السياسةالعمل والمستجدات

“سيدي الأمين انياس الغائب الحاضر و الرّاحل الخالد” بقلم عبد القادر عبد الرزاق انجاي.

“سيدي الأمين انياس الغائب الحاضر و الرّاحل الخالد” بقلم عبد القادر عبد الرزاق انجاي.

عامان على ذكرى رحيل البطل، الصوت الذي افتقدته القضايا العادلة و الفئات المهمشة و قد كان سندها المتين و صداها القوي في وجه الطغيان و التهميش..

و ما زال المكان الذي ملأه بثقافته و فكره و نضاله في صنع التاريخ شاغرا يشهد بحجم الشخصية و ثقل المكانة و خطورة الدور للراحل العظيم.

سلام على روح بطل في ذاكرة النضال صفحة فارقة و في ضمير الأمة أيقونة خالدة تتحدى النسيان..

__________________
رحل الرجل العظيم و المثقف الكبير و المناضل الشجاع و البطل المغوار و الثائر الأبي السيد سيدي الأمين انياس، فذهبت برحيله قلعة حصينة من قلاع الدين و الوطن و الإنسانية. قلعة لطالما دافعت عن بيضة الناس فصدت هجمة ضده و قاومت عدوانا عليه، و لطالما دافعت عن كرامة الوطن فنافحت دوما من أجل تحقيق استقلاليته و حفظ ديمقراطيته و حماية تراثه، و لطالما دافعت عن الإنسانية فناصرت المظلومين و المستضعفين في الداخل السنغالي و خارجه و في مقدمتهم الفلسطينيين في قضيتهم العادلة و كبرى قضايا المسلمين التي كرّس لها الراحل حياته مناصرا و مناضلا دونما ملل .

رحيل هذا الرجل العظيم السيد سيدي الأمين انياس خسارة كبيرة و فاجعة مؤلمة و مصيبة جليلة بالنسبة للشعب السنغالي كله و للأمة الإسلامية جمعاء بل و للنوع الإنساني بأجمعه؛ إذ كان رمزا من رموز الوطنية و علما من أعلام الإسلام و أيقونة من أيقونات الحرية و الديمقراطية و حقوق الانسان بلا نزاع .

و رحيل هذه الشخصية العظيمة السيد سيدي الأمين انياس يترك فراغا كبيرا في كل الساحات الدينية و الفكرية و الإعلامية و النضالية السنغالية؛ إذ كان الرجل قد ملأ الدنيا و شغل الناس بما هو إيجابي و بناء و هادف.

فهو في ساحة الدين: العالم المتدين الذى أضاف إلى كرم الأصل شرف المسيرة، و غيّر المفهوم السائد بين الناس عن رجل الدين؛ الذى يصوره درويشا متبتّلا في خلوته و معتزلا بسجادته و سبحته عن المجتمع، و ينحصر دوره في القيام بعقد الزيجات و العقيقة عن المولودين و الصلاة على الجنائز و الدعاء للناس في أعقاب المناسبات المختلفة و استقبال الهدايا من الأتباع، دون أن يكون له رأي مسموع أو توجيه معتبر في حياة الناس اليومية و أوضاعهم المعيشية و ظروفهم السياسية و الاقتصادية، و دون أن يكون له مشروع مجتمعي هادف و طموح أو انجاز جبار و رائد في مجالات الحياة المختلفة من فكر و إعلام و سياسة و اقتصاد …

لقد غيّر فقيدنا هذا المفهوم عن رجل الدين و برهن بتجربته الشخصية الفريدة و بما اكتسبه من مكانة علمية و اجتماعية متميزة و قدرة قيادية متفوقة و مؤسسة إعلامية رائدة؛ أن رجل الدين يمكن أن يكون أيضا رجل الأعمال المستثمر و رجل الفكر المستنير و رجل القيادة الموجه و رجل النضال المقاوم إلى جانب كونه متدينا صالحا و رعا تقيا .

و هو في ساحة الفكر : المفكر الواسع الاطّلاع و الكاتب المنتج المعطاء و الباحث المدقق الذى يخوض المعارك الفكرية فيصول و يجول بقلمه السيال و فكره الثاقب فتظهر براعته و طول باعه و رسوخ قدمه في الفكر و الثقافة.

و هو في ساحة الإعلام: المبادر الرائد و المؤسس المكوّن و الخطيب المفوّه الذى خرج من بين يديه أعلام هذا الفن ممن أصبحوا رؤساء هيئات إعلامية و صحفيين في أجهزة إعلامية مختلفة. و إليه يرجع الفضل بنسبة كبيرة في تطور الإعلام الحر و استقلاليته و دوره الحيوي في تقدم ديمقراطيتنا و حمايتها. و قد أسس مؤسسة إعلامية رائدة هي (و الفجر) التي تعتبر دعامة من دعائم الديمقراطية السنغالية و صوت المهمشين في المجتمع، و التي تنقل دائما أنات المحرومين إلى الرأي العام السنغالي و إلى السلطات السنغالية.

و هو في ساحة النضال: المناضل البطل و الثائر المقدام الذى حمل قضايا الإسلام و الوطنية و الإنسانية و نافح عنها كلما تعرضت لاعتداء أو هجوم. و لقد استغل الرجل مكانته الدينية و مقدرته القيادية و وسيلته الإعلامية لا ليعيش لنفسه و لو شاءه لفعل، و إنما ليعيش لقضية هي قضية الإسلام و الوطن و الإنسانية، و أبلى بلاء حسنا في الانتصار لها؛ فكان بحق رمزا للعمل الإسلامي و أيقونة للنضال الوطني و وسام شرف للحرية و الديمقراطية و حقوق الانسان.

و لقد وقف بجانب الفئة المستعربة التي يحسب منها فكرا و ثقافة -و هو فخر لكل مستعرب و حامل للثقافة العربية الإسلامية حيث رفع رؤوسهم عالية بمواقفه البطولية و إنجازاته العظيمة- فناصر قضيتهم و قدم لهم بتجربته الشخصية النموذج العملي الذى يجب أن يتبعوه لكي يخرجوا من خانة التهميش التي يعيشون فيها و هو المبادرة و الإقدام و التحدي للتغيير و الإنجاز قبل انتظار أي شيء من أحد.

إن شخصية السيد سيدي الأمين انياس من الشخصيات الثورية التي تعتبر من الدعائم القوية التي تحقق التوازن و ترسّخ العدالة في المجتمعات و تصد عنها الجور و العدوان؛ إذ أن مجرد استحضار ردة فعلها العنيفة على الظلم و العدوان و الفساد -مع ما لها من المكانة الاجتماعية و العلمية و القدرة على التأثير و الحياد عن التجاذبات و الاصطفافات السياسية التي تكسبها القبول و الاحترام بين المواطنين- يكفي رادعا عن التفكير في الإقدام على تصرف يضر بمصلحة المجتمع. و كذلك يمثل غياب هذه الشخصيات الثورية خسارة كبيرة بالنسبة للمجتمعات الإنسانية.

و السنغال تمر بمرحلة حرجة من تاريخها و تقبل على مستقبل تحفه التحديات و الأخطار الكثيرة؛ فإن صوتك الهادي المرشد و مواقفك البطولية الثائرة ستوحشنا حتما في هذه الظروف المدلهمة؛ فمن لمواجهة الطغيان و الطغاة مثلك ؟ و من لفضح العمالة و العملاء مثلك ؟ و من لمحاربة الشر و أهل الشر مثلك ؟

لكن الطريق الذى رسمته للشعب السنغالي سيبقى بعد غيابك و سيظل صوتك الهادي الثائر يرنّ في وجدان الشعب السنغالي في كل وقت ينير له الطريق، و صداك سيظل يتردد في أعماقه في كل أزمة يهدي خطواته كما يتردد فيها صدى سلفك الصالح : الشيخ أحمد بامبا، الحاج مالك, الحاج إبراهيم انياس , الدباغ , الشيخ أحمد التيجاني سي …

لقد غبت عنا بجسمك لكنك حاضر فينا بروحك، و لقد رحلت عنا بنفسك لكنك خالد فينا بأثرك.

رحمك الله يا من يبكيك المعاني الجميلة في الحياة؛ يبكيك الإسلام و الوطن و الإنسانية و الحرية و الديمقراطية و حقوق الانسان و العدالة و النضال و الثورة… و قد عشت بها و من أجلها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى