الدين و الترييةالسياسةالصفحة الرئيسية

خواطررمضانية بقلم الحاج مصطفى امباكي

خواطررمضانية

بعد السؤال الإلهي المتضمن لمعان لا تنفد ، ذاك السؤال الذي وُجِّه إلى موسى عليه السلام ، أجاب كليم الله قائلا :(هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى )
والجواب يظهر بشكل أوضح ما قلناه أمس من أن السؤال كان أشبه بالاستعتاب منه بالسؤال ، ولذلك ركز موسى في جوابه على التركيز عن علة فعله ، وهما علتان مختلفتان في بواعثهما.
فالأولى :هي أن قومه على إثره وسيلحقون به، وكأنما هو مقابل لكلمة (قومك) وما قيل فيه بالأمس من دلالات الكاف ، وكأنما يريد بذلك أنه لم يتركهم ولم يستأثر بالمقامات العلية دونهم ، وإنما وضعهم على خارطة الطريق التي سيتبوأون بها تلك المكانة العلية ، وقد قدم موسى هنا المسند إليه لأنه الجزء الأهم في الكلام ، ولأن حالتهم التي يتواجدون عليها هو الفيصل في شرعية فعله من عدمه ، لكن الذي يلحظ هنا هو الجمع بين (هم ) و(أولاء)
والعلة الثانية: (وعجلت إليك رب لترضى) وهي عبارة مناسبة جدا لخطاب الاستعتاب الذي ووجه به ، وذلك من حيث الملاطفة والتذلل ، فكأنه يقول :هاأنا يا ربي ، ما تركت قومي إلا ابتغاء مرضاتك ، وما فارقتهم بعد أن أرشدتهم الطريق إلا أن ظني غلب عليه أن ذلك أدعى لمرضاتك ، وأقوم طريقا لابتغاء وجهك، ويظهر تلطف الخطاب أكثر في لفظ(رب) فهو لفظ مختار بدقة، تدل على بلاغة الأنبياء العالية ، _وما البلاغة إلا مناسبة الكلام لمقتضى الحال_ فكلمة الرب هنا استسلام لربوبية الله ، وتوكيد لدواعي فعله ، وحذف الياء المعهود في (رب) دلت على حشرجة في الصدر وشبه تقطع للكلمات في صدر المتكلم ، إنه يشبه كثيرا حذف إبراهيم للياء في قوله (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) ما أشبه كلام الأنبياء بعضها ببعض ، ووالله إني لأجد في لطافة موقع كلمة (رب) ما لا تسعفني لغتي عن التعبير بها ، وأُجِلُّها من إرعاف قلمي فيها ، فهي شعور داخلي لاتصل إليه طاقة اللغة، وتأملوها لعلكم تجدون فيها فوق ما أشعر وأحس.(وللزمخشري رأي آخر ، يراجع في كشافه)
#تنبيه مهم:هذه الآية والتي قبلها أرى أنها تصلح كنموذج لدراسة الفروق بين البلاغة الإلهية والبلاغة البشرية في أبهى تجلياتها وهي بلاغة الأنبياء ، أو الفرق بين البلاغة العالية والبلاغة النازلة _حسب تعبير الباقلاني _، وأعدكم بأنه شيء ممكن وممتع ، فقد قرأت لأبي موسى في كتاب(شرح أحاديث من صحيح مسلم ) بأنه وصل إلى التفرقة بين كلام عائشة وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال خصائصهما الفنية، لكنه لم يصل بعد إلى التفرقة بين كلام أبي بكر وكلام عائشة، لأنهما متشابهتان في خصائص كثيرة، ويمني النفس بالوصول إلى ذلك يوما ما ، انتهى كلامه
هذا الباب طري وخصب ويحتاج إلى تأمل دقيق وممارسة لغوية متأنية، فلعل أحدنا يفتح الله عليه ما كان منغلقا على جهابذة العلم
إذ ربما أري فتى مؤخرا
ما غاب عمن قبله وعسرا

#تذكير
استنبط الفقهاء من هذه الآية أحكاما تتعلق بالاجتهاد وما يمت إليه بصلة ، ويفضل بحثها في مظانها.والله تعالى وأحكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock