Uncategorized

لدي حلم ، ولكن ! عبد الرحمن بشير

لدي حلم ، ولكن ! عبد الرحمن بشير
……………………………………
١- أحلم أن أعيش فى وطن لا ظلم فيه ، وأن أكون مواطنا لا يخاف من أحد ، وأن أقول كلمة الحق لأجل الحق آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر كما أراه ، وأن أكون عضوا فى أي جماعة أحبها ، أو أن أنتسب إلى حزب أختاره ، وأن أمارس حياتى الخاصة والعامة وفق قناعاتى ، فهل هذا الحلم غير مشروع ؟

٢- أحلم أن يكون لى منزلا ، وأهلا ، وأولادا ، وأن أعيش معهم فى سعادة ، فيذهبون إلى المدارس وهم لا يخافون من سطوة الحاكم ، ومن غش المعلم ، ومن خيانة الجار ، فيكون لى بذلك سعادة الحياة الأسرية ، فهل هذا غير مشروع ؟

٣- أحلم أن أعيش لفكرتى ، وأن أنشرها سلميا بين الناس ، وأن أستمع إلى الآخرين ، وأستفيد منهم ، فلا أحمل سلاحا ضد أخى فى الدين ، أو أخى فى الوطن ، فاللغة التى تسود بيننا تكون المنافسة الشريفة ، وليست المنافسة الخسيسة ، فهل هذا غير مشروع ؟

٤- أحلم أن أرفع صوتى بلا خوف ، وأن أظهر فكرتى بلا حجب ، وأن أرفض ما لا أريده ، وأن أقبل ما أراه صحيحا ، فلا سيف يرفع فوق رقبتى ، ولا خوف من محكمة صورية تسجن العلماء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من الأحرار ، بل السجن هو مكان المجرمين ، وليس محلا للعلماء والمفكرين والمناضلين السياسيين ، فهل هذا غير مشروع ؟

٥- أحلم أن أعيش فى وسط أشعر فيه الراحة النفسية ، والتطور الفكري ، والحماية الأمنية ، وفيه أطوّر ذاتى بشكل مستمر ، وأتبادل مع غيرى التجارب والمنافع ، وهل فى هذا ما يتناقض مع الدستور والقانون ؟

٦- أحلم أن أكتب بلا خوف ، وأن أؤلّف مسرحيات بلا حذر ، وأن أخطب بصوت عال بلا أوامر صادرة من وزارة الداخلية ، أو من توجيهات دقيقة من وزارة الأوقاف ، فالضمير الإسلامي وحده هو المراقب ، والشعب المسلم أيضا هو الذى يكون الحكم فى معرفة الخطاب المزيف عن الخطاب الحقيقي ، فهل هذا يخالف القانون ؟

٧- أحلم أن أسافر متى أشاء ؟ وإلى أين أشاء ؟ ومع من أشاء ؟ وأحلم أن أقرأ ما أشاء ؟ ، ولمن أشاء ؟ ومتى أشاء ؟ ومع من أشاء ؟ وأحلم أن أحلم حين أشاء ، وأحلم أن أَجِد ما أشاء ، فعالم بلا حلم غابة بلا حياة ، وحياة بلا حلم هي حياة ليس بها حياة ، فهل هذا الحلم غير مشروع ؟

٨- أحلم أن أعيش فى وطن بلا سجون ، وفى بلد بلا معتقلات ، وفى بيئة بلا جواسيس ، وفى وسط بلا أحقاد ، وأحلم أن أنافس ، ولكنى لا أحلم أن أقتل المبدع حسدا لأنه سبقنى ، وأحلم أن أقبّل رأس المفكر الذى يعلمنى ، ولكنى لا أحلم أن أعيش لإبعاد المفكر والعالم ، فهل هذا الحلم جنون ؟

٩- أحلم كتابة قصة حياتى وأنا أشرب القهوة فى منزلى ، وفى وطنى ، وعند أهلى ، ووسط أحبابى ، وأحلم أن أزور قبور العظماء عند أهلى ، فأجلس لحظة عند قبر الشيخ عثمان وعيس رحمه الله ، فأسأله كيف سبق غيره فى جمعه بين الوطنية والتدين ، وبين الدين والسياسة ، وأجلس عند قبر المناضل السيد أحمد ديني رحمه الله ، وأسأله ، كيف فهم الدين والسياسة معا ؟ وكيف أتقن اللغات بشكل سلس ؟ وأحلم أن أزور قبر السيد حسن چوليد رحمه الله ، فأسأله ، ما الذى جرى مؤخرا فى زمن حكمه ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ وأحلم أن أزور قبر عيلابى ، وأسأله لماذا مات فجأة ؟ ما السر فى ذلك ؟ فهل هذا الحلم من التاريخ ؟ أم سيكون من المستقبل ؟

١٠- أحلم أن لا أعود إلى التاريخ مرة أخرى ، فلا أكرّر ذاتى فى العمل مع الجمعيات تحت الإستبداد ، فلا فائدة من وجود مجتمع مدني بغياب الحريات ، وأحلم أن لا أكون عضوا فى عمل إسلامي لا يحمل شارة وطنية ، فالوطن قبل كل شيئ ، ولكن بدون تقديس له ، فقد انتهى زمن الأيديولوجيات البراقة ، والأفكار البعيدة عن الواقع ، فهل هذا الحلم مخيف ؟

١١- أحلم أن أنام بدون خوف ، وأستيقظ بدون خوف كذلك ، فالأمن النفسي مقدم على الأمن الغذائي ، ولكن الأمن الغذائي مؤثر على الأمن النفسي ، فالناس فى بلاد الخوف لا ينامون ، وفى بلاد الإستبداد لا يتنعمون بالنوم ، ولكنهم ينامون بلا ضجر فى بلاد الكرامة الإنسانية ، ويتنعمون بالنوم فى بلاد الحرية ، فهل هذا الحلم ممنوع شرعا ؟

١٢- أحلم أن أقرّر نوعية التدين الذى أقتنع به ، فقد أرتبط بحركة صوفية معاصرة كالتبليغ مثلا ، أو حركة فكرية سياسية كالإخوان ، أو حركة عقدية سياسية كالسلفيين ، أو حركة تقليدية كالصوفية القديمة ، أو لا أرتبط إن شئت ، فأبقى حرا بلا إنتماء ، ولكنى سأبقى مرتبطا بدينى بلا تعصب ، وأفهمه بلا تشدد ولا ترخص ، وأقوم بتطبيقه فى الواقع بلا تنطّع ولا غلوّ فهل هذا الحلم ممنوع عقلا ، أو شرعا ، أو قانونا ؟

١٣- أحلم أن أفتح المذياع حين أريد ، وأستمع منه ما أريد ، وأحلم أن أستمتع بالصوت الجميل ، والغناء الحميد ، وأحلم أن أستمع إلى الأخبار من أية وسيلة إعلامية أريدها ، فأنا سيد قرارى ، ولا أحد يقرر ماذا أستمع ؟ وماذا لا أستمع ؟ قد آخذ الخبر من وسيلة العدو إذا كان الخبر صحيحا وموثوقا ، وقد أرفض الخبر من وسيلة إعلامية وطنية ، لأن الخبر غير صحيح ، لا يهمنى من قال الخبر ؟ ولكن يهمنى ما قال ؟ هل هذا الحلم غير واقعي ؟

١٤- أحلم أن يكون الحاكم فى بلدى خادما لا مخدوما ، وشخصا طبيعيا ، وليس شخص مقدّسا ، وإنسانا مختارا ، لا حاكما متغلبا ، ومواطنا يرحل من الحكم بدون مظاهرات ، ولا مسيرات ، بل ولا انقلابات ضده ، فيعيش كالناس بين الناس بلا خوف ، ويتحدث عن تاريخه بلا خجل ، ويعترف أخطاءه لأنه بشر ، ويتحدث الناس عن إنجازاته ، لأنه حكم وترك ، فهل هذا الحلم تافها ؟

١٥- أحلم أن أضحك فرحا وسرورا ، لأن الضحك صار غريبا عند غالبية المتدينين ، ، وأحلم أن أبكي حزنا وخوفا ، لأن البكاء أصبح ضعفا لدى غالبية الرجال الذين يحسبون البكاء حالات أنثوية فقط، وأحلم أيضا أن أتحدث عن تجربتى فى العشق والحب ، لأن الحب صار أنذر من الماس فى حياة الناس ، وأحلم أن أنام مرة أخرى فى حضن والدتى ، لأن ذلك أصبح ممنوعا عنى بحكم الطغاة ، ووشاية الضعفاء ، وأحلم أن أزور قبر أختى التى توفيت فى غيابى رحمة بشير الإنسانة ، وأحلم أن أزور قبر أخى محمود علمى ريالة ، المناضل العبقري الجيبوتي ، فهل هذا الحلم الإنساني فى لحظات الحياة التى فقدت البراءة غير مشروع ؟

١٦ – أحلم أن أعيش بين الناس ، ولكن ليس كالناس ، وأحلم أن أعيش فى بيئة غير طاردة ، أقول رأيى ، وأمشى ، وأحلم أن أرى أولادى وأحفادى وهم يلعبون ، ويتعلمون ، ويتزوجون ، ويحكمون ، ويعيشون بدون خوف ، ولا يتحولون إلى مشاريع وقتية للحاكم وعائلته ، وأحلم أن أرى فى وطنى مراكز للبحوث والدراسات ، ومكتبات ذات وزن ، وأزورها بشكل يومي ، وأجلس فيها قارئا وباحثا ، وأحلم أن أعيش فى منطقة القرن الأفريقي كلها ، وقد زالت الحدود والسدود ، ويتحرك فيها الناس بلا خوف من الخرطوم حتى مقديشو ، ومنها حتى مصوّع ، وأحلم أن أرى الجسر الحقيقي بين جيبوتى واليمن ، وقد انتهت الحروب ، ويتحرك الناس في هذه المنطقة بلا خوف ، فيذهبون إلى بيت الله الحرام من خلال أسفار برية ، وتنطلق التجارة من الخليج إلى القرن ، ومن القرن إلى الخليج عبر بوابة جيبوتى واليمن ، إنها أحلام اليمن ، ولكنها قد تكون حقائق الغد ، فالعيش وفق متطلبات الزمن المعاصر هو الغائب عن بلادنا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى