السياسةالعمل والمستجدات

مقال: “الفلسفة التقدمية التعليمية عند الشيخ أحمد الصغير لوح” .

مقال: “الفلسفة التقدمية التعليمية عند الشيخ أحمد الصغير لوح” .

لم يكن الاهتمام بالمناهج التعليمية وفلسفاتها مقتصرا على علماء الغرب، مثل تيلر، هيلد تابا وبوشب وغيرهم فحسب، بل كان لمشايخنا في السنغال اهتمام بالغ وبصمة جلية، في هذا الجانب التربوي، ومن هؤلاء الرجال، شيخنا الرباني والمربي، الشيخ أحمد الصغير لوح -رحمه الله- صاحب النظرية العلمية العميقة والحديثة في التربية والتعليم. والذي قد أسهم بلا ريب فيما يسمى اليوم بالفلسفة التقدمية (منهج التعليم الحديث) بداية من الثلاثينات في القرن العشرين الميلادي؛ إذ أسس معهد كوكي الإسلامي الحديث والمشهور، في ظروف صعبة ومعقدة، قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحت الاحتلال الفرنسي الجائر في وقت كانت الفلسفة التعليمية التقليدية مسيطرة على الساحات التعليمية في السنغال.وقد نجح الشيخ فعلا في ترجمة هذه الفلسفة إلى أرض الواقع، وتنفيذها في عملية التعليم، مما أسفر عن نتائج إيجابية عالية، وأعطى مكانة مرموقة لمعهد كوكي الإسلامي. إلا أن هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الجهود في التقويم والتطوير والتحسين، لتكون موائمة ومسايرة مع نتاج الدراسات الحديثة في الميدان النفسي التربوي.
ولذلك، أرى من الواجب، أنه على خريجي هذه المدرسة، وخصوصا العاملين في الميدان التربوي، الاعتناء بهذه الوراثة الغالية، ألا وهي: فلسفة الشيخ الحديثة في التربية، لإبرازها ونشرها في المنابر العلمية المحلية والعالمية. ومن ذلك المنطلق، تأتي هذه المبادرة المتواضعة، حول “الفلسفة التقدمية التعليمية عند الشيخ أحمد الصغير لوح”، وعلاقتها بالفلسفة العالمية الحديثة.
إن الحقل التربوي، عرف على مر تاريخه نوعين من الفلسفات التعليمية المشهورة، وهما التقليدية والتقدمية. ولكل منهما خصائص مختلفة، ومميزات معينة. والفلسفة التقليدية هي التي تجعل المعرفة محور التعليم، وتهتم بها أكثر، دون الأخذ بعين الاعتبار حاجات المتعلم وخصائصه، حيث يتولى المختصون الإعداده ويقوم المعلمون بالتدريس ويهتم المتعلمون بالتلقي والحفظ. وعلى ذلك، ظهرت الفلسفة التقدمية (المنهج الحديث) كرد فعل للمنهج التقليدي وما خلفه من عيوب وقصور. ولذلك تجعل الفلسفة التقدمية المتعلم محورا لعملية التعليم، حيث يهتم بحاجاته وميوله واستعداداته، وقدراته والخبرات السابقة ومراعاة الفروق الفردية، ونشاطاته، وخصائصه النفسية والمجتمعية. ولذلك تلقت هذه الفلسفة قبولا كبيرا في الميدان التربوي العالمي. (العرنوسي، وجبر، 2015م).
وقد جاء الشيح أحمد الصغير لوح -رحمه الله- بفلسفة تربوية جديدة وحديثة، مسايرة مع الفلسفة التقدمية، التي تركز على المتعلم، وتهتم بميوله وقدراته وحاجاته وخصائصه النفسية والمجتمعية. ؛لأنه كان يرى أن عملية التربية والتعليم، تقوم على أساس بناء إنسان صالح ومصلح، متكامل، منتج وقادر على خدمة نفسه ودينه ووطنه. ويؤكد ذلك (درامى، جيم عثمان،2018م) في كتابه ” من رواد التعليم العربي الإسلامي في السنغال، الحاج أحمد الصغير لوح” فيما أورده من كلام الشيخ مختار نار لوح مدير المعهد الحالي، يقول: ” نحن نسعى جاهدين إلى تربية التلاميذ يرتضيها الإسلام، متمثلة في نزع روح التكبر، والاغترار بالنفس، بغية غرس روح الصدق ولأمانة والوطنية وتقديم المنفعة العامة على المنفعة الخاصة”. وقد رزق الله الشيخ أحمد الصغير لوح حظا وافرا من العلوم الإنسانية، وخصوصا في علم النفس التربوي، رغم نشأته بعيدا عن الكليات التربوية التخصصية، ولم يكن هذا العلم واسعا ولا منتشرا في السنغال في ذاك الوقت. وقد كان للشيخ إلمام واسع يعلم النفس التربوي، يمكنه من المراعاة والاهتمام بالفروق الفردية لدى المتعلمين، ومعرفة خصائصهم وحاجاتهم المختلفة. وجاء في مخطوط للأستاذ أحمد مختار لوح مقولة الشيخ القائلة: (لا يجوز للراعي أن يستخدم عصا واحدة لرعاية غنمه، فلكل خصائص وسمات معينة). وقد أحدث الشيخ ثورة كبيرا، وتطويرا بارزا، في قطاع التعليم العربي والإسلامي، في السنغال خاصة، وغرب إفريقيا عامة ويؤكد ذلك (درامى، 2018م،):”أن الشيخ أحمد الصغير لوح قد أحدث ثورة تاريخية عميقة في التعليم، وفي حفظ القرآن الكريم”.
وللعلم ؛ إن الفلسفة التقليدية هي التي كانت سائدة في هذه المناطق الإفريقية الغربية، ومازالت موجودة رغم التطورات التي شهدتها المناهج التعليمية هنا وهناك، إلا أن كثيرا من الناس يفنون حياتهم كلها في طلب العلم، وجمع المعارف، مع إهمال الجوانب الحياتية والحيوية الأخرى. وذلك يخالف مفاهيم التربية الإسلامية الصحيحة، التي تتميز بالشمولية والتكاملية، والواقعية.
ويمكن تحديد الفلسفة التقدمية عند الشيخ أحمد الصغير لوح في النقاط الآتية:
1) المتعلم محور عملية التعليم: يتميز الشيخ باهتمامه الكبير بمعرفة حاجات المتعلم وخصائصه، وميوله وقدراته العقلية والجسمية، فلذلك كان يقدر لكل فرد قدره.
2) مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين: أي مراعاة الذكاءات المتعددة، والقدرات العقلية المتفاوتة، بحيث يضع كل متعلم في مكانه المناسب ويقدر قدراته الذهنية والجسدية، ويعني ذلك أنه ما من إنسان إلا وهو يختلف عن غيره في أساليب تربيته وتعليمه.
3) تحقيق المساواة في أحقية التعلم: أي كانت همته إنقاذ الانسان وتحقيق الإنسانية عند الفرد المسلم، ولا يقبل التمييز بين الجنسيات والطبقات الاجتماعية بأي حال من الأحوال. وقد ذكر الأخ المفتش (لوح، باي شيخ، 2019م، م اقرأ، ع4) قول الشيخ أحمد الصغير لوح فيمن جاءه لطلب العلم:” اخلع كل تمايز طبقي وطائفي ونسبي جئت به ودعه في الخارج إلى أن تتخرج في المعهد، فتحمله حيث شئت أما هنا فليس مكان تمايز طبقي وطائفي ونسبي…” وهذا هو المبدأ الأساس العجيب والسر الحقيقي، للشيخ، الذي مكنه من النجاح في مشروعه التعليمي والتربوي، وبقاء معهده -زاده الله بقاء- يستمر ما يقارب مائة سنة، تربية، تعليما، تدريسا وتدريبا، لأبناء الوطن والمسلمين.
4) البعد عن الحزبية والتعصب المذهبي: كل يتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع احترام جميع المذاهب والتوجهات الفكرية المختلفة، ويعطي هذا الأمر فرصة لجميع المسلمين للالتحاق بالمعهد، محافظين على انتماءاتهم العقدية المتباينة، والحياة بكل راحة وأمانة وطمأنينة. ولذلك يقول (درامى، 2019م):” فإن مدرسة ككي عبارة عن ملتقى القبائل، ومختلف الأجناس في أقاليم غرب إفريقيا” وطبعا تلك الميزة الحقيقية التي يعتز بها المعهد.
5) النشاط شرط لاكتشاف وتنمية مهارات المتعلمين: لذا، كان الشيخ يهتم بكل جوانب المتعلم، ويجمع بين الحفظ والفهم، والعلم ثم العمل، من خلال التفاعل والنشاط التعليمي (الثقافية والمسابقات)، اكتشاف القدرات الموجودة لدى المتعلمين.
6) التنوع في الأساليب التدريسية: كان يعجبه التنوع في أساليب التدريس، واستخدم لكل موقف ما يصلح له وما يناسبه، ومن أجل ذلك كان طلابه يحبونه حبا جما، لا يملون في مجالسته، ولا يتكاسلون في دروسه. وذكر أحمد مختار لوح في مخطوط له أنه: ” أبدع (الشيخ) طريقة جديدة في التسميع أسماها طريقة الاستماع والاسترجاع والمتابعة، بحيث يبدأ الأول بالتسميع من الأعلى ويتابعه الآخر، مما يسهل على المتأخر مستقبلا حفظ درسه الجديد بسرعة لأنه ألف سماعه وترداده بفعل تلك الطريقة”. ومن عجائب الشيخ في أساليب التدريس، موقفه تجاه الوالد البار رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وهو ابن أخ الشيخ وقد ابتلاه الله بفقد بصره وهو صغير في السن، حيث اختار الشيخ له رفيقا بصيرا يتعلمان معا في لوح واحد وموقف واحد، وكان الوالد رحمه الله يحفظ قبل حفظ الأول للدرس الجديد، حتى رزقه الله بحفظ كتابه -رحمات ربي عليه- وبرع في العلوم الشرعية وأصبح معلما في الحلقات القرآنية بل ومسؤولا إداريا عند الشيخ!!! هكذا أصبح عالما ربانيا ومربيا إلى أن لقي ربه، رحمة الله عليهم أجمعين.
إن هذه الفلسفة التعليمية التقدمية الحديثة والرؤية الواضحة والصحيحة، مكنت الشيخ أحمد الصغير لوح رحمه الله، من إحداث تغيير جذري كبير، وإبداع رائع في التعليم والتعلم في السنغال وفي غرب إفريقيا. وهذه هي الفلسفة الحديثة، التي تتبناها المناهج العالمية الحديثة في التعلم والتعليم، وتتفاوت الدول في كيفية تطويرها وتحسينها وإدارتها، على حسب الرؤية المرغوب فيها. ولا شك أنها جعلت المعهد (معهد ككي الإسلامي)، متميزا ومتفوقا، على كثير من المعاهد في التعلم والتعليم. ولا نخطئ أيضا، إذا قلنا إن الشيخ أحمد الصغير لوح رائد منهج التعليم الحديث في السنغال. معهد يضم أكثر من 3700 طالب وطالبة، (إحصائيات المعهد، 2019م)، دراسة مجانية، بدون مقابل ولا رسوم- لا يصدقها إلا من عاشها- ويتمركز في الترتيب ضمن العشر الأوائل من المعاهد والمدارس في نتائج الامتحانات الثانوية والإعدادية والابتدائية الحكومية الرسمية. وزد على ذلك، الحضور البارز لخريجي المعهد في القطاعات الحكومية العامة والخاصة. ودورهم الفعال في تقدم البلاد، في جميع مجالاتها وأشكالها (الاقتصاد، الصحة، التعليم، والزراعة وغيرها)، منهم: علماء وخبراء ومهندسون ورجال الأعمال، الذين يمتلكون ويديرون شركات تجارية، كبيرة. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على وجود منهج تعليمي صحيح، ومناسب يهتم بالكفاءة العلمية والمهنية.
ولكن مع هذه النتائج المذكورة، لم يتم في المعهد تحقيق هذه الفلسفة التقدمية كاملة، كما هو ملحوظ في الميادين التربوية المتقدمة والمتطورة الأخرى، بل يحتاج إلى استمرار الجهود في تقويم المناهج وتطويرها، والتركيز على الوسائل التعليمية الحديثة، والتوجه نحو التحول الرقمي والتعليم التقني. فإنها من ضرورات العصر الحديث، والمتطلبات اللازمة والشروط الواجبة للحصول على التعلم والتعليم الناجح الممتاز.

بقلم/ مام انجاي لوح
جامعة أم القرى – السعودية .
16/09/2020م .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى