السياسةالعمل والمستجدات

مقال: كيف ترفع همّتك في القراءة؟

إنّ إيقاظ الهمم ودفعها إلى القراءة والتّعلُّم، من القضايا التي أتحدّث عنها كثيرًا، والكلام بلا وضع منهجٍ للتطّبيق، يشبه نارًا ملتهبةً سريعة الخمود والانطفاء، أمّا إذا كان مصحوبًا ببيان وجه التّطبيق والممارسة، فهو حينئذٍ أقرب إلى النّفع والإفادة، وأجدر بأن يضاهيَ حبلًا متينًا يتمسّك به القارئ؛ للسّلامة مـمّا هو فيه من الحيرة والتّيه.
وهُواةُ القراءة قد تحصرهم طائفتان كبيرتان، هما: طائفة الخبراء المتقدّمين في القراءة سنين عددًا، وطائفة المبتدئين الذين يريدون التّقدُّم في المعرفة. وهذا الكلام موجَّه إلى هذه الطّائفة الثّانية، وإن كنت أظنّ، وعسى أن لا يكون هذا الظّنُّ إثمًا، أنّه كلامٌ جارٍ على الطّائفة الأولى في ناحية من النّواحي.
فهذه أربع خطواتٍ مختصرة، أراها جديرةً بأن يسير عليها المبتدئ؛ لرفع همّته في القراءة:
1 – أن يكون الهدف واضحًا، والغاية جليّة بلا غموضٍ ولا اشتباهٍ؛ ووضوح الهدف يتمّ بأن تضع نصب عينيْك أمرًا معيّنًا تريد تحقيقه، كأن تريد معرفة الأدب وأنت عنه غريب، فأوّل ما يجب في هذه الحال، هو أن تعرف السّبيل إلى الأدب؛ بمعرفة الكتب التي تكشف عنك هذه الغربة في ميدان الأدب، فيكون تحقيق معرفة ذلك هدفًا واضحًا جليًّا غير غامضٍ ولا مشتبهٍ.
2 – . أن يكون الهدف عميقًا منتظمًا؛ فبعد عزمك على ما سبق بيانه وشرحه، يكون توجُّهك إلى المعرفة والاكتشاف، وقد تعلم، بالاستفسار مثلًا، أن (من أحسن البدايات) من حيث القراءة، أن تطالع – وهذا منهجي المختار – للأدباء المحدثين الذين يجمعهم بالأدباء القدماء نسبٌ قويٌّ؛ لأنّهم حافظوا على سلامة اللّغة، وقوّة البيان، وجمال الأسلوب، ولأنّ لغتهم أقرب إليك من لغة الأسلاف السّابقين، ومنهم الرّافعيّ، ومحمود شاكر، وطه حسين، والطّنطاويّ، والمنفلوطيّ، وأحمد أمين، والعقّاد، وغيرهم من المعروفين (اختصرت القائمة حذر الإطالة)، فالقراءة لهؤلاء تيسّر الاحتكاك بالجاحظ، وابن المقفّع، وابن قتيبة، وأبي حيّان التّوحيديّ، وأبي هلال العسكريّ، والثّعالبي، ومن سواهم من القدماء المعروفين.
ثمّ تنظر، فتجد أنّه لا بدّ من التّرتيب بين المحدثين أيضًا، ومن أحقّهم بالبدء مصطفى لطفي المنفلوطيّ، وقد تمّ جمع أعماله الكاملة في كتابٍ واحدٍ، ومن هنا يكون الهدف (عميقًا منتظمًا) بعد أن كان (واضحًا جليًّا)، فتبدأ القراءة للمنفلوطيّ على سبيل المثال، مقتصرًا عليه، غير مفارقه؛ خشية تشتيت الذّهن، وتفريق الجهد من غير طائل (تذكّر أنّك في البداية!).
3 – أن تضع قياسًا معيّنًا لتحقيق الهدف المنشود؛ لأنّ إطلاق العنان للنّفس في القراءة؛ لتقبل عليها متى شاءت، وتعرض عنها متى اشتهت، أمرٌ باترٌ لظهر العزيمة، ولا سيمّا في البدايات، فلا بدَّ من أخذ النّفس بالصّرامة والقوّة، فتقول مثلًا، بعد النّظر في: (العبرات) للمنفلوطيّ، وإدراك قدرتك على هضمه ضعفًا وقوّةً: إنّك ستنهيه خلال أسبوع، أو أسبوعين، أو ثلاثة أسابيع، أو ما فوقها فصاعدًا، ولا بأس أن تتقدّم أو تتأخّر، وإنّما المهمّ أن تفهم محتوى الكتاب حقّ الفهم.
وبعد هذا التّخطيط العامّ البعيد، تضع تخطيطًا خاصًّا قريبًا، وهو أن تقرأ من كتاب (العبرات) عددًا معيَّنًا من الصّفحات كلّ يومٍ، وليكن هذا العدد قابلًا للإنجاز والتّحقيق، فلا تحدّد من العدد ما يخرج عن طوقك، أو ما لست ببالغه إلّا بشقّ النّفس، بل اجعله مناسبًا يسيرًا من غير إفراط في اليسر، حتّى تقبل عليه غير خائفٍ، ولا متحرّج، ولا متوجّس من العاقبة.
وهذه الخطوة الثّالثة، هي، في نظري، أهمّ الخطوات كلّها؛ لأنّها خطوةٌ عمليّة، ولا فائدة من الخطوتين السّابقتين إلّا بها؛ ولذلك حرصت على بيانها وجلائها، منبّهًا القارئ إلى أن لا يتهاون فيها، وأن يشدّ عليها قبضته حتّى لا تتفلّت.
4 – الخطوة الأخيرة هي أن تُوجد لنفسك صديقًا تكون بينكما منافسةٌ بريئةٌ، هدفها العلم والتّقدُّم فيه، وغايتها المعرفة والبراعة فيها، وإذا انفرد المسافر تكاسل وتهاون، ولكنّه إذا كان في الجماعة، جدَّ به الجدّ كلّما رأى الرّكب يتقدّمون في السّفر، وليس بضرورة ملزمة أن يكون ذلك الصّديق مقيمًا معك في مكانٍ واحدٍ، أو قارئًا معك في كتابٍ واحدٍ، بل يكفي أن تكون صحبته مـمّا يوقد الهمّة، ويعزّز العزيمة.
أردت تناول هذه الخطوات من أقرب مآخذها، دون إيغالٍ في استخدام المصطلحات العلميّة المشتبهة في أحيانٍ كثيرة؛ حتّى تكون مفهومة واضحة، مفيدةً لمن يسترفع همّته في القراءة، وتلك هي غايتي كلّها.

بقلم: د.محمد موسى كامارا
كاتب وباحث من غينيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى