الدين و الترييةالسياسةالصفحة الرئيسيةالعمل والمستجدات

لمحات في تاريخ مؤسسة القضاء الإسلامي بالسنغال

بقلم / عمر فال

طالب باحث بمؤسسة دار الحديث الحسنية – الرباط.

تمهيد

لقد عرف تاريخُ السنغال قيامَ مؤسسات قضائية إسلامية – في وقت مبكر؛ في كل من إقليم فوتا وسينت لوي وكجور وشبه الجزيرة داكار. فقامت دولة الأئمة بفوتا تورو إبان القرن الثامن عشر على أساس تحقيق العدل واستعادة رسالة الإسلام والحكم بين الناس بالحق، بدون سلطة منافسة لها في المنطقة. وكان من تقاليد ملوك كاجور أن يتخذوا من العلماء قضاة ومستشارين؛ لما يرون فيهم من صلاح وورع وإقبال الناس عليهم في شؤونهم الدينية والدنيوية.

ولما أتى المستعمر حاول تهميش تلك المؤسسات وإقصاء الشريعة الإسلامية من الحياة العامة باعتماد سياسة ثقافية تهدف إلى ترسيخ وجوده الثقافي وتغييب الهوية الوطنية والدينية للشعب السنغالي، من خلال استقدام ترسانة قانونية وتشريعية كبيرة لتكون بديلا عن أحكام الشريعة والأعراف المحلية القائمة؛ فأصدر القانونَ المدني سنة 1830، والذي تعمّ أحكامُه جميعَ مستعمرات فرنسا بدون استثناء. فرفض المواطنون السنغاليون الغيورون على خصوصياتهم الدينية والمحلية الخضوعَ لهذا القانون وخاصة سكان مدينة سينت لوي. فقدموا إلى الحكومة الفرنسية عدة عرائض، وفي سنوات متتالية؛ يطالبون فيها إنشاءَ نظام قضائي خاص لهم؛ بصفتهم مسلمين لا يحق لهم أن يخضعوا لغير أحكام الفقه الإسلامي.

قد اضطر المستعمر إلى تنظيم تلك المؤسسات القضائية بإعطائها الطابع الرسمي وإسنادها إلى إدارتها بعد مرور 25 سنة من تقديم العريضة الأولى. فقام بإنشاء محكمة المسلمين بسينت لوي  سنة 1857 ثم محكمة المسلمين لسكان داكار وريفسك سنة 1862 ثم محكمة المسلمين بانغاي وكولخ في السنوات التالية. وكلها متخصصة في الفقه الإسلامي؛ تُفوض إليها الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية من الزواج والطلاق والميراث وغيرها، حسب الفقه المالكي([1]).

وبعد أن نالت الدولة استقلالها من المستعمر سعت الحكومة، انطلاقا من فكرة توحيد الشعوب والقوانين الموضوعة لهم، إلى حذف تلك المحاكم أو تبديلها بما تسمى بـ “غرف خاصة لقضاء السلام”([2]). Chambres spéciales des justices de la paix وبصيغة أوضح؛ لم تنتقل السلطة القضائية تماما من الشريعة والفقه الإسلامي إلى القانون الوضعي إلا بعد الاستقلال سنة 1960 م.

وإن هذا التطور في تاريخنا التشريعي ينبغي أن يقتضي منا وقفة خاصة، وأن نرجع إلى تاريخنا القضائي الإسلامي لفهم واقعنا المعاش، بربط تاريخ اليوم بتاريخ الأمس بغيةَ إيجاد حلّ لمشكلات تطبيق أحكام الفقه الإسلامي في الواقع السنغالي.

ولاعتبارات منهجية، نرى أن نتناول هذه الحقبة الزمنية المرتبطة بتاريخ التنظيم القضائي والفقه الإسلامي بالسنغال من خلال ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول نتناول فيه العلماء السنغاليين الذين اشتهروا بالقضاء في بعض الممالك السنغالية، ثم نتكلم في المبحث الثاني عن تاريخ القضاء الإسلامي في دولة الأئمة بفوت تورو، ونخصص المبحث الثالث والأخير لمحاكم المسلمين التي أنشئت إبان الاستعمار.

 

العلماء السنغاليون الذين اشتهروا بلقب القاضي في بعض الممالك

تحتفظ الذاكرة الجماعية للسنغاليين بالعديد من علماءها الذين اشتهروا باعتلائهم منصب القضاء، ولكني أختار القاضي مجخت كلَ Madiakhaté Kala من بين هؤلاء العلماء، وأتكلم عنه بالتفصيل لسببين اثنين:

الأول: إن القاضي مجخت كلَ كان محنكا سياسيا ودبلوماسيا؛ وبفضل حنكته السياسية استطاع أن يربط علاقات مع أغلب أعيان السنغال الذين عاصروه من شيوخ؛ كأمثال الشيخ مُمَرْ أنتَ سَلِ والشيخ مورْ خُجَّ كُمْب… ومن ملوك؛ كأمثال عَلْبُرِ انجاي ولَتْجُورْ جوب وديمْبَ وارْ سال، ومن الأمراء الفرنسيين أنفسهم الذين نصبوه قاضيا في زمن ما. وهكذا أصبحت حياة القاضي مجخت كلَ من أهم محطات  تاريخ السنغال الإسلامي خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

الثاني: إنه كان أشهر من تولى مهنة القضاء من علماء السنغال في ذلك الزمن أو في تاريخ السنغال الإسلامي قبل الاستقلال؛ وهو من النادرين الذين صارت أقضيتُهم مضربَ أمثال في المجامع العلمية والفقهية جيلا بعد جيل. وقد أُفردت لحياته كُتبا منها: “القاضي مجخت كل الذي على الله توكل” للمفتش الشيخ تيجان غاي. وكتاب: “القاضي مجخت كل” لمحمد جختي. كما تناول الأستاذ عامر صمب حياةَ القاضي بالإفاضة، في كتابه “الأدب السنغالي العربي”.

هذا، وسوف أسرد أسماء قضاة سنغاليين آخرين في نهاية هذا المبحث مع كلام يسير عن حياتهم.

القاضي مجخت كَلَ (1319هـ / 1901 م)

من أبزر العلماء السنغاليين الذين امتهنوا القضاء واشتهروا به عبر التاريخ، القاضي “مجخت كل”، الذي توفي حوالي ستين سنة قبل استقلال الدولة من مستعمرها الفرنسي. واسمه الكامل مَكَلَ بن موسى جخت بن مكل جخت، ولكنه اشتهر بالقاضي بفضل براعته في مهنة القضاء. أما والدته فهي حفصة جَخَت بنت سخن امباكي بنت مهرم امباكي؛ وهذا الأخير هو جدّ القاضي المشترك مع الشيخ أحمد بمب امباكي المشهور؛ مؤسس الطريقة المريدية.

ولد القاضي في قرية “كرمكل” بمنطقة بَاكُل سنة 1835م، وقد نزح أهله من منطقة انجامبور واستقروا بباكل. وانتقل من قرية جدّه “كرمكل”، في سنّ متأخرة من عمره، وأسس قرية “عين ماضي”، الشهيرة بـ”عَيْنمُان” في منطقة كجور، وبإقليم لوغا الحالي([3]).

عُرف القاضي مجخت كلَ بتفوق أقرانه في الشعر العربي، كان شاعرا متمكنا من اللغة العربية والعروض في وقت مبكر. وكان مولعاً بمبارزة ومقارعة شعراء وعلماء زمنه؛ فقد سُجّل له عدة مساجلات شعرية ومباحثات علمية، وأشهرها مساجلته مع الأديب الأريب والشاعر مور خُجَّ كُمب([4])،  مؤلف أول كتاب في فنّ النحو العربي بالسنغال، “المقدمة الككية”. وهو منظومة تقع في حدود 469 بيت.

وللقاضي قصائد شعرية جميلة بلغة عريبة من الطراز الأول، جُمع بعضها في ديوانه “مكلية” ومنها قصيدته الشهيرة في مدح إقليمه “كَجُورْ” وإعلام خيرات بلاده؛ حيث يقول في مطلعه:

بلادُ الله أطيَبها كجورُ * وأهلوها لهم خصب كثيرُ

لياليهم سرورٌ قد توالى * ويوم فيهم عيدٌ كبيرُ

غنيُّ ضيفُهمُ عن حمل زاد * وعن حمل السلاح لمن يجورُ

درس القاضي على يد والده الشيخ موسى جخت؛ كان لوالده معهد يُدرس فيه القرآن والعلوم الشرعية وكان له يد طولى في علم النحو. ولم يعرف للقاضي شيوخ كثيرة، ولم ينقل أيضا أنه سافر إلى فوت تورو أو إلى بلاد موريتانيا وما جاورها لمواصلة تحصيله العلمي؛ كما كان ذلك عادة أقرانه الذين عاصروه ومن عاش قبله من علماء السنغال.  ولا يُستبعد أن يكون القاضي قد أخذ عن شيوخ منطقة كجور التي تحتضن مدرسة “بير” العريقة والشهيرة بخريجها المتمكنين.

أما مؤلفاته، فقد ذكر له صاحب “أعلام الهدى” وصاحب “جهود علماء السنغال” كتابا في العروض بعنوان “مُبيِّن الأشكال”. وللقاضي أيضا ديوان بعنوان “المكلية”، ذكره الأستاذ عامر صمب وغيره، وقال بأنه يحتوي على خمسين بيتا.

تعلم كثيرٌ من الشيوخ السنغاليين على يد القاضي في منطقة كجور بالسنغال، ومن أبرزهم الشيخ أحمد بمب امباكي الذي تدرب عنده على قرض الشعر بإذن من والده. وكذلك والده الشيخ ممر أنت سل والشيخ امباكي بصُو وجِرْن إِبْرَ فاطِ امباكي وفاس ثيثهْ توري وهو والد الشيخ الهادي توري وغيرهم…ٍ([5]).  وقد صار كلهم من الشخصيات الإسلامية المرموقين والمشهورين بسعة العلم والورع.

القاضي مجخت كَلَ ومجلس القضاء

علاوة على فحولته في قرض الشعر العربي، كان مجخت كلَ كذلك قاضيا بارعا وحكيما. اشتهر بالذكاء والفطنة والحيل التي تفضي إلى كشف جرائم المتهم المختفي بكيفية بديعة؛ فأصبحت أحكامه تُضرب بها المثل في المجالس العلمية والفقهية بالسنغال، وسأسرد بعضها لاحقا. وهو من أشهر من تولى مهنة القضاء من علماء السنغال قبل الاستعمار، إن لم يكن أشهرهم. فلا يذكر اسمه إلا وهو مقرون بمهنته “القاضي” حتى عند عامة الناس. فهو كما قال الأستاذ عامر صمب، كان “عاملا وشاهدا معا لما هو أكثر أهمية في تاريخ السنغال [الحديث] وأشدّ تركيبا فيه “([6]).

كان للقاضي مجلسان في القضاء: مجلس خاص ومجلس آخر في بلاط ملك كجور لَتْجُورْ جُوبْ، فقد اتخذه هذا الأخير في وقت ما قاضيا ومستشارا له.

أما مجلسه الخاص فكان يعقده في قريته “كرمكل”، ما بين صلاتي الظهر والعصر عند باب مسجده أو في الساحة العامة، يَفِدُ إليه الناس بشكاواهم التي تتعلق بأحوال عامة الناس من زواج وطلاق وميراث وغيرها، فيبث فيها حسب القواعد الفقهية وعرف البلد. وقيل إنه كان يدون القضايا التي يحكم فيها على شكل برنامج منظم حسب نوع القضية والشهود والمدعي والمدعى عليه([7]). هكذا يُستفتى في هذا المجلس فيفتي ويُستقضى فيقضي.

ولما أدرك الملك لتجور جوب غزارةَ علم القاضي وحكمته وبُعد نظره في القضاء وقدوم الناس إليه في قضاياهم أفذاذا وجماعات؛ اتخذه الملك قاضيا ومستشارا وكاتبا وشاعرا ومترجما. ويذهب صاحب “أعلام الهدى” إلى أن لتجور عزل الشيخ القاضي ممر أنت سل من منصب القضاء وعيّن مكانَه الشيخ القاضي مجخت كلَ([8]).

فكان مجلس القاضي العام في العاصمة في بلاط ملك كجور لتجور جوب، حيث يرحل إليها في بعض الأحيان فيأتيه مختلف الناس بقضايا تمسهم فيبث فيها. ويستشيره الملك في قضايا كبيرة يرجع إليها مصيرُ البلاد فيشير ويرشد. وكان الملك يُمليه أيضا فيكتب له مراسلاته إلى الحاكم الفرنسي بالعربية.

ولكن، كانت العلاقة بين القاضي والملك لتجور على حسب تعبير محمد جختي “بين مدٍّ وجزر وبين انكدار وصفوة إلى آخر يوم من حياة لتجور”([9]).  كتب القاضي قصيدةً يهجو فيها لتجور -لما انهزم هذا الأخير أمام المستعمر الفرنسي فأسلمَ ودخل في الإسلام والتجأ إلى الشيخ تفسير مابا جخو باه بسالُم. فاتهمه القاضي، في محاولته لمجابهة المستعمر، بالغرور، وبالنفاق والمداراة في التحاقه بألمامِ مَابا جخُ باه، مطلع القصيدة:

أصادقٌ في ادّعاء الدين لتجورُ ** أم إنما همُّه في ذاك “كَجُورُ”

وقيل أن لتجور لما فهم فحوى القصيدة أوعده بالقتل، فتراجع القاضي عن موقفه هذا وكتب في الملك قصيدة أخرى يمدحه ويعتبره أميرا للمؤمنين ومحاميا لبيضة الإسلام.  مطلعها:

بُشرى لقد شاد دين الله لتجورُ ** فأحيى اليوم بالإسلام “كُجُورُ”

ولم يكن الشيخ مجخت كلَ قاضيَ لتجور وحده، ولكن كان قاضيا للمستعمر الفرنسي أيضا في منطقة بَوَلْ وكَجُورْ. فلما رأى الفرنسيون تأثيره في المنطقة أرادوا كسب ودّه ليحدوا من تحريضه الملوكَ المحليين والناس ضدهم، فنصبوه قاضيا لهم في المنطقة. نقل الأستاذ عامر صمب عن ابن القاضي قوله: “عيّن أمير اندر والدي قاضيا في كجور وفي بول… وكان يقوم بالقضاء بالعدل والقسط… وكان يتقاضى منهم خمسين فرنكا شهريا” ([10]).

ولكن خاب أمل الفرنسيين في القاضي وانكدرت الصفوة بينهم وبينه لسبب من الأسباب؛ فأتوا به إلى مدينة سينت لوي ووضعوه في إقامة جبرية. وكتب رسالة إلى أمير سينت لوي يقول فيها: ” لما تمنعني عن الرجوع إلى داري؟ عشت عابدا لله وحده معلما تلاميذي وأولادي حارثا حقولي… طلب مني لتجور أن أكتب رسالاته إلى والي اندر [ سينت لوي] ورسمت كلّما أملى عليَّ بلا زيادة ولا نقصان. لا فعلت سوى ذلك. فلم أك مرتكبا شيئا من السلب أو السرقة وما ظلمت أحدا وإنما أنا قاض قضى بين الناس بالعدل لا غير”([11]).

 

أشهر أعمال القاضي مجخت كلَ في القضاء

ومن أشهر أعمال القاضي في القضاء قضاءه بوجوب دفع الزكوات إلى الملك لتجور باعتباره أمير المؤمنين. وذلك عندما عاد لتجور من سالم بعد وفاة مابا جخو باه، فسأل الزكاة فامتنع العلماء وعلى رأسهم العالم مَسِلَّهْ مان والقاضي الشيخ ممر أنت سل وغيرهما، وكان العلماء يرون عدم تولّي لتجور بجمع الزكوات؛ لأنه حديث العهد بالإسلام وغير متورع لقِدمه في الوثنية وجرأته في ارتكاب المحارم…  فقاضاهم لتجور إلى القاضي فكان ردّه: “إني قرأت في الكتب أن الزكاة تدفع للإمام”([12])ويقصد بالإمام الملك لتجور.

 

نوازل خاصة في أقضية القاضي

ومما ُيروى عن القاضي، في مجال الفطنة ومعرفة مكائد الناس، قصةٌ ذكرها صاحب أعلام الهدى، مفادها: أنّ رجلا مغفلا طلق امرأته ثلاثا، ثم ندم وأصرّ على استعادتها وأنكر الطلاق، فتقاضوا لدى القاضي وقدّمت الزوجةُ شكواها وتضررها من الزوج. ولكن الزوج أصرّ على موقفه وأن الطلاق بيده وأن القاضي لا يملك عليه دليلا. فعزم القاضي أن يعقد جلسةً للفصل في القضية في الجامع بعد صلاة الجمعة بمرأى ومسمع الجمهور، ولما سلّم من الصلاة، هبًّ واقفا وقال: أين الرجل الذي طلّق زوجتَه؟ فأجاب الرجل ها أنا ذا أيها القاضي. فقال له القاضي: الإقرار سيد القرائن فلا زوجةَ لك بعد الآن لدى أهل فلان، لأنك أقررت بالطلاق والملأ شاهد على ذلك؛ أنا ناديتُ على مجهولٍ فأجبتَ وأقررت بالطلاق([13]).

ومما يحكى عنه أيضا من هذا القبيل، أن رجلا رفع إليه الشكوى يوما، فقال له سُرقتْ حُلِّي امرأتي. فدعا القاضي جميعَ المتهمين ثم طلب منهم أن يصطفوا أمام جدار متوسط القامة، وأن يُدلوا أيديهم إلى ما وراء الجدار، حيث جلس هو وبعض أصحابه، وحيث تلوح أيادي المتهمين وحدَها دون جثمانهم.  وحينها دعا القاضي أحد أصحابه، وقال له بصوت جوهري: ناوِلني يا فلان سيفي أقطع يدَ السارق، ها هي أراها بأمّ عيني؛ فنزع أحدُ المتهمين يدَه فوراً وهرب مسرعا؛ فعُرف أنه هو الذي سرق الحلي([14]).

ومنها أيضا، أنه ترافع رجلان يوما إلى القاضي؛ فقال المدعي للقاضي إن لي دينا على صاحبي هذا، وقد أقرضتُه الدين في الزمن الفلاني وتحت ظل شجرة كذا؛ ولكنه ينكر الدين. فقال القاضي للمدعي: اذهب إلى تلك الشجرة واقطف لي منها غصنا. أما أنت المدعى عليه ومنكر الدين امكث عندي حتى يعود صاحبك. ثم أخذ القاضي يستمر في أعماله ويخطو خَطَوات قرب منكر الدين وهو يتسامع كلامه، فسمعه يقول: تلك شجرة بعيدة. وحينها نادى القاضي المدعي فقال له: “ارجع، فقد اعترفَ المنكرُ دينَك بمجرد اعترافه بوجود الشجرة التي تعاهدتُهما عندها([15]).

وأمثال هذه الأقضية التي تُروى عنه كثيرة. وقد تلقى القاضي مجخت كلَ، بسبب أقضتيه هذه التي بناها على الذكاء ومعرفة حيل الناس، انتقاداتٍ من طرف بعض العلماء. وقالوا بأنه يبني أحكامه على قياس فاسد ومغالطات منطقية. فقد انتقده يوما أحد فقهاء موريتانيا في فتاواه فردّ  عليه القاضي بهذا البيت الشعري:

ليعلم أولادُ الديمان أهل أبي بكر ** بأن ليس حكمي كله قابل النكر([16])

ويرى بعض الباحثين كصاحب “أعلام الهدى” أنها أحكام مبنية على قاعدة: “يُحكم الخَلقُ بقدر ما يحدثون من فجور”. ويرى بعضهم أن منهج القاضي في أقضيته هذه من باب التحرر من الجمود الفكري الذي كان سائدا في زمنه حيث كان العلماء يتقيدون بمسائل “رسالة ابن أبي زيد القيرواني” و”مختصر خليل” بالحرف.

ومهما يكن من أمر، فإن الواضح من هذه النصوص أن القاضي كان يراعي المقاصد الشرعية في القضاء، التي هي حفظ حقوق الناس من الأموال والأعراض والأنفس، والحدّ من الظلم والبغي والعدوان… فتلك التي حققها القاضي في أقضيته هذه ولم يخرج عنها قيدَ أنملة؛ إلا أنه ردّ الكيد بالكيد وقصَّر الطريق فأراح واستراح. يقول ابن القيم: “إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان فثمّ شرع الله ودينه والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة”([17]).

في الحقيقة لم يكن القاضي مجخت كلَ العالم السنغالي الوحيد الذي اشتهر بمهنة القضاء الإسلامي قبل الاستقلال. فقد كانت من عادة الملوك والأمراء في زمنه أن يتخذوا قضاة ومستشارين من كبار الشيوخ الذين يرى فيهم الناس الصلاح والورع، ويُقلبون إليهم في حاجاتهم الروحية والنفسية.  يقول صاحب تراجم الأعلام “كانت القيادات السياسية في تلكم الآونة وما قبلها بقليل، تميل إلى الارتباط بالمشيخة لمصالح تتمثل في الاستعانة بهم في القضاء، أو للاستعانة بهم في تحقيق أغراض أو دفع مضار، وذلك لا رتباط بعض المشخية آنذاك بالتنجيم وبصناعة التمائم”([18]).

فقد عاش قبل القاضي مجخت كلَ، بقرون، القاضي عمر فال (ت 1638) مؤسس جامعة” بير Pire”. وتحكي المصادر التي تتناول تاريخ الاسلام بالسنغال أن القاضي عمر فال لما هاجر من فوتَ تورو إلى منطقة كجور مأوى أجداده، أسندَ إليه” دَمِيل مَخُرَجَا” ملك كجور آنذاك، سلطةَ القضاء في أحوال الناس على مسار تعاليم الشريعة وعرف البلد؛ ولذلك لقب بالقاضي([19]).  ويذهب الأستاذ تيرنو كاه، في كتابه “Ecole de Pire”، إلى أن القاضي عمر فال، لما عرض له دميل مخرجا منصبَ القضاء رفضَه وآثر التركيز على تدريس الناس وحدَه بعيدا عن القضاء والسياسة([20]). وذهب مذهبَه في المسألة، صاحبُ “تهذيب الآثار والأقوال في سيرة القاضي عمر فال”، وكذلك صاحب “تراجم الأعلام”. غير أنه من الثابت، أن القاضي عمر فال اشتهر هو الآخر بالقضاء؛ فلا يذكر اسمه في المصادر التاريخية ولا عند عامة الناس إلا وهو مقرون بلقبه “القاضي”.

أما عصر القاضي مجخت كَلَ، فقد عرف بروز قضاة كبار آخرين؛ منهم على سبيل المثال القاضي ممر أنت سل والد الشيخ أحمد بمب، الذي كان قاضيا ومستشارا للتجور في زمن ما. ويذهب صاحب أعلام الهدى إلى أن الملك لتجور عزل قاضيَه الشيخ ممر أنت سل ونصبَ مكانه القاضي مجخت كلَ؛ مما يدل على مكانته الاجتماعية وتبحره في العلوم. إلا أن رواية الشيخ محمد جوب في كتابه “إراء النديم” تدل على أن الشيخ ممر أنت سل لم يكن قاضيا للتجور وإنما كان مجرد مستشار له. يقول المؤلف في العلاقة بينهما: ” وكان الشيخ لا يقبل أن يساكنه في عاصمته لأنه صاحب تعلّم وتعليم؛ والتعلّم والتعليم لا يجانسان الإمارة. بل يسكن بقربه بحيث إذا احتاج إليه يأتيه بلا تعب ولا بطء” ([21]).

ومن المشايخ القضاة الذين عاشوا في زمن القاضي مجخت كلَ أيضا القاضي محمد بصُ، الشهير بالشيخ امباكي بُصُ. قيل بأن ألمامِ مابا جخو با لمّا حشر المشايخ الكبار في سالُم حوالي سنة 1863م، أسند مهنةَ التعليم إلى الشيخ ممر أنت سل، وأسند مهنةَ القضاء في أحوال الناس إلى الشيخ محمد بصُ (ت 1946) الذي كان بحرا في العلوم. فقد ذكرت بعض المصادر أن الشيخ أحمد بمب أيضا ولاّه القضاء والإفتاء وإقامة الحدود([22]). إلا أن حفيده سام بوسو عبد الرحمن لم يذكر مهنة القضاء مِن بين ما تولّى بها جدُه، قال عنه: “فولاّه الشيخ [أحمد بمب] شؤونَ تدريس والإفتاء لما توسم به من التبحر في العلوم الشرعية”([23]).

ويوجد قضاة آخرون مشهورون من أمثال القاضي بلَّه مام توري والقاضي ممر أنت قُمَّ وغيرهم([24]).

(تابع)

 

 

[1])) Abdoul Aziz Kébé, les tribunaux musulmans du Sénégal dans la politique coloniale depuis la promulgation du code civil jusqu’a la première guerre modiale (1999).

[2])) loi sénégalaise n°1961/13 du 10 mars 1961

[3])) عامر صمب، الأدب السنغالي العربي (الجزائر: الشركة الوطنية) 1399 / 1979. ج 2، ص 45

[4])) المرجع السابق

[5])) المرجع السابق ج 2 ص 60.

[6])) المرجع السابق ج 2، ص 45

[7])) محمد جختي، القاضي مجخت كَل، ص 43.

[8])) المرجع السابق 168

[9])) المرجع السابق

[10])) الأدب السنغالي العربي ج2، ص  79. بالتصرف.

[11])) الأدب السنغالي العربي ج2، ص 59.

[12])) ينظر المرجع السابق وأعلام الهدى ص 17.

[13])) ينظر أعلام الهدى ص 172

[14])) رواية عن حفيد القاضي، عثمان جخت بـ “كرمكل”

[15])) الأدب السنغالي العربي ص 87

[16])) المرجع السابق

[17])) شمس الدين ابن قيم الجوزية، الطرق الحكمية (مكتبة دار البيان) ج 1، ص 14

[18])) تراجم الأعلام ص 11

[19])) محمد بشرى عيسى جيي، جهود علماء السنغال في خدمة المذهب الأشعري (الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) 1437 / 2016، ص 46

[20]) Thiérno Ka, Ecole de Pire Saniakhor (fondation Cadi Amar Fall à Pir) p 39

[21])). الشيخ محمد جوب الدغاني، إرواء النديم (الرابطة الخديمية) ط1، ص 68.

[22])) عبد الأحد جينغ، نوازل محمد البصوصي، (بحث لنيل شهادة ماستر، جامعة سيدي محمد بن عبد الله -فاس) ص 71.

[23])) سام بوسو عبد الرحمن، العلامة الشيخ امباكي بوسو (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة) ص 24

[24])) ينظر القاضي مجخت كَلَ ص 42.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى