الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

المعالم الروحية والثقافية التاريخية عامل بناء علاقات ثقافية واقتصادية “الازهر الشريف” نموذجا

بقلم/ البروفيسور محمد غالاي انجاي*

إن الشراكة الاقتصادية بين الدول إذا كانت الأرضية التي تتأسس عليها تضرب بجذورها في أعماق الدين والروحانية لا ريبة في أنها ستكون أقوى وأدوم مما لو كانت تنبني فقط على مصالح مادية بحتة. هذه حقيقة أكدتها الروابط الدينية والتاريخية القائمة بين كثير من شعوب القارة الأفريقية. والأمثلة في هذا المضمار أكثر من أن تحصى، يكفي لنا هنا أن نأخذ كنموذج تلك العلاقة التاريخية التي تربط السنغال بالمغرب. لا يغيب عن ذي بال أن الإسلام دخل إلى السنغال عن طريق التجار القادمين بلاد المغرب .
إن هذه الروابط، مع مرور الزمن، قد تم تعزيزها وتوسعها بانتشار الطريقة التجانية التي أرست جذورها في تربة السنغال وامتدت في شرق البلاد وعربها أكثر من البلد الذي انطلق شعاعها منه؛ المغرب الذي يحتضن أيضا في تربته ضريح الشيخ المؤسس أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه.
إن التجانية بوصفها رابطة روحية بين الشعبين تشكل في وضعيتنا الراهنة الأساس الذي دشنت عليه العلاقات الدبلوماسية والشراكة الاقتصادية بين البلدين. فلا عجب إذا لاحظنا ولمسنا اليوم محبة المملكة المغربية وشعبها في قلوب السنغاليين. وهذا يدل على أن للعامل الروحي أثرا بالغا في تقوية أواصر العلاقات بشتى أنواعها، وتبادل المنافع والخدمات.
وهكذا يتجلى ترابط البعد الديني والبعد الاقتصادي والتصاقهما بشكل لافت للنظر في محتلف المواقف ويتجلى ذلك الارتباط والحضور الاقتصادي النفعي في شعيرة فريضة الحج عند قوله تعالى: “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ”.
وحين نتتبع العلاقات الروحية والثقافية بين الشعوب يبرز اوضح مثال وابرزه في حضور مصر في المسيرة العلمية عبر صرحها العلمي والديني عبر التاريخ الأزهر الشريف الحاضر في التكوين الثقافي والتاريخي لدى كتلة كبيرة من المثقفين الأفارقة السود، ولاسيما المستعربين منهم.
وهو شيء راسخ وعميق؛ أن مصر تعتبر انثروبولوجيا مهد الإنسانية، وفي ذات الوقت أصل مجد الأفارقة السود ومنبعهم الأصيل.

فمصر تربطها علاقات تاريخية، ثقافية ودينية بالقارة السوداء. فإذا أخذنا الأزهر كنموذج، نجد أنه يمكن أن يشكل ذلك الحبل المتين أو تلك الأرضية الخصبة الصالحة لبناء علاقات وطيدة في جميع أصعدة الحياة؛ سياسية واقتصادية وثقافية ودبلوماسية، الخ.، لما له من أثر كبير وبالغ في نفوس كثير من الأفارقة لاسيما الذين تخرجوا في جامعاته العريقة. ويبقى فقط أن تعي مصر كدولة، والأزهر كمؤسسة دينية، بالدور الريادي الذي يجب أن يلعباه لإحداث طفرة نوعية بحيث تجد فيها البلاد والشعوب المعنية ما تعتز بها وترفع من شأنها

فإن الكوادر الأفريقية الذين تخرجوا في الجامعات الغربية، والذين سُلِّمت لهم مقاليد السلطة في بلدانهم، لم يتوانوا في الاستعانة بهذه الدول التي أنتجت فكرهم وقولبت أدمغتهم. ذلك لأن هذه الدول الغربية لم تصنع عقولا لتتركها وشأنها حرة طليقة، فإنها ما زالت تسعى دوما إلى وضع إطارات ثقافية تسمح باستمرارية الحوار، وكذلك تأسيس هياكل اقتصادية، …

كل ذلك بهدف تطويق هذه النخبة وإبقائها تحت وصايتها. وإن لكم في الفرانكفونية والكومنولث والشراكة الاقتصادية المعروفة ب فرانسا-أفريقيا ( Françafrique) عبرة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

*مدير معهد المحراب الإسلامي ببروكسل، من خريجي الأزهر كلية أصول الدين قسم العقيدة والفلسفة عام ٢٠٠٠م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى