السياسةالعمل والمستجدات

الرجل كان رقما صعبا : سرج آتو جانج

مواقف(46)
قد بقي فقيد المريدية سرنج آتو جانج قرابة أربعة عقود من الزمن يقود دائرة “حزب الترقية”، التي نشأت بين فصول الجامعات العالمانية، من شريحة المثقفين بالثقافة الفرنسية. وتُمثل الدائرة جبهة قوية من جبهات الحركة المريدية ووجها من وجوهها المشرقة. وهي “الدائرة”، وإن اتفقت مع مثيلاتها على جملة من القواسم الجامعة المشتركة، إلا أنها في المقابل تنفرد بهويتها، ومظهرها الثقافي، ونوعية الرسالة، وطبيعة الرؤية، وهيكل التنظيم، والنظام الداخلي، وبرامج العمل، وفلسفة التربية والترقية.
لقد كان الراحل سرنج آتو جانج قائدا محنكا، وذا عزيمة ماضية، وشجاعة نادرة، وهمة عالية، ورؤية مريدية إصلاحية شمولية تحاول الجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الديني والدنيوي، وبين الخدمة والعبادة، وبين التنظير والتطبيق. ولقد فرض شخصيته الحديدية القوية في مسرح الأحداث في البلاد منذ الربع الأخير من القرن الماضي إلى حد اللحظة، بداية الألفية الثالثة، واستطاع أن يقود حزب الترقية خلال هذه العقود، حتى تمكنت من تجاوز العقبات والهجمات القوية التي كادت أن تقوض دعائمها وتستأصلها من الوجود.
لقد طبقت الدائرة، بفضل كفاءة وخبرة روادها، نظرية الخدمة في أبعادها المتعددة على أرض الواقع، فحققت لنفسها استقلالا فكريا وثقافيا وماديا تاما، واستثمرت في العقول والحقول، فصارت بذلك أنموذجا يحتذى به في كثير من الجوانب التنظيمية والعملية. ولعل الدائرة في الآونة الأخيرة راجعت خطابها وبرامجها، وانفتحت أكثر تجاه المخالفين، وفتحت أبوابها للجميع، وأسهم، بنصيب وافر ، في كل المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وحاولت، وفق رؤيتها، تصحيحَ الكثير من الأخطاء التي كانت شائعة في الحركات الصوفية ودوائرها في البلاد.
لقد ساهمت الدائرة في نشر الرؤية المريدية في أنحاء العالم، وفي خلق موضة مريدية ملفتة للنظر في أوساط محافل الجامعات والمدارس الحكومية العمومية التي تتبنى العالمانية شعارا لها، وهي بذلك غرست في نفوس المنخرطين في سلكها قِيما أخلاقية وحضارية فاضلة، واستطاعت برؤيتها التربوية أن تصنع أنموذجا من المواطن المسلم ذي هوية أفريقية مستقلة تمثل المريدية في بعدها الثقافي في معترك صراع الهويات.
وفي كل هذه الإنجازات الحضارية التي حققتها الدائرة كان السيد آتو حاضرا وواقفا في الصف الأمامي، ولم يتغيب ولو مرة عن المشهد. وقد كان عقلا مدبرا على مستوى عال من الوعي والنضج والخبرة والعلم، ومهندسا من الطراز الرفيع النادر، وذا علاقات إنسانية نبيلة، ومربيا لجيل من الشباب غرس فيهم حب الخديم والولاء له، والتفاني في الخدمة، والانفتاح أمام العالم، ومواكبة مستجدات التكنولوجيا التي استغلها أيما استغلال لإيصال رسالة الدائرة إلى أوسع نطاق ممكن في العالم.
كان يحاول العيش في زمانين مختلفين، زمن الرعيل الأول من اتباع العبد الخديم ،عليهم رضوان الله الباقي القديم، والزمان الحاضر نهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة الميلادية بكل مظاهرها الحضارية النافعة، وبذلك؛ يُلاحَظ في أعضاء الدائرة أنهم من الناحية العقدية والعزيمة، والهمة العالية، والسلوك القويم ينتسبون إلى طبقة الرعيل الأول من المريدية، وأما من ناحية مستجدات العصر، ومواكبتها ينتمون إلى فئات المبدعين والمخترعين والمساهمين في هذا المجال.
لم يعد السيد آتو نسخة مريدية يتيمة، بل صار ملهما لجيل من شبابٍ أصبحوا نسخا مكررة كادت أن تكون طبق الأصل، وهو بذلك، وإن رحل إلى دار الآخرة، يبقى حاضرا بفكره ومبادئه ومواقفه ومثلا أعلى لأعضاء الدائرة، ولكثير من المعجبين به من شباب المريدية المثقفين بالثقافة الفرنسية. وقد أثر فيهم أيما تأثير بفكره ورؤيته ومبادئه.
رحم الله تعالى سرنج آتو وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحفظ الدائرة بعده، لتبقى تقدم العطاءات والإنجازات التي تنفع الإنسانية، ويحفظها من التهدم والاختراق والافتراق والاختلاف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى