السياسةالعمل والمستجدات

الأمن__الأفريقي: تصريحات ماكرون ودلالاتها الثلاثة

الأمن__الأفريقي: تصريحات ماكرون ودلالاتها الثلاثة

‏قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه بعث رسالة إلى قادة غرب إفريقيا مفادها أنه “لن يبقى إلى جانب بلد لم تعد فيه شرعية ديمقراطية أو عملية انتقال”
‏ مضيفاً أن فرنسا ستسحب قواتها من مالي إذا سارت “نحو إسلام راديكالي”

‏* مدخل لفهم ‏استياء ماكرون.
كان من المفترض أن يكون شهر مايو هو شهر إفريقيا للرئيس الفرنسي ماكرون، وهو فرصة لإعادة إحياء نفوذ فرنسا المتهالكة في القارة، وليس فقط بين مستعمراتها السابقة، لذا كان لمؤتمر باريس لإنعاش الاقتصاد الأفريقي أهمية قصوى.

لكن الانقلاب الثاني في مالي في أقل من عام ‏كان بمثابة تذكير محرج بالقيود المفروضة على النفوذ الفرنسي، بل للنفوذ الشخصي لماكرون في المنطقة.

‏وعليه يمكن الإدراك بأنّ الحكام الاستبداديين من حلفاء فرنسا في البلدان الفرنكوفونية الأخرى سيولون اهتمامًا وثيقًا بكيفية استجابة ماكرون لأحداث مالي، وهل كراسيهم بمأمن من خطر العسكر وفئة الشباب الغاضب!

‏مدخل يفتح لنا الباب لتناول دلالات تصريحات ماكرون.

‏1- الدلالة الأولى: في تصريح ماكرون يؤكد أنّه ” لن يبقى بجانب دولة لم تعد فيها شرعية ديمقراطية ”

‏بدون مفاجأة كان البيان مزيجا من التناقض والفكاهة للمراقبين لرئيس غطى بنفوذه التلاعبَ الدستوري في ساحل العاج وتوغو وترشح حلفائه لولاية ثالثة، عطفاً ‏على تملّقه الأخير في جنازة الرئيس الراحل “إدريس ديبي” ودعمه للانقلاب الدستوري، ونجل ديبي “محمد” الذي أفقده القليل من الشرعية الأخلاقية المتبقية لديه كي يعطي محاضراتٍ للأفارقة عن “شرعيةٍ ديموقراطية”

‏لكن المتخصص يدرك أنّ هذا التناقض، ليس عن نفاق ولا الكيل بمكيالين في هذا المقام حصرياً. فالرئيس ‏الفرنسي ،ماكرون، يقصد تماماً ما صرّح به، لكنه يخاطب جمهوراً مختلفاً لا الأفارقة.

‏بتحديد أوضح، يقصد اليساريين من الشعب الفرنسي، بعدما قضى الأشهر الماضية في مغازلة اليمين ومهاجمة الإسلام والمسلمين وشعائرهم ونبيّ الإسلام، أتى دور اليسار.

‏حيث ستجري فرنسا انتخاباتها في 2022م، ونظراً لضغوط اليسار ‏المتزايدة على علاقة فرنسا مع القارة الأفريقية وضرورة مراجعة بعض جوانبها السيئة، كما هو الحال مع كل انتخابات فرنسية.

‏لذا بدأ ماكرون برواندا، ووافق ضمنياً -تقرير الخبراء اليساريين من المؤرخين الفرنسيين الذين ما فتئوا يحثّون دولتهم على الاعتراف بدوره وتقديم الاعتذار كنوع من ” شراء ‏الضمير” وهذا ما يفسّر الترحيب اليسار الفرنسي بخطوة ماكرون الأخير، بل اعتبر شجاعاً من فرنسا وخطوة إلى الأمام لمعالجة جروحها مع الأفارقة.

‏وما تصريحه عن الانقلاب الأخير إلاّ خطاباً يهدف هذه القاعدة، كإيحاءٍ أنّ فرنسا لا تزال تهتم بالقيم أيضا، إضافةً للمصالح.

‏بيد أن حقيقة استياء فرنسا تكم في إبعاد ‏العسكر للموالين لها، وخاصةً رئيس الوزراء المُقال “مختار وان” الذي لما كان ممثلاً – مؤقتاً- لمالي لدى الأمم المتحدة، أثبتت التقارير كلّها دعمه في كل تصويت الموقف الفرنسي ضد منافسيه، في كلّ قضية. وكل ما حدث أنّ الانقلاب الثاني أبعد رجال فرنسا، ويؤكد الكولونيل ” أسيمي غويتا” أنّه يملك أدلّة أن ” باه انداو” و ” ومختار وان” كانا يعملان لتحقيق أجندة دولة خارجية دون أن يذكر اسم تلك الدولة؛ ولا أظنّه بحاجة فكلنا يعرف ما هي. إضافةً إلى ما سبق، ألقى الانقلاب بظلاله أيضاً على رحلة ماكرون في رواندا، وفتح نافذة لتدخلً روسي.

‏2 الدلالة الثانية:

‏إنّه من السذاجة تصديق تهديد ماكرون بسحب قواته من مالي، أو حتى تلميح فرنسي بالخروج من مستعمراتها السابقة، التي طالما أطلقت عليها ” Chasse gardée ” بمعنى ” صيدها المحروس”.

‏وتعتبر دولة مالي مفتاح العملية الفرنسية الطموحة “عملية برخان” لمكافحة الجماعات الموسومة ب ” الحركات الإرهابية” في منطقة الساحل الأفريقي، وهي حزام من البلدان الواقعة جنوب الصحراء.

‏وتجدر الإشارة هنا أن العملية ‏في عامها(8)، ولم تحرز تقدماً، كما تزايدت التساؤلات عن حقيقة هدفها وغاية تواجدها، ففي ظل الأعوام الثمانية لم تخسر فرنسا غير 53 جيشاً، للمقارنة خسرت أمريكا في نفس المدة في حربها مع فيتنام🇻🇳 (60 ألفا) لأنّها كانت تحارب حقاً، بينما ينظر إلى قوّات فرنسا في مالي كقوات نهب واحتلال.

‏ما دفعنا دائماً إلى الاعتراض بأنّ وصف عملية برخان بأنّها “حرب فرنسا الأبدية” (France Forever War)، -الوصف الذي يوسم به حرب أمريكا في أفغانستان-🇦🇫 هو مبالغة. لأنّها حرب لا ترى نتائجها.

‏لذلك تزايدت في فرنسا ضغوط سياسية لإعادة ال5100 من الجيش ك الفرنسي في الساحل، فلا هي حققت ‏الهدف المعلن ولا غادرت.

‏وعلى الصعيدين المحلّي والإقليمي، كل ما فُهم من تهديده ” بسحب قوّاته من مالي” هو إيحاء التهديد بعودتها إلى ” استراتيجية الفوضى الخلاّقة” بتأجيج فتيل الصراع بين الجيش والمسلحين في الشمال، أو بين ” الفلان” و “الدوغون” أو بين أي أطرافٍ متنازعة في الأراضي المالية لتوحي بعد ذلك أنّ لوجودها معنى، وستنتج ‏عن غيابها كارثة.

هذه كانت -لسنين- الاستراتيجية الفرنسية مع أي حكومة غير مطيعة، فجأة تتسلح حركات التمرد بأسلحة ثقيلة، وتدخل مع الحكومة في دوامة عنف، لترجع فرنسا كوسيطة بينهما وتعطي نفسها كراعية للاستقرار في البلد. وهو ما يسمى بتكتيك ” مُفتعل الحرائق الذي يرجع في دور رجل الإطفاء”

‏* الدلالة الثالثة: هي أنّ التلميح الفرنسي ب ” خطر الإسلام الراديكالي” ترجمه الكثير بأنّه يقصد به سيطرة “الجماعات الجهادية” وهي ترجمة خاطئة.
‏إن الغرض من وراء هذا التصريح هو التخوف من تنامي نفوذ الإسلاميين من حركة خمسة يونيو (M5) وتعاونهم مع الجيش وبالأخص الإمام “محمود ديكو” الزعيم ‏الروحي والسبب الرئيس في إسقاط الحليف الفرنسي السابق ” بوبكر كيتا” في ثورة أغسطس 2020م.

‏فالقصة تتمحور حول التخوف من احتمالية ” أسلمة الدستور المالي” مقابل بقائه على “علمانيته” وهي جوهرية للسياسة الفرنسية في المنطقة، ولمؤسسات المجتمع المدني التي تعارض كل نزوح نحو أسلمة دساتير ‏المنطقة.

‏وهو موقف فرنسي أكدّه “جاك فوكار” مهندس الاستعمار الفرنسي الحديث لأفريقيا بين عامي (1960-1974م) في مذكراته حين قال ” إنّ المقاومين الإسلاميين خطر على المصالح الفرنسية، خاصةً إذا كانوا وطنيين”.

‏والمثال الحيّ الذي يذكر بهذا الصدد هو الثورة الجزائرية، فبعدما خان الطابور الخامس ‏التمرد واصطف مع جيوش المستعمر الفرنسي، رجع الشعب إلى رجال الدين الوطنيين. هكذا ولدت “جمعية علماء المسلمين” (1931-1988م) لرجل الدين المقاوم “عبد الحميد ابن باديس” ما نتج عنه خسارة “حزب فرنسا ” في الجزائر، ومن ثم خسار الجيش الفرنسي وانتصار ما عرف بثورة مليون شهيد.

‏بقي في الأدبيات ‏الفرنسية أنّ الخطر الحقيقي على المصالح الفرنسية في مستعمراتها السابقة هو “رجل الدين الوطني”.

‏على أنّ المراقب يدرك أنّ الإمام ” محمود ديكو” لا يميل إلى أسلمة الدستور في حالة مالي، إلا أنّ باريس لا تزال ترى منه خطرا، مع احتمال جنوح الدولة نحو الكتلة الروسية-الصينية كبديل لفرنسا.

‏ولجميع سبق، بدلاً من أن تلعب فرنسا ثقلها ( المهددة روسياً) بشكل مباشر، فضّلت توظيف جناحها الإقليمي ( إيكواس) المنظمة الإقليمية لدول غرب أفريقيا، ورمي الكرة في ساحة الدول الأفريقية الفرنكوفونية في “إيكواس” لتحقيق الغاية الفرنسية، والتصدي لمشروع الجيش المعارض لمصالح باريس.

‏لكن العائق أمام الدول ‏الفرنكوفونية، هي الدول الأنغلوفونية ( الناطقة بالإنجليزية) وخاصةً دولة غانا 🇬🇭، على رغم أنّها تهتم بالديموقراطية، تفضّل على أنْ تحلّ الشعب المالي والأفارقة قضاياهم داخلياً دون إملاءاتٍ خارجية، وبالتالي يمكن التنبؤ بمخرجات قمة ” إيكواس” وستكون ” إدانة حسب المبدأ، ولا عقوبات قاسية ما سيمثّل خسارةً للأجندة الفرنسية.

‏تماماً مثل ما حدث مع جلسة مجلس الأمن الدولي التي دعت إليها كل من فرنسا والنيجر.

‏حيث اعترضت روسيا على أن تكون الجلسة مفتوحة، فكانت مغلقة، وعارضت كل خطوة من شأنها فرض عقوباتٍ على مالي؛ وختمت بوصفها “إدانة” هزيلة.

‏في الختام، مهما يكن موقفنا من انقلاب الجيش الأخير، ‏وبعض النخبة في حركة خمسة يونيو ( M5) الحراك المدني الذي أسقط ” كيتا”- فإنّ القيادة في جمهورية مالي 🇲🇱 اليوم في صراع حقيقي مع المحتل فرنسا، صراع من شأنه أنْ يفتح الأمل أمام بقية دول المنطقة أو يرجعها- إن فشل- إلى خطوات إلى الوراء.

*ملاحظة: هذا المنشور عبارة عن ثريد نشرته قبل ساعات على تويتر، وأعدت نشره هنا .

‏• إدريس آيات – قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى