السياسةالعمل والمستجدات

*مُجادلةُ الشيخ أحمد بامبا لأهل الكتاب!!!* الكاتب: شعيبُ بن حامد لُوح السلسلةُ الأولى

*مُجادلةُ الشيخ أحمد بامبا لأهل الكتاب!!!*
الكاتب: شعيبُ بن حامد لُوح
السلسلةُ الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى.
أما بعد: فتزخر المكتبة المريدية بنفائس الدرر وبدائع التآليف مما جادت به قريحة المؤسس لها، وتمخَّضت من المعاناة التي مرت على حياتها منذ أن أعلن دعوته الإصلاحية، أي: التربيةُ بالهمَّة، وتم ترحيله إلى البلاد النائية وقضى فيها ما يقرب من ثماني حِجج من عام (1895-1902 الميلاديين)، غير أن دعوته لم تتوقف وانتهز فرصة إقامته بين أعدائه مؤديا واجب الدعوة وذلك بمِرقمه وخطِّه اللذين يعتبرهما سيوفا مُشهَّرة في وجه أعدائه أو أقوى منها.
فهناك عشرات من القصائد التي ألفها في سبيل دعوته لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، يسميها هو بنفسه أحيانا جدالا، وتارة جهادا، ولعل من أبرز تلك القصائد تلك التي طُرِّزتْ بحروف آية: {ليس البرُّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب…} (¹)، التي يقول في آخر أبياته:
هذي قصيدةٌ بها جادلتُ = أهلَ الكتاب وبها قاتلتُ (²)
وقصيدة مطرزة بحروف آية: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا…} (³)، وغيرهما كثيرة.
ودراستنا لهذا الموضوع تكون كالآتي:
أولا: تعريف المجادلة لغة واصطلاحا.
ثانيا: تشريع المجادلة لأهل الكتاب.
ثالثا: مجادلة الشيخ أحمد بامبا لأهل الكتاب، وتحته نقاط هي:
1-جهاد الشيخ أحمد بامبا. 2- الدعوة إلى التوحيد والتحذير من التثليث. 3- تذكيرهم بما في التوراة والإنجيل. 4- الدفاع عن جَناب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
رابعا: الخاتمة.
تمهيد:
من خصائص الشريعة الإسلامية أنها شريعة تتسم بالشمولية، ولم يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمة إلا وبيَّن لهم ما أشكل، وأوضح لهم ما أعضل، وأدَّى الأمانة ونصح، وكان هو الأسوة الحسنة في كل شيء خاصة في مَجالي الدعوة والمجادلة مع أهل الكتاب.
وقد خلق الله الناس مختلفين لونا ولسانا وعادة وعقلا؛ ولذلك كان الإسلام يقدم الحل ويجيب على كل الأسئلة التي تُشكل على الناس على اختلافها وتنوعها، فمن الناس خواص وعوام، ولا يختلف اثنان أن الدعوة تتنوع بتنوع فطرة الخلائق، فليست دعوة الجاهل الغبيِّ كدعوة العالم الذكي، وقد قسّم القرآن المدعوين إلى ثلاثة أصناف، أشار إليهم قول الله –عز وجل-: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (⁴)، وقد نقل إسماعيل حَقِّي البروسوي في تفسيره لهذه الآية قولا جميلا عن السمرقندي: “في هذه الآية تنبيه على أن المدعوَّ إلى الله بالحكمة قوم وهم: الخواصُّ، وبالموعظة قوم وهم: العوامُّ، وبالمجادلة بالتي هي أحسن وهم: أهل الجدال، وهم طائفة ذوو كِياسة تميزوا بها عن العوام، ولكنها ناقصة مدنسة بصفات رديئة من خبث وعناد وتعصب ولِجاج وتقليد ضال تمنعهم عن إدراك الحق وتهلكهم…” (⁵)، وهو تقسيم حسن.

أولا: تعريف المجادلة:
1-المجادلة لغة: جاء في معاجم وقواميس العلماء قديما وحديثا تعريفات متنوعة للمجادلة، وتتفق كلها على أنها مصدر من أصل رباعي (جادل يجادل جدالا ومجادلة)، المجادلة هي المناقشة والمخاصمة كما في معجم الوسيط: “جادله مجادلة وجدالا: أي: ناقشه وخاصمه” (⁶)، ويشير صاحب القاموس المحيط إلى أن المجادلة هي اللدد في الخصومة قائلا: “الجدل مُحركة: اللَّدد في الخصومة والقدرة عليها” (⁷)، وأصل الجدل كما قال الراغب الأصفهاني: “الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجَدالة، أي: الأرض الصلبة” (⁸)، كما يأتي بمعنى الإحكام.
2- المجادلة اصطلاحا: قد كثرت تعريفات العلماء للجدال اصطلاحا ونحن آثرنا التعريفين الآتيين، أولهما تعريف الجُرجاني الذي قال: “الجدل دفع المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه، وهو الخصومة في الحقيقة” (⁹).
والجدال لا يخلو عن منازعة ومغالبة كما يشير إلى ذلك الراغب: “الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة” (¹⁰).
وهو في اصطلاح المناطقة: “المنازعة لا لإظهار الحق بل لإلزام الخَصم ” (¹¹).
وللفظ الجدال كلمات تقاربها في المعنى مثل: المُحاجَّة والمناظرة والحِوار والمراء…
هذا، وإن الجدال ينقسم إلى قسمين: محمودٍ ومذموم.
1- الجدال المحمود: ويقوم على أساس إقرار الحق وإظهاره، بأدلة ثابتة وبراهين قاطعة؛ للدفاع عن حظيرة الإسلام ببصيرة وعلم يقينَيْن، ودحض الباطل وأهله؛ فقد يكون هذا النوع واجبا أحيانا وتارة مستحبا.
2- الجدال المذموم: ويقوم على أساس نُصرة الباطل، ونشر الشبهات وإثارة الشكوك لعقيدة جمهور الناس، وهذا النوع هو المنهيُّ عنه والمذموم في كثير من آيات الكتاب الحكيم، منها قوله -تعالى-: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} (¹²)، وقوله -أيضا-: {وجادلوا بالباطل ليُدحضوا به الحق…} (¹³)، وجاء بيان القرآن بأن هذا من فعل الكَفرة وقال: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا…} (¹⁴).
وللجدال آداب وأركان تناولها العلماء، ليس هنا محل بسطها.
إلى السلسلة الثانية بإذن الله.
الهوامش:
(¹)- البقرة: 176
(²)- امباكي الشيخ أحمد بامبا، ديوان الفلك المشحون، طوبى، 1405هـ-1985م، ط:2، ص: 286.
(³)- النور: 6
(⁴)- النحل: 125
(⁵)- البروسوي إسماعيل حقي، تفسير روح البيان، دار الفكر، 1429هـ-2008م، جـ: 5، صـ: 2624
(⁶)- مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، 1425هـ-2004م، ط: 4، صـ: 142
(⁷)- الفيروزآبادي، القاموس المحيط، تحـ: مكتبة تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، 1426هـ-2005م، ط: 8، ص: 976
(⁸)- الأصفهاني الراغب، مفردات القرآن، د.ت.، ص: 190
(⁹)- الجرجاني، التعريفات، تحـ: محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، ص: 67
(¹⁰)- الأصفهاني الراغب، مرجع سابق، ص: 190
(¹¹)- الشنقيطي محمد الأمين، آداب البحث والمناظرة، دار ابن تيمية – القاهرة، ص: 75
(¹²)- الحج: 8
(¹³)- غافر: 4
(¹⁴)- غافر: 3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى