السياسةالعمل والمستجدات

سيدي المختار {بروم غاوان}

– سيدي المختار {بروم غاوان}
إن الشخصيات التي خرجتها المدرسة الخديمية، بعد أن تعهدتها بالعناية العقلية والروحية، لتمتاز بالتنوع والغنى في نماذجها؛ فالقراءة الفاحصة فيها تؤكد تفرد كل بخصوصيات تقيم حدودا وفواصل تكاد تنمحى معها علاقات الانتماء لمشرب واحد لولا ما يطفو على السطح من سمات جامعة.
ولعل هذا التنوع يعكس شعور المدرسة باحتياج الساحة الإسلامية إلى التخصص في الأداء والعمل.
والشخصية التي نقدمها اليوم تمثل نموذجا فريدا في بابها سجل لها التاريخ مواقف جليلة في حقل العمل الإسلامي، بما أسهمت في دعم حركة الشيخ أحمد الخد يم التجديدية وجهوده الإصلاحية من جميع النواحي، وعلى الأخص الناحية التمويلية.
التعريف بها :
هو سيدي المختار مبكي المشهور ب بروم غاوان شيخ أنتا المولود في قرية بوروخان بسالم عام 1285ه الموافق لعام 1863م، {وقيل 1866م} من الوالد الشهير القاضي مومار أنتا سل، والأم الكريمة مام أست والو مبكي المعروف ب مام أنتانجاي فهو من أبيه أخ للشيخ الخديم – رضي الله عنه- الذي يكبر عنه بحوالي 15 سنة، ومن أمه ابن عمة له.

تعليمه :
حفظ القرآن على أيدي مشائخ مقرئين، أشهرهم وأكثرهم إقراء له وتحفيظا الشيخ عبد الرحمن لوح وأخذ العلم من أخيه الأكبر مام مور جاره ثم التحق بالشيخ الخديم – رضي الله عنه – مفضلا ملازمته.
تربيته :
ينظر “شيخ أنتا” إلى أخيه الشيخ أحمد فيراه شخصية ربانية، وقدوة روحية تصلح بملازمتها الأحوال، وتستقيم بموافقتها الأعمال، فسارع إلى الارتباط بها منذ أن ميز وأدرك، يترصد أوامرها بالامتثال، ويتوسم مرضاتها في كل فعل ومقال، فهو من أوائل الذين رافقوا الشيخ للتربي على يديه.
وقد أولى الشيخ – رضي الله عنه – لتربيته اهتماما خاصا، وأعده لما كان ينتظره من أدوار لم يكن لتستغني عنا حركته خاصة، وأهل تربيته عامة0 وقد أبدى هو قابيلة وتجاوبا لذلك على أعلى المستويات، وأصبح، فيما بعد، من خواص مستشاري الشيخ وأهل اعتماده، كما يتبين من وثائق مراسلاتهما.
أبعاد خاصة لشخصيته :
إن الوقوف على الأبعاد والجوانب المختلفة لشخصية “شيخ أنتا” يجعلنا ندرك، في قناعة ثابتة، بأننا، في الحقيقة، أمام طراز نادر في وسطه.
غير أننا نقتصر على الإشارة إلى بعض مما يعتبر من تلك الجوانب خاصة : –
شيخ أنتا” رجل الأعمال والثري :
على عادة القادة أركان الطريقة الذين تأهلوا على يد الشيخ رضي الله عنه – وتصدروا للتربية، قد كان شيخ أنتا مربيا روحيا تخضع لقيادته وإدارته معسكرات تربوية عديدة يمارس فيها أهل تربيته إنتاجا زراعيا ضخما كنشاط مساعد، لكن يبدوا أن هذا الدور التقليدي السائد بين نظرائه لم يكن ليرضي طموحا كان يستكن بين جنباته، ويتفاقم مع تصاعد أنفاسه.
فأمامه هذه الحركة الوليدة التي لا تزال تتعثر بين العقبات والمضائق، يتزعمها أخوه وشيخه، والحساد والمستعمر له بالمرصاد وأهل تربيته في حصار واضطهاد إلى جانب ما يحيط من مطالب الدنيا من الموالاة والمداراة، ولوازم الدين من البر والمواساة.فالضمير لا يستريح بالوقوف

عاجزا أمام هذه وتلك من منغصات ومكدرات، وليس من سبيل إلى خروج إلا بضمان قدر من الاكتفاء المالي ذاتيا يحد من غلواء الموقف.
يقيم “شيخ أنتا” الوضع هكذا، فيقتحم مجال الاستثمار والعمل الحر، يستورد، ويضارب في الأراضي، ويدخل في علاقات تجارية واسعة مع أصحاب رؤوس الأموال، بمن فيهم الأجانب، ليصبح من أهم كبار رجال الأعمال : يملك عقارات عديدة داخل الوطن وخارجه، ويقتني قوافل من السيارات وسلسلة من المحلات التجارية، حتى اعتبر في عام 1919م أكبر ملاك للسيارات وأثرى رجل في البلاد. وقد سخر “شيخ أنتا”كل ذلك لخدمة المسلمين وصالح المريدية كما سيأتي :
شيخ أنتا رجل السياسة :
لم يكن “شيخ أنتا” بعيدا عن مسرح الحياة السياسية، بل كان يراقب تطوراتها الهامة، يتابع الأخبار، ويستنطق الصحف عن طريق سكرتيره الخاص، بل كان يحاول التأثير في مجرى السياسة، ويعمل على ترجيح كفة على أخرى حسب إملاء الموقف والمصلحة الظاهرة؛ وقد وقف مرة إلى جانب “غلا ندو جوف” في انتخابات البرلمان الفرنسي لاختيار النواب الأفارقة فيه، وعمل على تمكينه من ترشيح نفسه.
نفيه إلى “سيغو” :
ولأن “غلا ندو” كان المعارض لبليس جانج في تلك الانتخابات فقد اغتاظ الأخير لموقف “شيخ أنتا” هذا، ولفق ضده تهما تتعلق بالسيادة، وأمن الدولة، وقوانين الملكية، وأصدر على ذلك أمرا بإيقافه ثم نفيه إلى “سيغو” بدولة مالي الآن وذلك في الفترة ما بين (1929-1935م) وفي بيان كتبه العلامة الشيخ مبكي بوسو على لسان الحق سبحانه وتعالى يبرر فيه موقف شيخ أنتا وأنه موقف برئ، لا ينطوي على سوء نية ضد أحد، إشارة إلى هذه التهم، وأنها ملفقة عليه للكيد به، كما فعلوا بأخيه، فله فيه أسوة ؛ ثم اعلموا أني الذي خلقت شيخ أنتا على خلقته عليه من سلامة الصدر، ورقة القلب، وخلو البال، وخولته ما خولته، وجبلته على الإنفاق مما رزقته يمينا وشمالا، ليلا ونهارا، لا يميز في ذلك صديقا ولا قريبا من بعيد، إنه مجبول على ذلك لا كسب فيه، فلو أن أعداء خليله أتوه من الجهة التي أتاه هو منها لنالوا منه ما نال، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فرموه بما رموه مما لا يليق ولا أعلمه فيه منذ خلقته، فاشكر لي يا “شيخ ” بالصبر على ما قيل فيك وتعلم أنك برئ منه، فإني مع الصابرين، – ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
في الحقيقة أن هذا البيان يتجاوز حدوث التبرئة وساحتها إلى مشاطرة الحزن والأسى، والتعبير عن المرارة والامتعاض من
مسلك “بليس” الجائر، كما يجسد هذا البيان عمق العلاقة وقوة الصداقة التي كانت تجمع “سرين امبك” بـشيخ أنتا”
خدمته وآثاره :
كرس “شيخ أنتا” حياته كلها لتقديم خدمات تعود بالنفع العميم لصالح المسلمين، ولازدهار الطريقة، وارتفاع معاناة الأتباع، كما سبقت الإشارة، وأعد ما استطاع من قوة المال ورباط البذل، وخاض معارك الإنفاق، وجال فيها وسال، وأبلى بلاء حسنا، جاعلا قوله تعالى : “وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه … شعاره الذي يرفرف به عمله.
فكم أقال من عثرات، وأزال من عقبات، وأحيى من عهود وصلات، وعالج من مواقف محرجات بما يسر من تمويلات، وهيأ من نفقات، وما أشار من رؤى ونصائح حكيمات
والشواهد التي يمكن سوقها لا يكاد العد يحصيها، أو الحصر يأتيها، فنكتفي بها بما يسع له المقال، ويستسيغه المقام، على شكل إشارات، دون خوض في تفصيلات.
من ذلك أنه :
1) في إحدى سنوات القحط، يوزع على الأهالي والسكان حمولة سفينة من الأرز تقدر بـ 125000 طنا، معونات غذائية تساهم في تخفيف المعاناة.
2) ينفق على المرافق الدينية، ويصونها عن أيدي الطغاة، ويحفظ للمسلمين وسائل تأدية شعارهم.
و يرفع المعاناة عن أهل العوز والفاقة.
3) يساعد صغار التجار ويقدم لهم تسهيلات.
4) ينوب عن الشيخ في تقديم ما يلزم من أنواع البر لأقربائه والقاصدين لساحته من علماء وصالحين.
5) يقدم هدايا، من أموال مختلفة، لذوي القرابة من الشيخ، وللعلماء وأهل التقوى، توسلا بأدعيتهم لعل الله يلطف على العباد ويرفع ما نزل بالمسلمين وبالأتباع من الهم والغم بسبب نفي الشيخ وتغريبه.
6) يتوسط لدى الحكام الفرنسيين، ويقدم هدايا لهم، بغرض الاستخبار عن الشيخ، حينا وطلب السماح برجوعه حينا آخر.
7) يدعم المواصلات، ويشق الطرق بين مناطق تواجد الأتباع وبين محل إقامة الشيخ الجبرية في “جوربل” تخفيفا لحدة الحصار.
8) يطبع أول مجموعة من قصائد الشيخ – رضي الله عنه –
يعمل على تحقيق إحدى أمنيات الشيخ الثلاث التي حال القدر بينه وبينها طوال حياته المباركة، والتي تتمثل في (إقامة مسجد الجامع بطوبى، وبناء مدرسة عليا تكون قبلة لطلاب العلم من كل الأنحاء, والحج إلى بيت الله الحرام)
يدرك “شيخ أنتا” مكانة هذه الثلاثة في قلب شيخه، وخاصة الأخيرة التي أكثر الحديث عنها بحيث لم يعد سرا لا يناجي به إلا خواصه، بل كان يحادث به علنا كما يشكو من ألم إلحاحها
سرا، على درجة أصبح معها سائغا وجائزا اعتبار ذلك إذنا عاما يتعين بالمقدرة، وهي شرط يتوفر لديه.
فعلى هذا، يتشمر “شيخ أنتا” ويتكفل بهذه الأخيرة ويعد لها العدة والعتاد، ويحتاط لها أعظم احتياط، ويختار لها بعثة تضم من أهل الصلاح والتقوى والقرابة صفوة يقع بهم الاطمئنان على كمال الأداء وصحة النيابة.
بعثة الحج وأعضاؤها :
ضمت البعثة في أفرادها كلا من الشيخ/ محمد الفاضل مبكي – نجل الشيخ – رضي الله عنه – والشيخ مبكي بوسو، وابنه/ سرين مولاي بوسو، بالإضافة إلى شيخ أنتا ممول البعثة ومجهزها، وابنه سرين تاكو مبكي، وطائفة من الكتبة والأعوان.
وكانت الرحلة في عام 1928م. وقد أرخ لها الشيخ محمد الفاضل مبكي من أول الانطلاق إلى يوم القدوم، وذكر المحطات والمزارات، ووصف الأحداث الجليلات والصغيرات.
علاقاته :
كان الشيخ أنتا يتمتع بعلاقات متميزة مع كافة الأطراف؛ فعلاقته مع الشيخ بدأ منذ الطفولة كما مر، ولم تزل في ازدياد العمق والتوطد، وفي علاقة حب متبادل، يغذيها روح يلتمس المؤانسة في الله وإليه.
أما علاقته بالأقرباء وبمن كان يجمعه بهم وحدة المشرب من أعلام الطريقة فحدث بها ولا حرج، فقد كان الجميع يكن له
الحب والتقدير والاحترام بدون استثناء، وإن كان “سرين مبكي بوسو” والشيخ محمد الفاضل ينفردان بامتيازات في هذه العلاقة0 فقد أبدى كل منهما تأثره الخاص بقرار إبعاده، أظهر تعاطف الصديق الحميم، ومساندة الشفوق الحليم،فقد مرت عليك شهادة الأولى في دلالاتها العميقة، كما شاعت زيارة الأخير له في منفاه بـ “سيغو” وتبشيره بانتهاء محنته وقرب عودته.
أما علاقاته الخارجية ،فقد حتمتها عليه معاملاته التجارية، فارتبط بالأجنبي ارتباطه بالمواطن.
الختام :
هذا قليل من كثير آثار علم من أعلامنا الشامخة، تظل أعماله تشهد له بعلو الهمة.وصدق العزيمة، وبعد النظر. وسعة الأفق، والتفاني في الخدمة للشيخ، وللأتباع والمسلمين عامة مما يجعله في مصاف الطلائع والركائز التي عليها الأساس الأول للطريقة.
بل إن أهمية شخصيته ووزنها داخل المنظومة الأولى للحركة تعود بذاكرتنا إلى موقف الخليفة الثالث سيدنا عثمان – رضي الله عنه – المنعش للنشاط العسكري للدولة الإسلامية الأولى والداعم لها في مواجهة الأزمات المالية.
ومكانته المتميزة من الشيخ – رضي الله عنه – والتي يظل رمزا لها اختصاصه بنزوله عنده في دار السلام (أول قرية بناها) لنفسه ثم عهد بها إليه إثر رجوعه من الغيبة البحرية. وإقامة أول ضيافة عامة له (1) استقبل فيها جموع الأتباع، وعموم الزوار، تؤكد هذه الأهمية الخاصة.
وتوفي – رضي الله عنه – ودفن في دار السلام، في 1/1/1941م، وخلفه في الإمارة والعمارة الشيخ محمد المأمون أكبر أبنائه، ثم من بعده إخوته الذين لا يزالون يتعاقبون على كرسي الخدمة والتجديد.
فجزاه الله وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرا، ونفعنا بحسن الاقتفاء لآثارهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى