الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

أضواء على مشروع القانون الأساسي للمدارس القرآنية

إن تاريخ الدارات القرآنية في السنغال تاريخ مشرق بإنجازات وبطوليات، أبطالها رجال ضحوا بنفوسهم وحريتهم أمام الاستعمار الغاشم الذي وظف كل الوسائل والخيارات الممكنة للقضاء على الدارة القرآنية في السنغال لتوجسه أنه هو المشروع المناهض والخطر المحدق على مشروعه التنصيري التدميري الهادف لصناعة مواطن سنغالي بصبغة غربية….

ولازالت الدارات تعاني من حالة عداء غير مبررة، فهي تعاني من خذلان وتضييق السلطة الحاكمة من جهة، ومن وشاية وتلفيقات المنظمات الحقوقية، وشيطنة وتشويه المؤسسات الإعلامية، من جهة ثانية، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، لكن العدوات والاعتداءات -على اجتماعها وتآمرها-أبدا ما نجحت في خلق انفصام نكد بين الدارة القرآنية والشعب السنغالي المسلم؛ نظرا لكون الشعب السنغالي شديد التمسك بدينه الإسلامي وبالقران الكريم.

ذلك هو الماضي التاريخي الذي لا سبيل إلى إنكاره، وهذا هو الواقع الحاضر الماثل أمام أعيننا…

لكن ما الذي تغير؟؟

الذي تغير هو أن عدونا التاريخي –الحكومة السنغالية وحلفائها –”رفعت الراية البيضاء”، ووضعت سلاحها وظهرت على صورة الصديق الحميم الرؤوف الرحيم، الذي آلمه رؤيتنا نزرح تحت وطأة المعاناة، فجاءنا للنجدة “بعصى سحري”، “بمشروع إنقاذي عملاق”، وما ذلك الحصى السحري؟ وما ذلك المشروع العملاق؟ ألا وهو ما سمته الحكومة “مشروع قانون أساسي للمدارس القرآنية”

لكن يا ترى ما هذا التحول السريع من أشرس عدو، إلى أخلص صديق؟

موقف شيوخ الدارات القرآنية من المشروع

إن الأطراف الفاعلة في المجال القرآني قامت بِرَدِّ هذا المشروع لأنه في تقديرهم يمثل حربا باردة عليهم، ومحاولة لسحب البساط من أرجلهم، هذا هو موقف الرابطة الوطنية للمدارس القرآنية، وبالمناسبة فإن وزارة التربية قامت بزيارة إلى الخليفة المريدية الراحل الشيخ سيدي المختار ( رحمه الله ) وأطلعته على المشروع وصوَّرُوه له بطريقة جعلت الخليقة يوافق عليه قبل أن يعلن تراجعه عنه إثر مراجعة الرابطة الوطنية للمدارس القرآنية في السنغال له، وإظهار خبايا المكر وخبث الحيل فيه.
وبما أن الحكومة كانت مصرة على تمرير مشروع قانونه هذا، أعلنت استئناف اللقاءات التشاورية لمناقشة “نقاط الخلاف” ولتوضيح المشكلات وإجراء بعض التعديلات؛ والتي آخرها تلك التي عقدت في امبور بتاريخ 29 ديسمبر 2016 وعلى إثرها أعلنت أن كافة الأطراف صوتت لصالح مشروع القانون وأبدت موافقتها بإجماع!
فإذا كان موقف الرابطة هو هذا، فإن نظرائهم في الاتحاد الوطني لجمعيات المدارس القرآنية لهم موقف آخر حيث أعلنوا تأييدهم الكامل للمشروع، وتحالفهم مع الحكومة في الدفاع عنه والترويج له في المنتديات، شانهم شأن ما يسمى ب” المجلس الأعلى لمدرسي القرآن في السنغال” حيث يقول رئيسه” إن على رئيس الدولة الإسراع في مصادقة هذا المشروع لوضع حد للأوضاع المزرية التي يعيشها الأطفال في الشوارع….” قال ذلك في ندوة جمعته بالمنظمة الحقوقيةradhoالحقوقية بمناسبة اليوم الوطنيtalibe.

وأذكر أنني حضرت يوما دراسيا نظم في بلدية بكين بتاريخ 25 أكتوبر2018، في موضوع ” مشروع عصرنة الدارات: تحديات وتطلعات” من طرف الجمعية النسائية ((association des juristes du Sénégal بشراكة مع الاتحاد الأوربي!! ولك أن تتعجب وتسأل ما لهذا الجمعية والمدرسة القرآنية؟ وما للاتحاد الأوربي والمدرسة القرآنية؟.

وهنا لابد أن نتساءل عن الأسباب الحقيقية التي وراء رفض شيوخ الدارات لهذا المشروع؟

• أسباب رفض شيوخ الدارات بين الشكلية والمضمون.
إن هذا المشروع-كما أسلفت-مشروع مثيرا للجدل واللغط ا لكبيرين منذ اليوم الأول من إصداره، وشيوخ الدارات-كما أسلفت-يرفضونه رفضا باتا، وتعود أسباب الرفض إلى أسباب شكلية، وأخرى جوهرية.

• فأما الأسباب الشكلية فمنها ما يلي:

  • أن هذا المشروع أصدرته جهة غير مؤتمنة في كل ما تمت بالقرآن والإسلام بصلة، وهي الحكومة السنغالية التي طالما أظهر بلطجتها وعداوتها ضد مؤسسة الدارة، كلما وجدت لذلك سبيلا.
  • أن الحكومة صاغته خلف الأبواب المغلقة دون استشارة مسبقة شاملة لشيوخ الدارات المعنيين بالأمر.
  • وجود أياد خلفية خارجية، ضاغطة لتمرير المشروع، حيث أنه تم تنظيم طاولة مستديرة لمدارسته عند السفارات الثلاث: فرنسا، بلجيكا، ولوكسمبورغ، وهذا الأمر خطير جدا، إذ لا علاقة لهؤلاء بالدارة لا من قريب ولا من بعيد، وكيف لهم ذلك؟ هذا مريب ومشبوه.
  • إن الحكومة تعمدت الاصطفاف إلى ما يسمي ب”الاتحاد الوطني لجمعيات المدارس القرآنية”، متجاهلة نظرائهم في الرابطة الوطنية،مع أن الأخيرة تضم كبريات الدارات القرآنية، معهد كوكي، وفاس توري، وأحمد صغير بون، وتيسير العسير وغيرها.
  • حرص الجمعيات الحقوقية المعادية، والوسائل الإعلامية الحاقدة على أن تتم مصادقة القانون، مما يدخل الريبة الزائدة عند الدارات إذ علاقة هؤلاء مع القرآن علاقة عداء وحرابة، يتبجحون بما يسمونه–كذبا-بحقوق الطفل، فتكون موافقتهم له نذير بخبثه، لأنهم -أعني الجمعيات الحقوقية، والوسائل الإعلامية-لا يجتمعون إلا على ضلالة.
    هذه بعض من الشوائب الشكلية التي جعلت شيوخ الدارات يمزقون المشروع شر ممزق.

• أما الأسباب الجوهرية-أعني المتعلقة بالمضمون-فإليك بعضها في نقاط:

  • أن أكثر مواده غامضة بحيث أن تفاصيلها معلقة على مراسيم رئاسية مجهولة المضامين، فلا يدري الشخص فيم يوافق أو يخالف، مثلا: في المادة 3من الفصل الأول جاء فيه” أن تحديد مكونات ملف افتتاح مدرسة قرآنية، يكون بمرسوم رئاسي، وفي 4من نفس الفصل جاء فيه “تحديد الشروط والمؤهلات الازمة للعمل في المدراس القرآنية بمرسوم رئاسي، وفي 8 “تحديد إجراءات توزيع المساعدات بمرسوم رئاسي”، وهكذا أغلب المواد، يا ترى كيف أوافق مثلا على شروط لم تذكر بعد، وعلى إجراءات لم أدر معالمها بعد؟ فهذا استغباء واستخفاف بالعقول.
  • أن المشروع يهدف إلى دمج الدراسة القرآنية مع ما يسميه “اكتساب الكفايات الأساسية المستهدفة في المرحلة الابتدائية، وليس له أي مشروع تحفيظي، ولا برنامج تعليمية لما بعد الحفظ، لأن الدراسة عنده على مراحل ثلاث: المرحلة الأولى: يدرس الولد القرآن فقط، وفي الثانية: يجمعهما، وفي الثالثة: يسقط الولد القرآن -ومعه كل ما هو ديني-إلى تعليم فرنسي فرنسي من الإبتدائية إلى الجامعة، فيتخرج فرنسيا صرفا قائما على سوقه ..أليس هذا من أفجع الكوارث لو حدثت؟
  • أن المشروع – كما نبه على ذلك الشيخ الكبير سليمان بجان في إحدى منشوراته الفيسبوكية-حين يقرر أوامر يستعمل عبارة الصرامة، فتقول في المادة 3 و5 و10 و: “يجب على المدرسة القرآنية ….”، أما حين يجب عليه الالتزام بالحقوق مقابل تلك الواجبات، فبدل استعماله كلمة يستلزم، تستعمل عبارة” يمكن” كما في مادة 7 و8 9 فتأمل.
  • والأمر الآخر إصرار المشروع على تسمية ما يزعم أنه سيعطيه للمدارس بالمساعدات والبدلات، دون وضع ميزانية خاصة للمدارس القرآنية، وإذا تسامحنا في هذه التعابير نجد أمرا آخر غريبا هو: أن المساعدات والبدلات معلقة على الحصول على الاعتراف الذي بدوره معلق على أن تتحول الدارة من دارة إلى مدرسة فرنسية متكاملة الأركان، ومع كل ذلك فالحصول على المساعدات مقيد “في حدود الاعتمادات المخصصة لهذا الغرض في ميزانية المكلفة بالتربية الوطنية”، ويا حسرة من أذيق السوأتين، ومني بخسارتين: خسارة دارته، وخسارة المساعدات.
  • في الفصل الخامس من المشروع المشبوه، جاء فيه” أنه سيتم تأسيس مجلس اشتشاري لدى وزارة التربية، والتي-كما جاء في مشروع المراسيم-تضم عدة وزارات كالداخلية والصحة والأطفال، وممثلين للدارات وممثل أولياء التلاميذ… يا للعجب كل هذه الوزارات له علاقة بالداراة القرآنية؟ فلك الجواب.

– هذه بعض الفواجع الجوهرية في ثنايا المشروع، لكن دعني أختم بهذه الفاجعة، والتي سماها زميلي الباحث الحاج مصطفى امباكي ب” الفلسفة المادية الطاغية” ويقول: “إن الفلسفة المادية الحاكمة للعالم تقطر من ثناياها قطرة لا تخطئها العين حتى يبدوا أن القانون ما وضع إلا لتحسين الظروف المادية التي تحكم المدارس القرآنية، … فمحاولة فهم الروح التي تتشرب دارس القرآن ومعلمها بقياسه بغيره تقود إلى نتائج خاطئة، لأنهما مختلفان تمامًا في الغايات والأهداف، والظن بأن الشهادات تغري آباء ومعلمي الولدان القرآن ينبئ عن عدم فهم النيات المسبقة والمؤسسة للعملية التربوية تلك ، وإلا فبم يفسرون إذا إحجام ذلك الوالد عن إدخال ابنه المدارس الفرنسية مع مجانيتها وتكلفتها الأقل ومستقبلها الأكثر إشراقا -حسب زعمهم-…”؟يا له من فاجعة ويا له من سوء ظن ولا غرو؛ فإن الثقافة العلمانية التي تربوا عليها لا تولي اهتماما إلا بما يشبع الرغبات النفسية الحيوانية….

• خاتمة:
أخي العزيز القارئ لعلك لاحظتَ معي من خلال هذه الأضواء على أن المشروع خطر كله في سياقه ومساقه ومساره، ومضمونه -كما رأيت-ألغام كمينة قد تنفجر على وجه الدارت في كل وقت، ورأيتَ أن الرافضين للمشروع، لم يرفضوه تعنتا-كما يروج الإعلام الحاقد-، وإنما للمخاطر التي فيه حالا ومآلا، في منطوقه وفي مفهومه.
هذا وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى وصحبه وسلم تسليما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى