السياسةالعمل والمستجدات

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة:

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة:
ما الّذي يُدرّس في أقسام الفلسفة في العالم اليوم و في العالم التابع للغرب بشكل مُحدّد؟ الإجابة الدقيقة على هذا السؤال مُرعبة جداً. الواقع هو أنّ روحَ أقسام الفلسفة في الغرب هي روحُ الالحاد و جوهرُ حركة هذه أقسام الفلسفة في دول العرب والمسلمين بل في الدول غير الغربية هو جوهرُ اتّباعِ الفلسفات الغربية والمُحاكاة والتقليدُ الفلسفي الأعمى مما يفرغها من أن تظل فلسفة أصلاً.
وهنا المعضلةُ الأساسيّة المُتمثّلة في تحوّل العلم العقلي الغربي إلى العلم النقلي في بلادنا! ما كان مادة التفكير عندهم تحول مادة التقليد عندنا.
كان المفروضُ أن ترتكزَ الفلسفةُ على العقل والتفكير و هي بالفعل كانت على هذا الغرار في بلاد المنشأ ولكنها هي نفسها التي كانت المادة العقلية في الغرب تحولت المادة المغلقة النهائية الوافدة المستوردة إلى جامعاتنا ونخبنا فباتت مادة للاستهلاك والانتهاج العقلي.
عليه فأمْسى العقلُ العربي الفلسفي عقلًا مستهلكًا لِما أنتَجه الآخر المُهيمن من الفكر الفلسفي. فهل يَصُحّ تسمية ما يجري في الكلّيات الفلسفيّة بأنها حركة فلسفية حقّاً؟ بالقطع والجزم لا.
الفلسفة أو التَفَلسُف يُنافي الاستهلاكيّة والنّقل!
ما أنتَجه الغربُ من فلسفات مُهيمنة انسجمت مع مَشاريعه الاستعماريّة والعلمانية والدنيوية هي حركة في السياق التأريخي الطبيعيّ لهم. و إنّ العقل العربي والإسلامي ينبغي له أن يعتمد على نفسه في التفلسف رغمَ ضرورة الاطلاع على الفلسفات التي تحقّقت في التاريخ الماضي والمعاصر.
النظر في الفلسفات الأخرى ليس كالاتّباع الفلسفي وتحويل مادة التعقل إلى مادة النقل والاستهلاك!
تعامُلنا مع الفلسفات العقلية أيضًا يُشبه العقلَ السلفي الذي يعتمد على الغير ويحظر التفكير والتعقل. كأننا سلفيون مقلدون حتى في الفلسفة!
الاتّباع في الفلسفة و التوهّم بأنّ الآخر قد قام عنّا بالفكر والتفلسف بلاءُ العقل العربي والاسلامي الفلسفي. وإسقاطُ الفلسفة من شرّ الإسقاطات وبخاصّة لو نظرنا إلى القرآن الكريم وهو مرجعية فلسفيّة غاية في الأهمية.
إنّ التفلسفَ هي عمليّة مرتبطة بالزمان والمكان، ومقولة ثقافية آنثروبولوجية اجتماعية تَنبُع عن الذات الانسانيّة المُتحيّثة والمُتحيّزة وتأبى المحاكاة والتقليد وإلا فتفسد وتناقض غايتها.
من يَعتمد على الفلسفات الأخرى دونَ التعمّق فيها والاطمئنان من أنها تتطابق مع المُلابسات والمُحايَثات العربية والاسلامية وانسجامها مع المعتقدات الأساسية لها، فلاجرمَ أنه سيقع في فخّ الاغتراب والاستلاب العقلي.
إنّ ثنائية الفلسفة والدين غير مقبولة لأنهما حركة في نفس المستوى و في مستوى النفس الأعلى. الدّين يتصدّى للردّ على الأسئلة الأساسيّة المصيريّة والفلسفة كذلك! إنّهما يتناقضان في أغلب الحالات إنْ تغافلنا عن الاندماج والتصالح بينهما. التفلسف في الدين واجب والتدين في الفلسفة واجب. هكذا نقلص المسافة القاتلة بينهما. الدين الأجنبيّ عن التفلسف ينزلقُ نحوَ السلفيّة والجُمود والفلسفة البعيدة عن الدين ستنزلق نحوَ الالحاد.
منَ المُؤسف أنّ أهل الدين وعلمائه ومؤسساته أجانب عن الفلسفة فهم يتعاملون مع النقل المحض وما يُسمّونه بالاجتهاد هو أمر تأريخيّ خالٍ عن التفكير الجادّ وظاهرة نقليّة في الغالب.
وتُركتْ الفلسفةُ للجامعات وأقسام منها لتَتَحوّلَ إلى مراكز توطين الفلسفات الأخرى في العقل الاسلامي ونحن نعرف إنّ هذه الفلسفات بغالبيّتها استَبعدتْ روحَ الدّين وردودَه على الأسئلة الأساسية.
علينا الدقة في هذا الأمر الخطير قبل فوات الأوان.

*الشيخ محمد نيانغ*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى