السياسةالعمل والمستجدات

الدكتور سلمان العودة ، المفكر الفقيه التركيبي . والداعية الإصلاحي . بقلم عبد الرحمن بشير .

الدكتور سلمان العودة ، المفكر الفقيه التركيبي . والداعية الإصلاحي . بقلم عبد الرحمن بشير .

لقد تأملت فى حياة المفكر الدكتور سلمان العودة حفظه الله ، وتابعت مسيرته الفقهية والفكرية باهتمام بالغ ، كما قرأت له جل إصداراته الفكرية والفقهية ، وعشت مع محاضراته حينما كان شابا قويا لديه حضور استثنائي فى المملكة السعودية كشاب مثقف ، وداعية نشط ، وكنت طالبا فى جامعة الإمام محمد بن سعود ، وكنا ننزل فى الأسواق لشراء الأشرطة الدينية والدعوية ذات النكهة التجديدية والإصلاحية الجديدة التى نزلت فى الأسواق ، وكان هو النجم بلا منافس ، بل وكان الشباب المثقف ، والناشط فى داخل الصحوة الإسلامية فى ذلك الزمن يسابقون الزمن لتنمية العقل من خلال الكتاب الجيد ، ومن خلال الكلمة المسموعة التى تم طرحها فى السوق ، فكانت المحاضرة وخاصة تلك التى تحملها الأشرطة آنئذ وسيلة دعوية مهمة ، وما زالت ، ولكن المميز فى هذه اللحظة ، أن الخطاب فى السعودية قد تغير كما ونوعا ، ووجوها ورسالة ، ومن أهم الوجوه فى هذه اللحظة فى الجزيرة العربية ، وفى العالم الإسلامي الدكتور سلمان العودة حفظه الله ، ولم يكن وحيدا فى الساحة ، بل كان هناك نجوما دعوية فى سماء الصحوة ، ومن هؤلاء الدكتور محمد سفر الحوالي ، شفاه الله وعافاه ، وفك أسره ، والدكتور عائض القرني ، والذى تحول من الشمال إلى اليمين دون ذكر للأسباب ، والدكتور عوض القرني ، الداعية الجنوبي من السعودية ، والمفكر الإسلامي المعروف ، ولكننا اليوم نريد أن نقف مع الدكتور سلمان العودة حفظه الله فى أطروحاته الفكرية ، ومناقشاته الفقهية ، ومجادلاته العلمية ، وتطوراته المنهجية ، وهو القائل : لو فكرت حين أكون فى الأربعين من العمر كما كنت أفكر حين كنت فى العشرين من العمر ، يعنى ذلك ضياع عشرين عاما من الزمن ، وهذا صحيح ، بل هو الواقع ، فالرجل تغير وتطور ، تجدّدت أفكاره ، وتنوعت اهتماته ، وخرج من عالم الجزيرة إلى عالم الأمة ، ومن سجن المذهب إلى ساحة المذاهب ، ومن ضيق المدرسة إلى سعة المدارس ، ولهذا أستطيع أن أجعل مسارات حياته إلى محطات خمسة :

المحطة الأولى : النشأة الفكرية ، والإعداد الأولي لشخصية الدكتور سلمان العودة حفظه الله حيث تربى فى أسرة محافظة للدين ، وفى بيئة تحافظ أساسيات الدين وقيمه ، وفى بلد يرفع رسالة التوحيد على منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، وفى بلد لديه خصوصية حيث يكون اللقاء ما بين العالم والحاكم تقليدا منذ اللقاء الأول ما بين الملك محمد بن سعود ، والإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ، فكان هذا اللقاء تتويجا لجهودهما فى تأسيس المملكة السعودية على مذهب معين ، وعلى سياسة تستمد أصولها من تلك المدرسة .
تربى الدكتور سلمان العودة فى هذه التربة ، فأصبح بلا خلاف على عقيدة المذهب السلفي ، وخاصة فى خيارات الشيخ محمد بن عبدالوهاب ، وترجّحت لديه مدرسة الإمام ابن تيمية رحمه الله فى تقريراته العقدية فى باب الأسماء والصفات ، وقد تربى كذلك فى مدرسة الشيخ العثيمين رحمه الله فى الفقه ، فكان الأستاذ حنبليا ، ولكنه يميل إلى أخد الدليل حين يكون الدليل واضحا وصريحا كما هو شأن الشيخ العثيمين رحمه الله .

المحطة الثانية : مرحلة الولوج إلى عالم الفكر ، والتعامل مع المتغيرات ، فكانت هذه المرحلة حين كان طالبا فى المعهد العلمي فى مدينة بريدة ، وهناك وجد معلومات جديدة ، والتقى مع مدرسين جاءوا من خارج الجزيرة العربية ، وفهم بعقله الثاقب بأن التنوع المكاني ثروة غير عادية ، فاستفاد كثيرا من المعلمين الذين وفدوا من العراق ومصر والشام ، وحينها قرأ للعقاد والرافعي وطه حسين ، وفهم الصراع الفكري فى خارج الجزيرة من خلال دراسته وقراءته للأدب العربي ، وقرأ فى هذه اللحظة كتب الفكر الإسلامي المعاصر من خلال المودودي وسيد قطب ومحمد قطب والغزالي والقرضاوي وغيرهم ، وبهذا وجد نافذة أخرى للفكر ، ورؤية ثانية للمدرسة الإسلامية .
فى هذه المحطة تم تكوينه الفكري ، وربما بدأت تظهر شخصيته الدعوية التى تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة ، ولكنها لم تتبلور بعد بشكل واضح ، والسبب هو أن الشيخ لم ينضج بعد ، فما زال فى مقتل العمر .

المحطة الثالثة : محطة بداية التكوين الفقهي ، وظهور شخصية المصلح حيث تخصص الشيخ علوم السنة ، وكانت أطروحته العلمية لنيل رسالة الماجستير حول ( أحاديث الغربة ، وأحكامها فى السنة ) ، وهذه إن دلت على شيئ فإنما تدل على أن الشيخ لديه قلق فكري ، ومنهجي ، ولهذا اختار الشيخ أحاديث الغربة ، وأحاديث الغربة كأحاديث الملاحم نظرة إلى المستقبل بنور النبوة ، ومحا لة للولوج إلى عالم الغيب ( المستقبل ) ، ولكن الشيخ لم يكن درويشا ينتظر مفاجآت الغيب ، ولكنه درس تلك النصوص بروح قلقة ، وبفكر متسائل ، كما أن الشيخ يشعر ومن العمق بأن الأمة شعوبا ونخبا تمر مرحلة دقيقة حاضرا ، وعاشت المآسى تاريخا ، وتحتاج إلى طرح مشروع للخلاص ، ومن هنا ظهرت شخصيته الفكرية من خلال هذه الرسالة العلمية ، ولدي شعور بأن الشيخ بدأ القلق الفكري معه فى وقت مبكر من حياته ، كما أن اهتمامات الشيخ لم تكن محصورة فى باب الإصلاح الفكري ، بل كان لديه الهم الفقهي ، ولهذا تم اختياره لنيل رسالة الدكتوراة فى ( شرح كتاب الطهارة من بلوغ المرام ) والرسالة مطبوعة فى اربع مجلدات ، ومن العجب أن مشرف الرسالة كان العلامة الشيخ عبد الله بن بيه ، الفقيه الأصولي ، والعالم الصوفي ، ومن خلال هذه المرحلة العلمية فى حياته بدأت شخصيته تتبلور بشكل دقيق ، فقد ظهر الفقيه المقارن الذى بدأ يتحرر من ضيق المذهب ، كما تبلورت شخصية الشيخ المتحرر من الفكر المحلي من خلال دراسته ( فقه الغربة ) من جانب ، ومن خلال دراسته للفكر الغربي والإسلامي .

فى هذه المرحلة ، وما بعد التخرج من مرحلة الدراسة المنهجية ظهرت ملامح الشيخ حيث طرح فكرا سلفيا مستنيرا ، وخرج من الإطار التقليدي لهذا الفكر ، وجمع فى أطروحاته الفكر السلفي ، والطرح الإسلامي المعاصر ، وتناول بالدراسة والنقاش أسباب التخلف مستفيدا من أفكار كبار المفكرين الحركيين كسيد قطب وشقيقه محمد قطب والمودودي ، وقرأ لغير الحركيين أمثال مالك بن نبي والندوي وغيرهما ، فكان طرحه متميزا ، ومع هذا فكان ذَا نكهة سلفية واضحة ، ولم يبتعد عن مقتضيات الفكر السلفي فى هذه المرحلة المهمة من مسيرته الفكرية والنضالية .

المحطة الرابعة : مرحلة الصدام ، والخروج من عالم المفعول إلى عالم الفعل ، وخاصة فيما يتعلق فى عالم صناعة الفكر والموقف ، ولهذا طرح مفاهيم جديدة حول ( الطاعة المبصرة ) ، وضرورة التعامل مع المستجدات ، فدعا إلى رفض الوجود العسكري فى الجزيرة العربية ، ورأى هو وغيره من علماء الصحوة بأن ذلك الوجود العسكري مقدمة لمرحلة جديدة ، وفى هذه المرحلة رفض الحكم المطلق ، ودعا إلى الحكم الدستوري ، ومن هنا كان الصدام عنيفا فكريا مع الواقع السياسي ، كما أنه رفض القواعد العسكرية فى السعودية وغيرها من بلاد الخليج ، فقد أنتج فى هذه المرحلة فكرا إسلاميا قد يكون قريبا من المثالية ، وبعيدا عن الواقعية ، ولكنه كان صادقا فى توجهه الفكري ، وقويا فى طرحه ، وعقلانيا فى مناقشاته ، وفقيها فى تقعيداته ، وأصوليا فى منهجيته الفكرية .

المحطة الخامسة : مرحلة المراجعة ، ودراسة المسلمات الفكرية ، فبدأت هذه المرحلة فى وسط التسعينيات من القرن العشرين بعد دخوله للسجن ( وهروبه إلى الحرية ) كما يقول الأستاذ على عزت بيجوفيتش فى كتاب له يحمل هذا العنوان ، فقد راجع الأفكار ، وناقش المسلمات ، وخرج من السجن ( المدرسة اليوسفية) ، وقد تغيرت ملامحه الفكرية ، وتطور خطابه ، ولكنه بقيت شخصيته العنيدة كما هي ، وإنسانيته المرنة كما كانت ، وازداد تمرده على الواقع ، ولكن بشكل علمي وواقعي ، وقرأ الحياة من زوايا مختلفة .
إن الشيخ سلمان العودة خرج من السجن ، وقد تغيرت الحياة من حوله ، ولكنه تطور ليكون رجلا حاضرا فى كل المفاصل ، ولم يتخلف من المتغيرات ، بل استجاب للتحديات بشكل دقيق ، فصنع فقه الهدوء مع الواقع السياسي ، ومع المعطيات الفكرية والإجتماعية ، وأسس مؤسسات إعلامية ( الإسلام الْيَوْم ) كقناة إعلامية تخاطب الجيل المعاصر بلغة سهلة وعلمية وموضوعية ومعاصرة ، كما أنه شارك فى تأسيس ( إسلام ويب ) ، بل وخطط فى صناعة قناة ( الحسين ) لتخاطب وتحاور الإخوة الشيعة باللغة الفارسية ، وشارك فى برامج إعلامية ، كانت لها تأثيرا كبيرا فى الساحة الدعوية والفكرية ، والجميع يعرف برنامجه ( لقاء الجمعة ) مع الصحفي عبد الله المذيفر ، والذى كان يذاع فى قناتي ( خليجية ، والرسالة ) ، وكان له حضور فاعل فى قناة ( MBC ) اللندنية .

لقد نجح الشيخ فى هذه المرحلة أن يتعاون مع الجميع فى داخل المدرسة الإسلامية ، بل واستطاع أن ينفذ إلى العقل العالمي من خلال خطابه المتزن ، ومن خلال افكاره الإسلامية العالمية ، ومن أفضل ما كتب حين جاءت الثورات ، وولد الربيع العربي كتابه ( أسئلة الثورة ) ، فكان كتابا ، وما زال متميزا ، وهو من القطع المتوسط ، وناقش الشيخ فى هذا الكتاب سؤلا محوريا ( الفقه السياسي ، هل يحتاج إلى مراجعة ؟ ) كما بحث فى الكتاب موضوع الثورة ، ومن وراءها ؟ وناقشها بشكل موضوعي بعيد عن الذاتية ، وسوف نتحدث عن الكتاب فى جلسة فكرية بإذن الله ، وسأكتب عنه كذلك مقالا خاصا .

لقد أصدر الشيخ كتبا كثيرة تحمل شخصية الدكتور من جانب ، وتعلمنا ملامح أفكاره من جانب آخر ، كما أنها تتحدث عن اهتماماته الفكرية ، وأولوياته الدعوية والسياسية ، بل ونعرف من خلال كتبه شمولية عالمه الفكري ، وتوازنه ، وعمق الأفكار المطروحة فى هذه الكتب ، ونجد كذلك من هذه الكتب تطوره الفكري كما ونوعا ، وما كتبه الشيخ قد تكون رسائل مثل ( دلوني إلى سوق المدينة ) ، وكتبا ليست كبيرة مثل ( نداء الفطرة ) ، و ( أسئلة العنف ) ، و ( ولماذا نخاف من النقد ؟ ) ، ولديه كم من الكتب ، كلها تصب فى المجال الفكري والعلمي والفقهي والدعوي .

يعتبر الدكتور سلمان العودة من الأقلام المؤثرة ، ومن الدعاة الذين وجدوا قبولا فى العالم الإسلامي ، ولديه تأثير قوي فى الشارع ، ولهذا تم تصنيفه أكثر من مرة من المفكرين والعلماء الأكثر تأثيرا فى العقل العربي والإسلامي ، بل وتم تصنيفه الشخصيات الأكثر تأثيرا فى العالم ، وهذا ليس غريبا عليه ، فهو شخصية جاذبة ، ولديه قوة فى الإقناع ، وتواضع غير عادي ، وتعلق بالمبادئ ، وثبات على الأفكار ، وتطور نوعي وكمي ، ومراجعة للخطاب والسلوك بشكل يومي ، واعتذار وعودة من الخطأ إن عرف الدليل ، ولهذا تعرض الشيخ من السلطات تضييقا ، ومن الخصوم حربا شعواء ، ومن الأصحاب ترددا .

تعتبر أفكاره ثورية فى الجزيرة العربية ، وإصلاحية فى العالم العربي والإسلامي ، فهو سلفي ولكنه ليس مذهبيا ، وإسلامي ولكنه ليس متعصبا ، وعربي ، ولكنه ليس عروبيا ، فهو بلا ريب من القلة الذين نجحوا فى الخروج من القفص الفكري والمذهبي ، وازداد تمسكا بالدين ، وتشبثا بالقيم الإسلامية ، واعتزازا بالهوية ، وبهذا صار من المؤثرين فى الأجيال ، وفى الذين قرأوا له ، وما زالت كتاباته هي الأولى فى الإصدار ، والسبب هو أن الرجل يقول كلمته بعلم وعدل ، وبفقه وموضوعية ، وحفظ الله هذا العقل المبدع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock