السياسةالعمل والمستجدات

حكمة رمضانية ، ولكن بنكهة تربوية . عبد الرحمن بشير

لقد ناقشت القناة الإعلامية السويسرية المعروفة ( lèman ble tv ) المفكر المسلم الدكتور طارق رمضان قريبا من ربع ساعة حول التهم التى أثيرت حول الرجل فى اللحظات الأخيرة من حياته ، وهي تنقسم إلى قسمين :
أولا : تهم قضائية ، وقانونية ، ولها علاقة فيم يسمى باغتصاب بعض النساء من المسلمين وغيرهن ، وقد تكاثرت التهم حوله فى هذه المسألة حتى كاد الناس يصدقون بهذه الفرية ، ولكن القضاء الأوربي القريب من العدل ما زال يحقق بعيدا عن مطالب السياسيين من القوى اليمينية المتطرفة ، والتى تعادى هذا الشخص الذى مثل ثلث قرن صوت الحكمة والعقل والوسطية فى الغرب ، كما أن بعض الجهات التى تهتم بقضية ( إسلام فوبيا ) وجدت ضالتها فى هذه القضية ، ولكن كما ذكر الدكتور طارق رمضان فى هذه المداخلة الأولية ، وكما ذكر محاميه بأن مرحلة الخطورة تجاوز القضية ، وأن المستقبل ليس لصالح من يعمل ضده فى هذه المسألة الخطيرة ، وللحقيقة ، ليس فى الغرب إقامة علاقة جنسية مع الآخر جريمة إذا تمت بالتراضي ما بين الطرفين ، ولَم يكن أحد الطرفين قاصرا فى السن ، أو كان فاقدا لحريته وإرادته بشكل من الأشكال .

ثانيا : تهم أخلاقية ، ومتصلة بالقيم التى يُؤْمِن بها الدكتور طارق رمضان ، وهي القيم التى آمن بها ، ودعا إليها الناس ، ودافع عنها ، وحارب لأجلها ، وخاصم الآخرين للدفاع عنها ، وهي القيم الإسلامية ، ومن هنا ، فهو لم يرفض بشكل من الأشكال أن له علاقة جنسية غير شرعية مع بعض السيدات ، وأنه وقع فى الأفخاخ كثيرا مما جعله يعيش فى حالة معاناة خطيرة فى هذه المرحلة .

نحن نتفهم ، لماذا أعلن الحرب على هذا الرجل فى هذه المرحلة الخطيرة ؟ ولكن لا نفهم لماذا وقع فى الفخ وهو يعي بشكل كبير خطورة موقعه فى الصراع الفكري والثقافي ؟ وكيف وقع فى الفخ بشكل ساذج فى عالم كان فيه نجم الفكر والدعوة ؟

إن المفكر المسلم الغربي طارق رمضان يمر مرحلة صعبة جدا ، ويعانى مشاكل مركبة ، فَقَدَ شعبيته الكبيرة ، والتى تجاوزت كما هو معلوم حدود أوروبا حيث كان نجما دعويا وفكريا فى العالم كله ، بل كان مدعوّا فى كل القنوات الفرنسية والدول الناطقة باللغة الفرنسية للحوار ، وفى عديد من الجامعات والمعاهد والمراكز ، ولم يكن محاورا عاديا ، بل كان ، وما زال محاورا عنيدا ، وفيلسوفا ذا رؤية محددة ، وداعية يفهم الواقع ، ويعي دوره الرسالي ، ومن هنا ، نجح فى إقناع النخب المسلمة الجديدة بأهمية رسالتهم فى هذا العصر ، وخاصة فى الأوساط الغربية ، والتى لا تتقن اللغة العربية ، لأن الرجل لديه خبرة غير عادية فى استخدام اللغة الفرنسية التى يتكلم بها كأبنائها ، وهو فعلا من أبناء اللغة الفرنسية ، ويتقن الإنجليزية بشكل جيد ، ولديه قراءة رائعة للفكر الإسلامي ، ونجح فى اختراق العقل الغربي بشكل مذهل .

ليس من الإنسانية أن نتجاوز كل ذلك ، وليس من المعقول أن نقبل منه كل هذه الأخطاء ، فهو لم يكن شخصا عاديا ، بل كان قدوة ومثالا ، ومع هذا لم يكن ملكا ، ولا قديسا ، ولكن الشخصيات الكبيرة فى الدعوة والفكر يجب أن يكونوا على مستوى الفكر والدعوة ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ، وكانوا بآياتنا يوقنون ) ، وبهذا يمكن ، بل ينبغى أن يرتفع الداعية والمفكر المسلم بقدر المستطاع عن سفاسف الأمور ليكون سفيرا لفكره ورسالته .

لقد وقع الدكتور طارق رمضان فى الفخ مرات عديدة ، وبهذا فقد كثيرا من محبيه ومتابعيه فى الغرب وفى العالم الإسلامي ، ولكنه عندى ما زال مفكرا مسلما ، ومسلما مفكرا ، فالرجل لم يسقط فقط ، بل تراه يعيش فى معاناة عظيمة مع محيطه ، ومع ذاته ، ومن تابع دروسه الرمضانية باللغات الثلاثة ، العربية والفرنسية والإنجليزية عبر صفحته يلاحظ ذلك ، ولديه عبارة عجيبة جدا ( معاناتى تمثل لى الحرية ) ، وهذه المعاناة ليست بسيطة عليه كمسلم أولا ، وكمفكر مسلم ثانيا ، وكرجل يحمل أيديولوجية تخاصم التطرف اليميني فى الغرب ، والتطرف الإسلامي معا ، ولهذا فهو يعيش تلك المعاناة الخطيرة .

ليس سهلا أن يعيش بلا معاناة ، ولكنه ليس مستحيلا أن يستفيد من هذه المرحلة ، فهو ليس شخصا عاديا ، بل هو إنسان مركب ، يمثل الفكر ، والفكر أبقى من السلوك ، ولكن مع هذا لن يكون سهلا معه فى العيش بسلام مع نفسه فى هذه المرحلة الصعبة ، ونحن نعرف أن الإتحاه المعاكس يربط بينه كشخص مستقل ومفكر وبين المدرسة التى أسسها جده العظيم حسن البنا رحمه الله حيث تقول بعض الجهات التى تتناول قضيته ( حفيد حسن البنا ) بشكل مكرر والسؤال ، ما علاقة الرجل أخلاقيا بوالده ؟ ألم يقل القرآن بوضوح ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أليست الجريمة فى القوانين كلها فردية ؟ وكذلك العقوبات ؟ لماذا الكيل بالمكاييل حين يكون الأمر متصلا بالمدرسة الإسلامية الوسطية ؟

عشت مع الحوار بشكل كامل ، واستمعت إليه ، وناقشنا معا نحن أبناء العائلة حيثيات الحوار ، وتوصلنا بأن الرجل تعامل مع المسألة الجنسية ببراءة وسذاجة ، ووقع فى أفخاخ أعدت له مسبقا ، وتكررت هذه أكثر من مرة ، واعترف بذلك أكثر من مرة بأن لديه علاقة جنسية ، غفر الله ، واعتذر لمحبيه ، وأسرته ، ورأينا فى هذه المسألة ما يلى :

١- أن الرجل لم يكن منسجما مع ذاته ، وأنه أيضا كان متناقضا إلى حد بعيد مع رسالته أخلاقيا .
٢- لم يكن ذكيا فى التعامل مع الوضع الغربي المعقد ، فقد وقع فى الفخ أكثر من مرة ، وفى العلن مما يؤكد بأن المفكر لم يستعد مواجهة المخططات الكبرى كقائد له رؤية فى عالم لا يرحم الضعفاء .
٣- لدى كل إنسان نقاط قوة ، ونقاط ضعف ، فقد عرف الأعداء نقاط ضعفه ، واستغلوها بشكل مذهل ، ومن هنا حاولوا إخراجه من دائرة الضوء بشكل كامل .

ليست هذه المرحلة بالنسبة لمفكر كبير بحجم الدكتور طارق رمضان نهاية التاريخ ، فقد كتب أفكارًا عابرة للزمان ، وسوف تقرأ له الأجيال القادمة أفكاره دون أن تعرف كثيرا من سلوكياته ، ولكن دارسي الأفكار سوف يلاحظون فيه هذا التناقض كثيرا ، ولن يخرج المفكر عن دائرة الإنسان ، ولكنه لن يكون كما كان فى الخريطة الفكرية للشباب المسلم ( القائد الفكري ) ، بل سيبقى عندى المفكر الإنسان ، والإنسان المفكر ، والسلام على من تفهم ، وناقش ، وحاور بعقل وهدوء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى