السياسةالعمل والمستجدات

مقال: أسد أسود إفريقيا الشيخ الحاج عمر الفوتي (1)

وصل إلى مقر إقامتي بداكار خطاب السفارة المصرية هناك وكان على رأسها آنذاك السفير الخلوق هشام ماهر وهو رجل قَل الزمان أن يجود بمثله ، فتحت الخطاب فوجدت بداخله دعوة من الرئيس محمد مكي صال رئيس جمهورية السنغال لتكريم اسم الشيخ الحاج عمر الفوتي ، مكان الدعوة مسرح داكار في الأول من فبراير 2014 م ، ذهبت مع زملائي إلى حيث الاحتفال في الساعة العاشرة صباحاً ،وجدنا جمعاً كبيراً من أنصار ومحبي هذا الرجل من كافة البلدان الإفريقية حول القاعة كما لو أنها مباراة فاصلة في نهائيات كأس العالم، استقبلنا منظمي الحفل بترحاب لا نظير له ، وخصوصاً أن أغلبنا يلبس الزي الأزهري ، لم تمتد إلينا يد الحراس للتفتيش الشخصي كما هو المعهود ، فقط الابتسامات والترحيب الحار وقيادة الحرس الجمهوري تمشي أمامنا لتوصيلنا إلى المكان المعد لنا ، كانت البعثة الأزهرية في الصف الأول المواجه للمنصة مع السفراء والوزراء وكان بجانب صديقي أحمد العاني سفير العراق لدى السنغال ، دخل الرئيس القاعة وبدأ الحفل ومع ذكر اسم الراحل الشيخ عمر الفوتي وجدنا البكاء والصراخ يملئ جنبات القاعة مراتٍ ومرات طوال الساعتين ، تعجبت في بادئ الامر ظناً أن شيئاً ما حدث في الخلف ، فهمس في أذني أحد الأخوة السنغاليين يا سيدي هذا أسد أسود الإسلام في إفريقيا ، عندما بدء الفيلم التسجيلي عن الشيخ الراحل فإن نفر ممن حولي وأنا معهم زرفت عيوننا بالدمع ممما سمعناه عن هذه الشخصية العظيمة في عطائها ، قلت في نفسي من يكون هذا العالم الجليل الذي لم ندرسه ولا تشمله مقرراتنا ، أليس مسلماً مثلنا ؟ ، عقدت العزم بعد على تأليف كتاب عن التعليم في إفريقيا وقد انتهيت منه ، وفيه مبحث عن الشيخ عمر الفوتي أقصه عليكم جزء منه على مقالين أو ثلاثة إن شاء الله تعالى :
في الوقت الذي كان فيه نابليون بونابرت يقتحم الموانئ المصرية عام 1798 في شمال إفريقيا ، كانت غرب إفريقيا على موعد مع ميلاد واحد من أشرس المجاهدين الذي واجهوا الأطماع الاستعمارية الفرنسية في القارة الإفريقية ، واحد من الذين لا يلين لهم عزم ولا ينضب لهم رأى ولا يستكين لهم ضلع ، إنه أسد أسود إفريقيا ومبعث فخرها المجاهد الكبير الشيخ الحاج عمر بن سعيد الفوتي تال أحد كبار الفقهاء المتصوفين في السنغال وغرب إفريقيا.
ولد الشيخ عمر بن سعيد الفوتي بـ«فوتا تورو» (منطقة تقع على ضفتيْ نهر السنغال؛ جزءٌ منها موريتانيٌّ على الضفة اليمنى، ويقابله جزؤها السنغالي على الضفة اليسرى) من أبوين منحدرين من جد واحد في أواخر شهر شعبان من عام 1213 من الهجرة/ 1798 ميلاديا، وأبوه من قبيلة ( طُورودو) أي طبقة الأشراف من الفلانيين، وهو ابن فاطمة اتيام بن ألفا تيام ويلتقي في نسبه مع الحاج محمد الخليفة انياس في والدته حفيدته سُخن آمنة اتيام بنت إبراهيم اتيام كلل، وكلمة ( فوتا طُورو ) قيل بأنها فلانية ومعناها (أترك عبادة الأصنام) وقيل (طورو) مشتقة من الطور، أي طور سيناء، وإن صح ذلك فهو تلويح إلى أنهم ينحدرون من أصول مصرية، نزحُوا منها إلى (فوتا) وينتهي سلسِلة نسبه إلى الصَّحابي الجليل عقبة ابن عامر الذي ولّاه معاوية بن سفيان أمر مصر عام 44 هجرية ، وُلد الشيخ الحاج عمر الفوتي الذي سيصير الأسد الضاري في مواجهة الاستعمار في غرب إفريقيا
نشأ الطفل عمر ميّالاً لحفظ وتلاوة القرآن الكريم ، وعندما بلغ الخامسة ألحقه والده بكتّاب الشيخ (قري حماد) من أهل حلوار، وأتم حفظ القرآن على يديه في سن الثامنة، بعدها انتقل الشيخ إلى قرية يقال لها (دربس) و فيها تتلمذ على يد أحد الزهاد الورعين، فتعلم منه علوم اللغة العربية و الفقه و النحو و غيرها من الفنون .
من أجل التبحر في العلوم قدر الله له ملاقاة شيخه العلامة الزاهد السيد عبد الكريم بن أحمد الناقل الفوتجلي وتهيأ للسفر معه إلى أرضه، فرافقه إلى بلاده، حيث مكث عنده خادما له و مدرسا للعلوم سنة وبضعة أشهر ، كما أورد ذلك في كتابه «رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم»، ونظرا لما وقع بين الشيخين من المحبة والتوافق اصطحب بعضهما لزيارة بيت الله الحرام والحج وقيل أن الشيخ عبد الكريم توفى أثناء السفر مشياً على الأقدام إلى مكة ، لكن الشيخ عمر عرج على القاهرة وأزهرها الشريف مكث في خلوة هناك إلى أن جاءه هاتف بضرورة السفر إلى مكة المكرمة ، وهناك التقي الشيخ عمر الفوتي بالشيخ محمد الغالي، وأخذ ينهل من علمه ومعرفته، وبقي في خدمته لمدة ثلاث سنوات كان مثله فيها مثل نبي الله موسى مع الخضر عليه السلام.
وبعد سنوات قضاها في مكة قرر الشيخ عمر الفوتي العودة إلى وطنه، وفي الطريق نزل بأرض (حوص) والحوص هذه أرض نيجيريا وما حولها، وكانت الحوص قد أقيمت حول ضريح الولي والمجاهد الصوفي الشهير عثمان بن فودي، وكان على رأس هذه المدينة ابنه الشيخ محمد بلو، فتجاورا يشدان أزر بعضهما البعض، وبقي الشيخ عمر ملازماً صديقه الشيخ محمد بلو ومعاوناً له في أمور الدين والجهاد، فلم يجهز الشيخ محمد بلو جيشاً لمجاهدة المشركين إلا وكان الشيخ عمر من قياداته، حتى جعله قائدا لعسكره، فكان ينتصر في كل غزوة يحضرها، حتى فتح الله له الكثير من الأراضي و البلدان ، فانتشر صيت الشيخ عمر الفوتي في أنحاء (حوص) وأقبل الناس عليه من كل جانب بالمبايعة و التعلم، وما أن توفي الأمير محمد بلو حتى عاد الشيخ عمر إلى مسقط رأسه فوتا بالسنغال .
بقي الشيخ عمر الفوتي طوال هذه السنوات يعمل على نشر الإسلام في القرى الوثنية مِن حوله، وينشر الطريقة الصوفية التيجانية في غرب إفريقيا ويواجه زحف حملات التبشير والتنصير المسيحية، وبات الناس يتوافدون إليه من جميع الأقاليم حتى كان له الأنصار بالألاف .
أقام الشيخ عُمر دولته الإسلامية العظيمة على مساحة واسعة تمتد من شرقي السنغال وغينيا والنيجر ومدينة تمبوكتو بمالي، بالإضافة لذلك جاء اليه مهاجرين كثر بغية البقاء بين يديه للتعلم ومناهضة الأطماع الفرنسية الاستعمارية.
والى لقاء قادم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى