السياسةالعمل والمستجدات

الصراع فى فلسطين بين الأوهام والحقائق . عبد الرحمن بشير

الصراع فى فلسطين بين الأوهام والحقائق . عبد الرحمن بشير
……………………………………………………………………………
إن الصراع الحقيقي فى الشرق الأوسط ليس بين خصمين سياسيين متكافئين كما يصوره الإعلام الغربي ، وكذلك الإعلام العربي والإسلامي المتأثر بالفكر الغربي ، وإنما الصراع بين الوعي المزيف الذى تم صناعته لأجل بيع الخرافات ، والوعي الحقيقي الذى تم صناعته من خلال الفكر الحقيقي للأمة .

لدينا دول وظيفية لها مهمة محددة ، وتتمثل المهمة فى حراسة النظام الذى يجب أن يكون فى صالح الإستعمار ، ولا يمكن أن تنهض الأمة من خلال الدول الوظيفية ، فلا بد من تجاوز هذه الحالة ( الوظيفية ) ، هناك مثقفون مزيفون ، وخطباء مصطنعون، ودعاة على حسب الطلب ، وإعلام يعمل فى التضليل ، وكل هؤلاء من أدوات الدولة الوظيفية ، وحتى هذه اللحظة ، ومن زمن سقوط الدولة العثمانية ، لم تنجح الأمة فى صناعة الدولة العضوية ، ولهذا يكون الإستبداد ضرورة لحراسة هذه الدولة الوظيفية .

نجد اليوم من يتحول من اليسار إلى اليمين ، ومن اليمين إلى اليسار ، ومن التدين إلى العلمنة ، ومن السلفية الحركية إلى السلفية الحكومية ، ومن التيار الرافض إلى التيار المميع ، ويتم كل ذلك حسب الإستخبارات التابعة للدولة الوظيفية ، وعندنا من يحسب أن الدولة الوظيفية مهمة ، وضرورة ، ويجب طاعة حكامها ، وكأنها دول حقيقية .

فى البلاد العربية فشل فى صناعة التنمية ، وفى إيجاد المواطنة ، وهذا الفكر انتقل إلى البلاد الإسلامية من خلال الدعاة الجدد ، والذين يتحدثون عن الدين ، وليس كقيم ورسالة عليا ، ولكن كأداة توظف لصناعة مجتمعات وظيفية ، وخلق بيئات داعمة للدولة الوظيفية ، ويربطون بين هذه الدول الوظيفية ورسالتها المحددة من خلال القوى الكبرى ، والدولة الإسلامية التى صنعها محمد عليه الصلاة والسلام ، والتى تشكلت فى البئية المحلية دون تدخل من الخارج ، وتضخمت كدولة إقليمية ، فصارت دولة عالمية لها رسالتها ، وقوتها ، وكذلك أخطاؤها فيما بعد ، ولكنها لم تكن يوما ما دولة وظيفية .

ليس من السهولة أن يفهم إنسان عادي ، ما الذى يجرى فى الساحة ؟ لماذا ظاهرة ( وسيم يوسف ) فى داخل المنظومة الدينية ؟ ولماذا يتراجع بدون قراءات عميقة ( عائض القرني ) ؟ ولماذا ظهر فجأة ( عمرو خالد ) ، واختفى فجأة ؟ ولماذا تحوّل خطاب عمرو خالد من صناعة الحياة إلى قراءة الأدعية والأذكار ؟ ولماذا مال عائض القرني من خطاب التوجيه إلى خطاب التبرير ؟ ولماذا يلعب داعية وخطيب وعالم وإمام النرد والورق فى الملاهي ؟ ولماذا وجدنا فى لحظة معينة إصدار خطاب ديني يشكك وجود الأقصى فى فلسطين ؟ ولماذا وجدنا خطابا دينيا منزوع الدسم فى الجزيرة العربية ؟ كل ذلك من نتائج الدولة الوظيفية فى زمن الرذيلة السياسية .

فلسطين قضية وطنية ، لأنها تهم الإنسان الفلسطيني الصادق ، وقضية عربية حقيقية ، لأنها تجرى فى قلب العالم العربي ، وقضية إسلامية ، لأن الصراع يجرى فى أراضى أوقفها الصحابة ، وفى القلب منها ( القدس ) وفى قلب القدس ( مسجد الأقصى ) ثالث الحرمين الشريفين ، وأولى القبلتين ، ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي كذلك قضية إنسانية ، لأن فلسطين ما زالت محتلة ، والإحتلال مدان إنسانيًا قبل كل شيئ ، وهي بلا شك قضية عادلة ، فالذين يتبرؤون من فلسطين ، يتبرؤون من روح الوطنية ، ومن الإنتماء العربي ، ومن الإنتساب إلى روح الحضارة الإسلامية ، ومن القيم الإنسانية النبيلة ، وهؤلاء الذين ينتظرون الفرصة من الدول الوظيفية ، ومن الحكومات التى ترعى الدولة الوظيفية ، فهم واهمون ، ويعيشون خارج التاريخ .

إن الشباب الذي يصنع الثورة فى شوارع فلسطين ، لا يحارب الظلم فى بلاده ، وإنما يحارب نتائج الدولة الوظيفية فى العالم الإسلامي ، فهو يحمل الحجر فى يد ، ويحمل الرسالة فى اليد الأخرى ، لأن لديه وعي حقيقي بأن نهاية الدولة الوظيفية ضرورة ، ووجودها أخطر من الظلم ، والغريب ، أن العالم صنع للشعب الفلسطيني سلطة بدون سلطات ، ولكنها قوية فى تحسين العلاقات الامنية مع الكيان ، إنها ليست دولة وظيفية كغيرها من الدول فى بلادنا ، ولكنها سلطة وظيفية لديها مهمة محددة ، وهي حراسة الواقع ، ومحاربة التغيير ، وهناك جيش من الذين تم صناعتهم فى الداخل والخارج ، وهم أعداء للتغيير .

إن الزمن ليس لصالح الدولة الوظيفية ، والسبب هو وجود وعي غير عادي فى الجيل الحاضر فى فلسطين ، ولديه مقاومة غير عادية ، وخطط غير عادية ، وعنده إبداع ، ومبادرات ، ولهذا فهذا الجيل يصنع التغيير الحقيقي فى العالم العربي والإسلامي ، ويعلم الجميع بأن فلسطين ليست وحدها هي المحتلة ، بل هناك إرادات محتلة ، وشعوب محتلة ، وتزوير للوعي ، فالذين يخافون من تزوير الإنتخابات يتعاملون مع الأعراض ، وليس مع المرض الحقيقي ، فالمرض هو التزوير الحقيقي للعقول ، والحرية الحقيقية تبدأ من تحرير الفكر من التزييف ، ويومها نبدأ معركة التحرير ، والفلسطينيون ، وليسوا كلهم ، ولكن هناك جيل جديد ظهر من وسط هذا الشعب العظيم ، وبدأ يصنع هذا الإبداع من خلال المعاناة والدماء ، فالتاريخ لا يصنع من خلال الزيف ، بل من خلال الوعي الصحيح ، فالمشاركة فى هذا هو جهاد هذا الزمن ، والمستقبل لمن يعمل فى هذا الميدان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock