السياسةالعمل والمستجدات

الكلمة وابعادها فى الإصلاح والحياة د سلمان العودة نموذجًا فك الله اسره

الكلمة وخطورتها فى التغيير . عبد الرحمن بشير
…………………………………. …………………………
قل كلمتك فامش ، عبارة انطلقت من صفوف الدعاة والمناضلين ، فكانت صيحة حق وجدت صدى لها فى كل مكان ، ورفضتها جماعات دعوية رأت فى الكلمة نوعا من ترك العمل التربوي والفكري والسياسي ، فمهما كانت المبررات ، فكانت الكلمة قوية ، وقيل أن القائل هو الأستاذ جمال الدين الأفغاني رحمه الله والذى مات مسموما ، وفى ظروف غامضة ، وقيل غيره ، ولكن السؤال ، متى كانت الكلمة بلا مسؤولية ؟

من قال كلمة حق فاستطاع أن يمشي بسلام فى عالم الظلم والطغيان ؟ ومن قال كلمة حقيقية وصادقة فى عالم الإستبداد فنجح العيش بسلام ؟ أليست الكلمة هي التى تصنع التغيير ؟ ، أليست التى تفتح القلوب ؟ أليست هي التى ترفع الهمم ؟ ، أليست هي التى تجدد الوعي ؟ ، ولهذا نؤكد بأنه لا يتم أبدًا بأن يقبل المستبد كلمة قوية وصحيحة وصائبة ، بل هو يريد كلمة منافقة ، أو منخفضة المستوى ، أو خاوية من الدسم ، فالكلمة ليست عبارة تقال بلا حساب ، فهي السبب فى دخول الجنة ، أو الذهاب إلى النار ، فالكلمة هي الشرارة الأولى لدعوة الأنبياء ( اعبدوا الله ، مالكم من إله غيره ؟ ) ، هكذا قال شعيب ، وهود ، وصالح وغيرهم ، انها كلمة واحدة ، ولكنها هزت المشاعر ، وزلزلت الكيانات ، وهدمت الخرافات ، وغيرت الأنظمة ، إنها مجرد كلمة ، ولكنها لم تكن بسيطة ، بل كانت عظيمة ، ومؤثرة ، ولهذا خاف المستبدون والطواغيت هذه الكلمة .

من قال كلمة فنجح أن يعيش بلا معاناة ؟ لماذا تم طرد الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة ، حيث عاش فيها طفولته ، وترعرع فيها كشاب قوي ، ووجد فيها قومه ؟ إنها الكلمة ، قولوا كلمة تملكون بها العرب والعجم ، ولماذا قتل نبي الله زكريا عليه السلام ؟ ولماذا حاول قوم إبراهيم عليه السلام حرق خليل الرحمن ؟ ولماذا سجن ابن تيمية رحمه الله ؟ ولماذا سجن الإمام أحمد رحمه الله ؟ ولماذا قتل سعيد بن جبير رحمه الله ؟ إنها الكلمة ، إنه الرفض لمقتضيات الواقع ، إنه تجديد الحياة بالكلمة ، إنه صناعة الحياة بالكلمة ، إنه حمل الأمانة بالكلمة ، ولهذا نعرف خطورة الكلمة فى حياة البشر .

الطواغيت لا يخافون من نافق ، أو وافق ، فالخطورة من رفض ، أو حتى سكت ، فالشيخ عبد العزيز الطريفي فك الله أسره ، لماذا هو فى السجن ؟ هل حمل الرصاص ؟ وهل قال سوى الكلمة ؟ فالخطورة ليست فى علمه ، بل الخطورة فى شخصه المتوازن ، وفى كفاحه العنيد ، وفى رفضه لمقتضيات الواقع ، ولماذا سجن الدكتور سلمان وإخوانه ؟ هل هم إرهابيون ؟ فالعالم كله يعرف وسطيتهم ، واعتدال أفكارهم ، ولكنهم قالوا : لا ، وصمتوا ، فالصمت قد يكون كلمة ، إنها كلمة لم تخرج من قلوبهم لترضي الطواغيت ، بل بقيت فى أفئدتهم ، ومن هنا ، رفض الطاغية أن يقبل الصمت ، فالصمت فى زمن النفاق جهاد ، وفى زمن الكفاح هروب من الجهاد والكفاح .

الكلمة تحمل معنى ، وتحمل مشروعا ، فالله أنزل كتابا كله كلاما ، وترك محمد عليه الصلاة والسلام من وراءه مشروعا ، كله كلام وأفعال ، وبدأت الدعوة المحمدية كلمة مكونة من جملتين ، إحداهما رفض ، والثانية قبول ، فالأولى ترفض العبودية لغير الله ، والثانية تثبت العبودية لله ، وفيهما الحرية المطلقة ، فلا حرية حقيقية إلا فى هذه الكلمة ، فلا إله يعنى لا معبود ، ولا طاعة ، ولا استسلام لأي إله مهما كان ، ومفردة ( إلا الله ) تعنى بالطاعة والعبودية والإستسلام لله وحده فقط ، هذه هي الثورة التى صنعها نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام فى النفوس قبل الواقع ، وفى الواقع المحلي قبل الواقع العالمي ، ولهذا فهم الجيل الاول هذه الكلمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ( ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها والدار الآخرة ) هذه الكلمة من ربعي بن عامر رضي الله عنه ، ولكنها تمثل خلاصة الدعوة المحمدية ، فهذا هو المشروع الذى حمله الجيل الأول للعالم ، إنها مجرد كلمة ، ولكن السامع يفهم أنها كلمة تحرر الذات من التبعية ، والوطن من الإستبداد ، والقلب من غير الله ، إنها كلمة تمثل برنامجا يحمل الحرية بكل ما تعنى الكلمة من معنى ، وماذا فعل آية الله الخميني لينصنع الثورة فى إيران ؟ ولينطلق فى إيجاد الدولة فيها ؟ إنها الكلمة التى حملتها الأشرطة من وراء البحار ،ورفعت الوعي ، وأوجدت الظروف الملائمة للتغيير ، إنها الكلمة .

لماذا خاف الأمويون من بعض العلماء دون غيرهم ؟ إنها الكلمة الحرة ، ولماذا خاف الإستعمار من بعض العلماء ؟ إنها الكلمة التى يحملها هؤلاء ، ولماذا يخاف المستبدون من بعض المفكرين والعلماء دون غيرهم ؟ إنها الكلمة فقط ، فالكلمة هي مفتاح الحياة ، وهي مفتاح الشرور ، ولكن الشعوب الحية تعرف الكلمة الصادقة من الكلمة الفاجرة ، فالسر فى صاحب الكلمة ، وليس فى رفع الكلام بلا حساب ، ولهذا قال أحد الصادقين : ارفع كلامك ، وليس صوتك ، فرفع الكلام هو فى قيمة الكلام ، ورفع الصوت يكمن فى رفع الكلام عبر مكبرات الصوت فقط ، فالكلمة فى محتواها ، وليست فى شكلها ، وقوتها فى عمقها ، وليست فى مبناها ، وخطورتها في حاملها ، وليست فى ترددها .

لقد قال عبد الله بن أبي بن سلول كلمة الحق فى العلن ، ولكنها لم تكن صانعة حياة ، وكان سيدا من سادات المدينة ، وقالها بلال رضي الله عنه فى السر والعلن ، فاهتزت لها مكة فى كل ارجائها ، ورددت معها شعابها وأوديتها وجبالها ( أحد أحد ) وبهذا استحق أن يكون مؤذن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ورافع صوت الحق فى المسجد النبوي الشريف ، إنها الكلمة ، ولكن الخطورة تكمن فى حامل الكلمة ، هل هو صادق أم هو شخص زائف ؟

لماذا خاف الناس من مانديلا ؟ إنها الكلمة ، نريد حرية واستقلالا ، فقط هذه الكلمة هي التى صنعت مشروع التحرير فى جنوب أفريقيا ، ولماذا خاف الإستعمار الفرنسي من محمود حربي فى جيبوتى رحمه الله ؟ إنها الكلمة ، لأنه قال : لسنا جزءا من الإستعمار الفرنسي ، ولماذا دخل عبد القادر الجزائري رحمه الله التاريخ ؟ لأنه قال لفرنسا : لا ، وألف لا ،إن بداية المعركة كلمة ، ونهايتها تكمن فى الكلمة ، والإنسحاب من المعركة الشريفة تكمن فى الكلمة ، فلا حياة بدون هذه الكلمة ، فالشرفاء يحملون الكلمة ، ويقبلون نتائجها ، والمتساقطون يتنازلون تدريجيا عن مقتضيات الكلمة ، فيقعون فى الأفخاخ وهم لا يدرون ، هل عرفتم سر قوة الكلمة ؟

عبد الرحمن بشير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى