السياسةالعمل والمستجدات

من الشذوذ الجنسي إلى المثلية…. كيف يُحَوِّرُون المفاهيم؟!

مِن المعروف أنَّ تحويرَ المفاهيم لتعديل تمثُّلات الناس لها يُعتبرُ آليةً فعّالة لتغيير المواقف والاتجاهات، فالمفهوم يحمل في طياته أحكاماً قيمية تتبلور من خلال صياغته، ومن هنا يحرص المهتمون بتغير التفكير السائد تجاه قضية من القضايا على مراجعة المفاهيم المرتبطة بتلك القضية1. والقضية التي تحضرني الآن هي ما تسمى بـ”المثلية الجنسية”.

في الخطاب الديني كان المصطلح الذي يرمز إلى العلاقة الجنسية بين رجلين هو اللواط2، وكان ممارسوها يوصفون بالشوَّاذ جنسيا وفقاً للمعايير الاجتماعية السائدة في المجتمعات المسلمة، لأن منظومةَ القيم فيها تمجُّهم وتفرض عليهم عقوبات  معنوية إلى جانب العقوبات المادية.

وبالتأمل في تطور القضية في المجتمعات الغربية ثم في المجتمعات المسلمة يمكن أن نتلمس كيف يتم توظيف آلية تحوير المفاهيم كوسيلة لتغيير التصورات والتمثلات وبالتالي تغيير المواقف والسلوكيات.

فقد تم التخلي بشكل تدريجي عن مصطلح” اللواط” المشحون دينيا وتاريخيا وعن وصف ممارسته بالشذوذ، وظهرت بدله مصطلحات أخرى مثل المثلية الجنسية في الأوساط العلمية والإعلامية؛ والمثلية تعرف بأنها توجُّه جنسي يتسم بالانجذاب الشعوري والجنسي بين أشخاص من نفس الجنس. في هذا التعريف نلاحظ التركيز على الميل الشخصي دون ذكر الممارسة، من أجل الإيحاء بأن المثلية توجه موجود في الشخص.

وانطلاقاً من هذا المنظور تحولت مقاربة القضية تدريجيًّا من زاوية أخلاقية إلى زاوية حقوقية، فبدلا من النظر إلى الأشخاص الممارسين للعلاقة الجنسية بين مِثليْن باعتبارهم شواذاً يُنظر إليهم الآن كأقلية يجب أن تتمتع بحقوقها كاملة، وفي مقدمة هذه الحقوق تمتعها بحرية تامة في إشباع رغباتها الجنسية كما يحلو لها دون قيد أو تجريم باعتبارها رغباتٍ يمليها شعورٌ طبيعي لديه. ويبدو أن المدافعين عن القضية نجحوا في المجتمعات الغربية وبدأوا يسعون على توسيع رُقعة نفوذهم في سائر مناطق العالم.

فقد أصبح مصطلح “حقوق الأقليات” الفضفاض حصانَ طروادة يُستغلُّ للتوغل داخل المجتمعات المحافظة لإحداث تغيير جذري في مواقفها تجاه ظاهرة الشذوذ الجنسي.

وفي خضمِّ هذه المعركة، تُستخدم استراتجياتٌ مختلفة في جبهات متعددة؛ فقد تمَّ توظيف بحوث علمية (نفسية وجينية) لإثبات أن المثليةَ ليست شذوذاً ولكنها رغبةٌ جبلية لدى بعض الأفراد، وأن على المجتمع أن يتقبلهم. وكانت من نتائج تلك البحوث إزالة المثلية كسلوك من قائمة الأمراض والاضطرابات النفسية سنة 1973، وذلك طبقاً للجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين. وقد حاول عدد من الدراسات إيضاً إثباتَ أن المثليةَ توجُّه جنسيٌّ يتأثر بالعوامل الجينية والوراثية، وأنها جزء طبيعي من النشاطات الجنسية لدى الإنسان3.

ومن ناحية أخرى، نُفذت حملاتٌ إعلاميةٌ ممنهجة وُظِّفَ فيها نجومٌ رياضية وسينمائية وسياسية لدفع الناس إلى تقبُّل الظاهرة : فكم من سياسي بارز وبطل رياضي مشهور أو ممثل سنيمائي محبوب أعلن فجأةً على الملأ وعلى شاشات التلفزة أنه مثلي جنسي، ليُثبتَ أن كونه مثليا لم يمنعه من احتلال مكانةٍ مرموقةٍ في المجتمع.

إن نقلَ القضية من منظور أخلاقي إلى منظور حقوقي يفتح الباب لمزيد من الضغوط على الحكومات والمشرعين لتغيير القوانيين التي تجرم “المثلية”، وتعتبرها خروجا عن نسق القيم الضابطة للحياة الاجتماعية. ومن خلال هذا المدخل الحقوقي تمَكَّن أنصارُ المثلية من تجنيد مدافعين عن قضيتهم داخلَ المجتمعات المسلمة.

وبدون مقاومة شرسةٍ يمكن أن تجتاح تلك الحملاتُ الممنهجة جميعَ السدود الأخلاقية التي  تحمي مجتمعاتنا المسلمة وتحافظ على هويتها الإسلامية. ويندرج في هذه المقاومة التشبثُ بمصطلحاتنا ومفاهيمنا الأصيلة، دون الانجرار وراء مصلحات جديدة تُفرض علينا، ضمن عملية تغييرٍ لعقلياتنا وتصوراتنا وفهومنا من أجل التأثير في مواقفنا واتجاهاتنا وسلوكيّاتنا.
سام بوسو عبد الرحمن

تياس ١٨ فبرائر ٢٠٢٠

1لمزيد من التفاصيل دور المفاهيم النفسي واللغوي انظر
PETER KING, Le rôle des concepts selon Ockham, http://individual.utoronto.ca/pking/articles/Concepts_selon_Ockham.pdf
2استنادا إلى قوله تعالى {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِين. إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُون}[الأعراف: ٨٠ – 81] وقوله عليه السلام إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط ” . ‌
3انظر:
Zietsch، Brendan P. (2008). “Genetic factors predisposing to homosexuality may increase mating success in heterosexuals”. Evolution & Human Behavior
Sommer, Volker & Paul L. Vasey (2006), Homosexual Behaviour in Animals, An Evolutionary Perspective. en:Cambridge University Press, Cambridge

المفتش : سام بوسو عبد الرحمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock