السياسةالعمل والمستجدات

الحركة الإسلامية بين القطبية والترابية . عبد الرحمن بشير ( الحلقة الثانية )

الحركة الإسلامية بين القطبية والترابية . عبد الرحمن بشير ( الحلقة الثانية )
…………………………………………. …………………………………. ……………………. ………………
لقد تناولنا فى الحلقة الأولى مقدمة طفيفة ، وشيئ من السيرة الذاتية للمفكر سيد قطب رحمه الله ، والذى وصفه المفكر الكبير محمد عمارة بالمجاهد المجتهد معا ، ووصفه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله بالكاتب القدير ، والمفكر الكبير ، وذكر فى شخصيته الشيخ يوسف القرضاوي عنه بأنه مسلم عظيم ، ومفكر عظيم ، ومجاهد عظيم ، ولنا وقفات أخرى مع بعض أفكاره فى مقالات تالية ، ولكننا اليوم نقف مع الترابي رحمه الله ، تلك الشخصية المثيرة ، والمهمة كذلك ، والعظيم دوما مختلف عن العاديين فى كثير من الأمور ، وكما اختلف الناس حول سيد قطب رحمه الله ، اختلف الناس أيضا حول الترابي رحمه الله ، فهما يتفقان فى صناعة الأفكار ، وفى تحديد الأهداف الكبيرة ، وفى توجيه الناس ، وكل هذا دليل على وجود الحياة القيادية فى شخصيتهما ، فيتفقان على المرجعية ، لأن كل واحد منهما يؤمن بأن الإسلام هو المنطلق ، ولكنهما يختلفان فى التفسير والقراءة ، ويتفقان كذلك فى أنهما خرجا من رؤية حركية واحدة ( الإخوان المسلمون ) ، ولكنهما يختلفان فى دراستهما ، فالأستاذ سيد قطب رحمه الله خريج العلوم العربية والإسلامية أكاديميًا من كلية دار العلوم ، بينما الدكتور حسن الترابي رحمه الله يعتبر خريج الشريعة الاسلامية التى تعلم فى المنزل من والده القاضى ، ودارس للقانون من أرقى الجامعات محليا وعالميا ، ويتفقان فى حفظهما لكتاب الله ، ولكنهما يختلفان فى التفسير ، فالأول كتب ( فى ظلال القرآن ) تلك الرحلة الإيمانية ، والمعاناة الذاتية مع كتاب الله ، والثانى كتب ( التفسير التوحيدي ) ، تلك الرحلة العقلية ، والمعاناة الفكرية مع كتاب الله ، فقد يقترب التفسير الثانى للتفسير الأول ، ولكن فى تفسير سيد قطب روعة أدبية ، وفى تفسير حسن الترابي تجريدات هيغل ، واللغة الأصولية للعلامة الشاطبي كما يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي .

حسن الترابي المفكر السياسي
………………. ……………………
إن الجمع بين ممارسة العمل السياسي كتجربة عملية ، وبين ممارسة العمل الفكري كمعاناة ذاتية أمر صعب ، فأغلب المفكرين يميلون نحو المثالية والتجريدية ، بينما السياسيون يميلون نحو الواقعية والعملية ، والجمع بينهما ممكن ، ولكن بصعوبة بالغة ، ورأيت من الإسلاميين من أهل السنة من يجمع بينهما بحكمة ، وهم أقلية جدا مثل الأستاذ على عزت بيجوفيتش ، الفيلسوف السياسي الكبير ، رئيس البوسنة والهرسك ، والمناضل الذى كافح لأجل محافظة الهوية فى زمن الشيوعية ، وناضل لأجل تحرير شعبه ، ومن ثم نجح فى قيادة السفينة فى لحظة صعبة جدا ، ومع ذلك فقد بقي متمسكا بأفكاره وقيمه ، ولدينا كذلك المفكر المغربي الدكتور سعد الدين العثماني ، الباحث والفقيه والمفكر ، والقائد السياسي الذى صار فى هذه المرحلة الصعبة رئيسا للوزراء للمملكة المغربية ، ولكنه واجه عواصف سياسية جعلت أفكاره ومثله وقيمه فى مهب الريح ، ومن الإسلاميين الشيعة الدكتور محمد الخاتمى ، المفكر السياسي ، صاحب رؤية ( حوار الحضارات ) ، والذى أصبح فى مرحلة مهمة رئيسا للجمهورية الإيرانية ، ومن هؤلاء الدكتور حسن الترابي رحمه الله ، فهو مفكر قدير ، ولديه قراءات فكرية وسياسية واسعة ، وأصدر كتابه ( الإسلام والحكم : النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع ) حيث كتب هذا الكتاب الجدير بالقراءة فى السجن ، وغيره من الكتب ، ومع هذا فقد كان من مؤسسى العمل الإسلامي فى السودان ، وقاد تجربة الحركة فى محطات خطيرة ومهمة ، ونجح أيما نجاح فى مراحل من تاريخ العمل ، وتعرض لنكسات خطيرة فى مراحل أخرى ، وخاصة بعد تجربة الإنقاذ فى الحكم ، وهذا يحتاج إلى مقالات عدة ، ولكننا هنا سوف نقف مع المفكر السياسي فى حياته العامة ، حركيا وأكاديميًا ، سياسيا واجتماعيا .

حياة حافلة بالعطاء ، وصراعات فكرية وسياسية لا تنتهى .
……………………………………………………………………
ولد الدكتور حسن الترابي رحمه الله فى مدينة كسلا شرقي السودان عام ١٩٣٢م ، ووجد نفسه ، فى بيئة محافظة ، لأنه ولد فى أسرة متدينة ، وميسورة الحال ، وقد فقد أمه صغيرا ، وتربى تحت كنف والده القاضي ، والذى كان كذلك شيخا لطريقة صوفية ، فحفَظه القرآن بقراءات عديدة ، ودرس علوم اللغة وآدابها ، وشيئا من علوم الدين بيد والده ، وطاف معه فى ربوع السودان حيث كان قاضيا شرعيا ، وبهذا فهم كذلك شيئا من واقع السودان المعقد قبل الاستقلال ، ولديه ولع بالشعر العربي ، وحب للفلسفة ، بل وميل فطري للتساؤلات .

تلقى تعليمه الأساسي فى السودان ، وواصل طريقه نحو الحياة الأكاديمية حيث أنهى الدراسة الثانوية والجامعية فى السودان ، وتخصص فى القانون ، وتخرج من جامعة الخرطوم عام ١٩٥٥م ، ثم توجه نحو بريطانيا لنيل الماجستير منها عام ١٩٥٧م ، فانتقل بعد ذلك إلى السوربون فى فرنسا حيث نال منها شهادة دكتوراة الدولة منها عام ١٩٦٤م ، وبسبب هذه الرحلة الأكاديمية ، وتنقله بين العواصم الأوربية ، أتاحت له فهم الغرب بشكل جيد ، وتعلم اللغة الفرنسية والإنجليزية إلى جانب إتقانه للغة العربية ، وفى وقت متأخر من حياته تعلم اللغة الألمانية .

انتمى فى وقت مبكر من حياته إلى الحركة الإسلامية ( الإخوان المسلمون ) ، وصار من زعماء الإخوان فى السودان ، ولكنه فيما بعد انفصل عنها بسبب خلافات سياسية وفكرية مرتبطة حول التنظيم الدولي ، واتخذ سبيلا خاصا به ، وبالحركة فى السودان ، وأصبح بعد ذلك مدرسا فى كلية القانون بجامعة الخرطوم ، وتولى عمادتها ، فأصبح بذلك أول إنسان سوداني يتولى عمادتها ، وكانت له محاضرة حول الدستور فى العام الذى تخرج من فرنسا حيث كان مدرسا فى كلية القانون ، وحاضر حول مصير الجنوب ، ويومها بدأت ثورة أكتوبر ، ومنها كانت الشرارة الأولى عام ١٩٦٤م ، وكانت محاضرته من أسباب دفع الثورة نحو الشرارة ، وحينها بدأ الترابي طريقه نحو السياسة ، وانتقل من قاعات الدراسة إلى ساحات المعارك السياسية ، وأسس مع جمع من إخوانه جبهة الميثاق الإسلامية ، والتى كانت تحالفا سياسيا يقودها الإخوان عام ١٩٦٥م .

لقد عاش المفكر حياة عامة ، ولكنها حافلة بالعطاء الفكري ، والمشاركة السياسية المتميزة ، فقد كان شخصا غير عادي يحسن التعامل مع المطبات ، ويتقن العطاء فى المراحل المختلفة ، فقد عرفته السجون فى مراحل الحكم فى السودان ، كما عرفته المناصب كذلك ، وبهذا جمع ما بين العمل السياسي الرسمي حينا ، والعمل المعارض أحيانا ، وأتقن كثيرا فن التعامل مع المناخات السياسية الساخنة ، ولكنه لم يعرف منه أبدًا السكون الفكري أو السياسي ، بل كان حاضرا فى كل المحطات بفكره ، أو بوجوده الشخصي فى مفاصل الحياة السياسية والفكرية ، وكتب الشيخ كتابا مهما فى مجال العطاء الفكري للحركة الإسلامية فى السودان ، ومن خلاله نفهم سيرته الذاتية ( الحركة الإسلامية فى السودان : التطور ، الكسب ، المنهج ) ، وهناك كتاب آخر حاول فيه مفكر سوداني آخر تسجيل الأحداث من جوانب أخرى من حياة الدكتور والحركة ، وهذا الكتاب من تأليف الدكتور حسن مكي ( الإخوان المسلمون فى السودان ) ، وللباحث الموريتاني الدكتور محمد المختار الشنقيطي كتاب مهم حول الحركة الإسلامية فى السودان ( الحركة الإسلامية فى السودان : مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي ) ، فهذه الكتب وغيرها تمنح الباحث شيئا من تاريخ الحركة ، وعطاء المفكر سياسيا وتنظيميا وحركيا ودعويا وفكريا فى المراحل المختلفة .

مرّ هذا المفكر محطات مهمة ، وينبغى رصدها بشكل منهجي حتى نعرف قيمته الفكرية ، وعطاءاته السياسية فى كل المراحل ، وتجاوز أفكاره للحدود الجغرافية ، وما تعرض له من حروب ومعارك من الداخل والخارج ، وكيف استطاع أن يتغلب عليها ؟ وما هو مشروعه الفكرية ؟ وأين يلتقى ؟ وماذا يختلف عن سيد قطب ؟ كل ذلك فى مقال لاحق بإذن الله . نتابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى