة التي أحدثته في تلك الآونة حتى صادرتها حكومة المسيحي لووبول سدار سنغور.

فلماذا تعاد بثها على الشاشة الوطنية في هذه الظروف بالضبط؟

ولماذا يروج له قبل البث بأيام لجلب أكبر عدد ممكن من المشاهدين؟

وما سر أن تكاتف ثلاثة منظمات لإحياء رفات مسرحية أكل منها الدهر وشرب؟

وماذا يكون موقف المنظمات القرآنية تجاه هذه الإساءات نحو حصن القرآن (دارا)؟

وماذا سيكون موقف المسلمين في سنغال تجاه المخططين المتعمدين إهانة مقدساتهم، والتلاعب بقيمهم الاجتماعية؟

لا أملك إجابات شافية لما سبق من التساؤلات إلا أنني أتخمن أن هذه الظروف التي تشبه وقت استنفار كامل لمحاربة وباء كفيد19 ليست خالصة لذلك وإنما تشوبه كثير من نقاط غامقة وإجراءات غامضة وتصويب إلى أهداف غير متبينة ولا واضحة، وكأنه لما جاءت كفيد19 لإحياء كثير من التقاليد التي كانت توصف بالرجعية مثل التطهر (الوضوء) والنقاب وتقليل الإختلاط وتجنب ما يؤذي أجهزة التنفس من التدخين والسكر، تحيّر قوم وبدل أن يركعوا للإسلام ويستسلموا له قلبوا له ظهر المجن و سلطوا وسائل الإعلام علي محاضنه كالمساجد والكتاتيب يسمحون لغيرهما من المؤسسات مالا يسمحون لهما، وتسارع بعض من حاكمي الأقاليم والمحافظين في المقاطعات إلى نزع الطلاب من الكتاتيب إلى مراكز الطفولة العلمانية، وفي هذا حيف وأي حيف!! فالمال الذي ينفق لكفالتهم في تلك الدور كان يكفي لكفالتهم في الكتاتيب لوكانوا مصلحين!! كما قام آخرون من هؤلاء برد الطلاب إلى آبائهم وكان لهم أن يكفلوهم في كتاتيبهم أحسن مما يكفلون المجرمين في سجونهم!

وكأني بهم يقولون رددنا بعض الطلاب ونزعنا آخرين فلنقم بحملات حروب باردة وبإثارة أراجيف ساخنة عبر وسائل الإعلام في الأخبار والاستضافات والمسرحيات…ما يجعل الآباء والأمهات يرغبون عن المدرسة القرآنية ويمقتون أهلها لأنهم أشداء على الأطفال سفهاء فوقهم.

أما مضايقتهم لأهل المساجد، وتجاهل حقوقهم وعدم تقدير مشاعرهم بالحوار ونقص إشراكهم في إدارة الأزمة فحدث ولاحرج…ثم عد إلى المسرحية.

هذه المسرحية التي يلاحظ مشاهدها ما يكن صدر ملفقها من حقد للإسلام وشعائره، فكم أورد فيها من مشاهد صلاة الجماعة بجموع غفيرة وأخرى ضئيلة رابطا القرآن والصلاة والتسول والعنف بحبل واحد وقصير، عنف في العبارات والإشارات والخطوات من كل من أحاطوا بذلك الطفل المسكين، ومسرحية بهذه الخسة والدناءة، والتي صودرت من قبلُ في هذا الوطن، فلماذا تتجرأ أولياء أمورنا اليوم ببرمجة عرضها بل والدعاية لها بأيام قبل ذلك. إذا لم يكن هذا لغز يدعو إلى التفكير الجاد لا أدري متى نحتاج إلى التفكير بجد؟

أما وللمدارس القرآنية إيجابيات يصعب حصرها ونتائج ملموسة في كل مكان فلماذا يُسكت عن كل ذلك، ونحن نعيش أزمة تتطلب التكاتف من جميع شرائح المجتمع للخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، ليُصوب أصابع التهم والتنقيص إلى قطاع عريق عزيز خرّج رموزا وطنية تتشرف بهم الأزمنة والأمكنة، ولنُفاجأ في نهاية العرض بشريط يعرض ثلاثة أنظمة تكاتفت لإحياء رفات مسرحية بالية كانت منبوذة من قبلُ، فقلت مؤامرة مستجدة للنيل من عِرض سنغال ومن فيها من المسلمين. اسمع ما يقوله الشرطي للموظف الذي صدم بسيارته الطالب وذلك في الدقائق الأخيرة من المسرحية: لاعليك فيما حدث إنه مجرد طالب متسول، وسيصبح جثته مختبرا أو دمية تجربة لطلاب الطب! هل وصلت عقلية أحد السناغلة إلى هذه الدرجة من إهدار حقوق الإنسان، غريبة كانت ثقافته أم شرقية؟

إن هذه المسرحية، في هذا الوقت بالذات، رجعيّة فنّية، بل وسمة عار عالقة على الشاشة الوطنية، وعلى ساحة الوطن بمساحاته المترامية، إلى أن يقوم من يهمهم أمر القرآن من المنظمات والأفراد، بل ويقوم المسلمون حركات وطوائف، قادة وخلائف، لمسح اللطخات التي تشوّه سمعة الإسلام ومنظره، وتتوسع كل يوم دوائرها وتتجدد كل وقت مظاهرها. وذلك المسح بما يليق من الحكمة والموعظة الحسنة “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن…”

بقلم الأستاذ أحمد جاه/ كبمير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى