السياسةالعمل والمستجدات

مقال: رحيل…أمير الإنسانية

غيًب القدر المحتوم أمير القلوب، وقائد الإنسانية، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بعد أن قاد سفينة الكويت إلى بر الأمان في عرض بحر هائج ومائج، ونأى بها عن المشاكل والتوترات في منطقة مضطربة. لقد ترجل الفارس تاركاً سجلاً ناصعاً من العطاء والتفاني في خدمة الكويت وأهلها، والعالم بأسره.

عُرف الشيخ صباح الذي يطلق عليه شيخ الدبلوماسية العربية بالتمرس في هذا الفن الراقي حيث شغل منصب وزير الخارجية أربعين عاماً رسم خلالها معالم السياسة الخارجية لدولة الكويت التي تتسم بالاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وتولى عدة وساطات تكللت بالنجاح، وأكسبت دولة الكويت احتراماً منقطع النظير في العالم بأسره. بفضل حكمته وحنكته الدبلوماسية التي تذلل الصعاب وتزيل العراقيل مهما كان حجمها ووزنها، ساهم في تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي.

كما يضاف إلى رصيده ترسيخ الحكم الرشيد وتعزيز مبادئ الديمقراطية في بلاده رغم كل العواصف، مما جعل الكويت في مصاف الدول الديمقراطية الرائدة في العالم العربي.

لم يكن الشيخ صباح الأحمد أميرا لبلاده فحسب، بل كان أميراً للإنسانية حيث امتدت أيادي الكويت البيضاء إلى العالم شرقاً وغرباً شمالًا وجنوباً يقدم العون والمساعدة للدول المحتاجة والمتضررة من ويلات الحروب ونكبات الكوارث الطبيعية، من خلال تقديم المنح والقروض الميسرة، مما دفع الأمم المتحدة إلى تكريمه عام 2014 قائداً إنسانياً ودولة الكويت مركزا للعمل الإنساني، في سابقة من نوعها.

كان الشيخ صباح مثالا يحتذى به في التواضع ولين الجانب، حريصا على مشاركة الكويتيين أفراحهم وأتراحهم بالرغم من المهام الجسام الملقاة على عاتقه. وهنا يستحضرني حادث قلما تطرقت إليه، إذ دعانا زميل لي إلى حفل زفافه وهو الأخ يعقوب الرفاعي، في منطقة الشويخ. انطلقت مساءً إلى الحفل، ولدى وصولي إذا بسيارة شرطة تتحرك من بوابة قاعة الأفراح. وقفت هنيهة أبحث عن مكان أوقف فيه سيارتي، والمهنئون يدخلون ويخرجون حتى وجدت موقفا آمنا لمركبتي. وعندما وصلت باب القاعة وجدت عدداً من الشباب واقفين فاستأذنتهم بالدخول، فقال لي أحدهم: تقضل. وما أن خطوت خطوة حتى لمحت ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ترددت فعدت أدراجي وسألت الرجل مجدداً، فقال لي حياك، أي تفضل. فلما دخلت القاعة كان العريس في بين يدي واقفاً مع والده العم يوسف الرفاعي، فسلمت عليهما، وإذا على يسارهما أمير البلاد نفسه الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي جاء هو الآخر لمشاركة آل الرفاعي فرحتهم. كانت تلك مفاجأة مربكة لي، ولذا لم تحدثني نفسي السلام على الأمير، بل أدرت وجهي هيبة منه، وهو جالس يشابك بين أصابعه بابتسامته العريضة المعهودة. بعد أن عاود العمل، سألني زميلي يعقوب وهو يضحك: لماذا لم تسلم على سمو الأمير؟ قلت له: تملكني الارتباك والمفاجأة فلم ألق التحية عليه. يا لك من أمير متواضع!

في الوقت الذي أعزي فيه نفسي والشعب الكويتي على هذا المصاب الجلل، أهنئ دولة الكويت حكومة وشعباً بتولي الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، فهو خير خلف لخير سلف، وهو الذي عرف عنه التدين والبساطة والتواضع.

رحمك الله بوناصر رحمة واسعة وأدخلك فسيح جنانه.

بقلم / باسيديا درامي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock