الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

أبشروا يا أهل القرآن.

أبشروا يا أهل القرآن.

لم تكن المعركة بين الحق والباطل وليدة العهد، ولا نهايته؛ ومخطئ من ظن أن المعركة تنتهي اليوم أوغدا . فالسنغال على مر تاريخها لم تزل تقاوم الشيطان وأولياءه؛ وقد كلفتها تكاليف باهظة وثمينة، ذهبت بها نفوس زكية ونفيسة، من أجدادنا ومشايخنا الفضلاء، الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله في سبيل تعليم القرآن الكريم وتعلّمه. وما حادثة اليوم بالأمس ببعيدة.

لم تضع الحرب أوزارها، بل لقد ظهرت بسيناريوهات جديدة، وسياسات مختلفة؛ تتستر وراءها خطط مدروسة، وبرامج ومعروفة، تنفذ بكل دقة في سياقات ومناسبات مبرمجة. تفاجأ بها الحلقات القرآنية وأهلها، بين فينة وأخرى. ويقوم بها أشخاص من بني جلدتنا عبر إدارة تلك المشروعات وتنفيذها، بأشكال وأنواع متعددة، لا تختلف عن مشروعات فديرب (Faidherbe) وأعوانه؛ الذين وقفوا وصدوا عن سبيل الله، كي لا يكون للإسلام وجود في السنغال، وظنوا أن القضاء على أهل القرآن سيثمر أو يأتي بنتيجة؛ لكن باء أمرهم بالفشل إلى يومنا هذا. فلا ينبغي لنا أن نغتر يوما بمكايدهم، ولا حيلهم .فلا مفر لنا ولا نجاة منها.
ألم يكن خير من قرأ القرآن محصورا مهجورا مع صحابته الكرام -صلوات ربي وسلامه عليه- في مكة المكرمة لسنوات ثلاث؟ ولم يجدوا شيئا يأكلون! ولا ماء صافيا يشربون! ولا إخوة يزورون!! وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد.

بل كم أُحرقت من مدارس قرآنية في السنغال؟ وكم أُخرج شيخ ومعلم من أرضه ووطنه؟ وكم قتل منهم؟!! وكم وكم وكم…؟ هل منح ذلك للعدو بغيته؟ وهل منع للقرآن وجوده في السنغال؟ كلا! ولن يكون أبدا؛ لأنه ضمان رب العزة والجبروت. كما قال جل جلاله: ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. (الحجر: الآية:9) .
وقال: “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون” (التوبة الآية: 32). وقال تعالى أيضا: “إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين” (الآية: 128).

وللعلم أنه كان عدد كتاتيب القرآن في عام 1904م، 204كتَابا قرآنيا، وعدد التلاميذ 20910 تلميذا وتلميذة. الدكتور لوح محمد أحمد (2009م)، في ورقة بحث بعنوان “التعليم ومناهجه في السنغال”. وفيما ذكر ويال مصطفى (2019م)، في رسالة دكتوراة تحت عنوان “تقويم مناهج اللغة العربية لمدارس تحفيظ القرن الكريم وتطوره في ضوء أهداف التربية الإسلامية الحديثة” أن عدد مدارس القرآن ما بين 1990-2000م، في داكار، لوغا، سين لويس، وماتم، كانت 558مدرسة قرآنية، وعدد التلاميذ: 68434 ألف تلميذ وتلميذة، وعدد المعلمين 2097 معلَما ومعلمة. وما بالك بالعدد الموجود في الوقت الراهن؟
وإن هذا النمو السريع في زيادة عدد المدارس القرآنية وتلاميذها في السنغال-رغم كل التحديات والعقبات والصعوبات التي مرت بها- يدعو المسؤولين الحكوميين إلى إعادة النظر حول سياساتهم تجاه الكتاتيب القرآنية. لأن ذلك النمو السريع، يدل على حب الشعب السنغالي وتمسكه بتعاليم الدين الإسلامي المتمثلة في تعليم القرآن وتربيته. وإن تجاهل تلك الحقائق قد يكلف الحكومة السنغالية قريبا أو بعيدا ثمنا باهظا؛ وكان من المنتظر الاستجابة لرغبة الشعب وحاجاته في التعليم والتربية. في حين أن الدولة السنغالية تخصص 40% من ميزانيتها السنوية للتربية والتعليم، دون أن يكون لهذا الجزء الكبير من الشعب أدنى نسبة منها، والأدهى والأمر من ذلك، أن ضموا تعليم القرآن إلى وزارة الطفولة والأمومة؛ بدلا من وزارة التربية والتعليم. وما ذا يدل ذلك؟ إن دل على شيء فإنما يدل على عدم الاعتبار والاهتمام الحقيقي بتعليم القرآن في البلاد. وفي المقابل يدعون إلى عدم التسول والتجول! إذًا من أين يجد هؤلاء المساكين ما يسدون به رمقهم؟
وإذا أردنا أن نبني مجتمعا صالحا، متماسكا، متكاتفا ومتضامنا، قادرا على خدمة السنغال ومصالحها، فلا بد أن نحقق العدالة والمساواة بين أبناء هذا الشعب الواحد؛ في التعليم والتربية، وفي توزيع خيرات البلاد ومصالحها؛ وإلا سنظلَ منقسمين متخلفين ومتباغضين للأبد.
وليعلم أهل القرآن أيضا أنما وصلت إليه المدارس القرنية اليوم، في نموها وزيادتها المستمرة، التي تنعكس على نتائجها الحسنة والملموسة؛ تؤكد أن الرد القوي والمناسب للأعداء، هو التركيز في تحسين عملية تحفيظ القرآن الكريم وتطويره، ومحاولة توحيد الصفوف وجمع الشمل والكلم. وليس المنتظر منا -نحن معلمي القرآن الكريم- أن نتصرف تصرف هؤلاء الجهالة الظالمين، في سلوكهم وتحركاتهم، بقصد الرد عليهم؛ كما فعلوا بأخينا المعلم -حفظه الله ورعاه-. وإذا حصل ذلك سنقع في الفخ الذي ينتظروننا فيه.
وعلينا أهل القرآن أن نتسلح بسلاح العلم القوي، في مواكبة الطفرة السريعة في التربية والتعليم، والمستجدات في التقنيات الحديثة للتعليم والتعلم. لأننا نعيش اليوم عالما جديدا ومختلفا عن ذي السابق؛ عالم السيناريوهات والمؤامرات، والتخطيط، والتنفيذ. وبالعلم فقط نستطيع أن نعرف السبل المناسبة لمواجهة الأعداء ومشروعاتهم تجاه المدارس القرآنية وأهلها، كما فعل السلف الصالحون منا. يقول الشيخ أحمد الخديم رضي الله عنه:
إني أجاهد بالعلوم والتقى@ عبدا خديما والمهيمن شاهد
دراسات حول المريدية (2017م،19).
ثم إنكم أهل القرآن أبشروا فإنكم الغالبون. وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
وأبشروا فلا سبيل للعدو إليكم، إن كنتم متماسكين. وأبشروا فلا خير ولا فلاح بعد القرآن. وأبشروا فلا بعد القرآن نعمة.

مام انجاي لوح – طالب بمرحلة الماجستير/ جامعة أم القرى (السعودية) كلية التربية: قسم المناهج وطرق التدريس.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock