السياسةالعمل والمستجدات

مقال: المفاضلة بين الأدباء

د.محمد موسى كامارا/ كاتب وباحث من غينيا

المفاضلة بين الأدباء مثل المفاضلة بين الأطعمة، لا تقع مشكلتها في الاختيار النَّابع من الذّوق، وإنَّما تُشكل في التَّعليل القائم على الحكم؛ فإنَّك إذا فضَّلتَ تناوُلَ طعامٍ على تناول غيره، لا ينبغي لأحدٍ أن ينازعك في ذلك التّفضيل، فيسعى في حملك على تناول طعامٍ آخرَ لا تحبُّه محبَّة البطن، ولا تميل إليه ميل النّفس، ما لم يكن فيما تتناوله سمٌّ ناقعٌ يتغلغل في شرايين جسدك، فيهلكه إهلاكًا لا نجاة بعدَه، فحينئذٍ يجوز لصاحبك أن يزجرك عن أكله وتناوله وهو خائفٌ مشفقٌ.
أمَّا إذا زعمتَ أنَّك تُفضّل طعامًا على طعامٍ؛ لأنَّ الأوَّل أسهل في الهضم، وأنفع للبدن، وأحرس للصِّحّة، وأحمى من العدوى، ثمَّ ذكرتَ أضداد هذه الفوائد من الأضرار في الطّعام الآخر، وجعلتَ ذلك سببًا في عزوفك عنه، وزهدك فيه، تكون ساعتئذٍ قد عرضت نفسك للمطالبة بحجّة البيان ودليل النَّقد؛ فقد لا يكون مسلَّمًا به تسليمًا قاطعًا جازمًا، أن تكون تلك الصّفات الجيّدة المحبّبة في طعامك المفضَّل، وتكون أندادها الفاسدة المنفّرة في الطَّعام الذي تركتَ أكلَه، ورغبت عن تناوله.
وشأنُك مع الأدباء في التّفضيل والتّقديم والاحتذاء؛ قريبٌ من ذلك الشَّأن المذكور؛ فأنت حرٌّ طليقٌ في أن تفضِّل أحمد أمين على الرّافعيّ، والعقّاد على طه حسين، وأحمد حسن الزّيّات على زكيّ مبارك، ومحمود شاكر على عليّ الطّنطاويّ، وأبا حيَّان التّوحيديّ على أبي عثمان الجاحظ، ولك أيضًا أن تأخذ بالنَّقيض في التَّفضيل والتّقديم، فتُقبل على كتب أحدهم بغير مثل إقبالك على كتب غيره، وتقدّم أدبَه في القراءة والعناية على أدب من سواهُ، دون أن يكون من حقّ أحدٍ منازعتُك في ذلك.
ولكنَّك إذا عقدت المفاضلة بين العقَّاد وطه حسين نموذجًا، فأسبغت أوصاف الفضل على العقَّاد، وألحقت أوصاف النّقص بطه حسين، وجعلت ذلك علَّةً في تقديم الأوَّل على الآخر، لم يسلم هذا الحكم من المناقشة والمناظرة ومجاذبة الكلام؛ لأنَّه قد خرج وقتئذٍ من نطاق الذَّوق المجرَّد، إلى حظيرة العلم والنّقد والفحص والدَّرس، ووجب أن يكون الحاكم قد استوى على العلم بتراث الرَّجلين استواءً كاملًا، وهذا فَيْصَلٌ مهمٌّ في تفضيل الأديب، وتقديمه على غيره، يغفل عنه كثيرٌ من النَّاس.
وإغفال هذا الفيصل الفارق هو الذي يثير غبار النِّزاع كلَّما عرض القارئ أديبًا من الأدباء هو معجَبٌ به، وميَّالٌ إليه، ومأخوذٌ بسحر بيانه وأسلوبِه؛ فلا يعدم من يبدي أنَّه يفضّل فلانًا من الأدباء على الأديب المذكور، وهذا لا نزاع فيه، ولا ينبغي أن يثير امتعاضًا ولا غضبًا، ولا أن يستجلب اشمئزازًا يبعث على التّراشق بكلمات الطَّعن والقدح بين الطَّرفين، ولكن حين يذهب هذا القائل المعارض إلى أنَّه يفضِّل أديبًا آخر على أديبك المقدَّم المفضَّل؛ لأنَّ أدبه متّسمٌ بعيوبٍ يذكرها، ومشتملٌ على مثالب يعدِّدُها، ثمَّ يجعلها سبب إعراضه عنه، وقلّة احتفائه به؛ يصيرُ كلامُه نقدًا لا يُسلَّم به تسليمًا تامًّا إلّا بعد الفحص والنَّظر في مدى صدق زعمه وصحَّة دعواهُ؛ فقد يكون ما يراه عيبًا هو سرّ عبقريّة ذلك الأديب، وعلّة خلود أدبه، وسبب ظهوره على أقرانِه، ولكنّما رأى فضله عيبًا لضعف مستواه، وضحالة علمه، وضيق اطِّلاعه، وقصور عقله عن إدراك أسرار الأديب، وقلّة صبره على التّدسُّس إلى أغوار أفكاره، وعلى النّفاذ إلى دفائن آرائه.
ويجب أن يُعلم أنَّ كبار الأدباء الذين تلمع أسماؤهم محفوفةً بالإجلال والإكبار، إنَّما يفضِّل القارئ بعضهم على بعض غالبًا؛ لما يجد فيه من صورة نفسه وجودًا متشاكلًا متشابهًا، بعد أن يرى في نتاج الأديب عقلًا يفكّر في الكون والحياة كما يفكّر، ولسانًا ينطق ويُبين كما يهوى النّطق والبيان، وقلمًا كاتبًا يحلّل هموم الحياة وأسرارها وأحداثها كما يريد لقلمه أن يكتب ويحلّل؛ فينجذب إلى الأديب، ويحتفي به احتفاءً منطلقًا من سرِّ ضميره، ويفضّله على غيره لذلك الشّبه الموجود بين النَّفسين، وبين العقلين، وبين الرَّأيين القائمين بين الأديب وقارئه، وإنّي لأرى مراعاة هذا الجانب تخفّف من غلواء الخلاف، وتجعل كلّ واحدٍ منَّا يحترم رأي غيره في تقديم الأديب الذي يجد فيه صورة نفسه، ما لم يعمد بذلك إلى الحَطّ، والاستخفاف، والازدراء لمن لا تصبو إليه نفسه من الكتَّاب والأدباء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى