السياسةالعمل والمستجدات

الدبلوماسية العربية في السنغال والحلقة الضائعة! (1)

دكتور محمد سعيد باه

                          بسم الله الرحمن الرحيم
تقول الحكمة العربية الشهيرة: “أرسل لبيبا ولا توصه”.
وليس أحق بالدبلوماسي من امتلاك هذه النوعية الخاصة من الحنكة التي تسعفه أيما إسعاف كي يبلغ رسالة أمته حيثما يدعوه الواجب الوطني الذي تنتخبه لأدائه والذي يتطلب منه أن يكون واجهة حضارية رائعة وشديدة التمثيل لأمته ولرسالتها.
لا مندوحة لنا في مستهل هذا المقال من أن نوضح قضية جوهرية، وهي أن الدبلوماسية العربية في السنغال، ليست شأنا للدول التي تمثلها هذه البعثات في هذا البلد فحسب، لأننا معشر الشعب السنغالي، نلمح وراء كل سفير عربي ملامح تلك الشعوب التي نكن لها كل الحب والتقدير ،؛ونشاطرها الآلام ونقاسمها الآمال، ويكاد العامة منا أن يضفوا هالة من القداسة على كل من لبس الجلباب الأبيض من العرب ، وقد نلحق بهم الأتراك والفرس وعامة أهل آسيا من المسلمين. (2)
ثم للبيان ، ليس الهدف من هذا المقال تجريد السفارات العربية المعتمدة في دكار من كل مكرمة ، وبالتالي أن نلصق بها وبالعاملين فيها كل منقصة، على غرار ما يحلو للبعض أن يفعل مجانفين لإثم، وإنما نسجل هذه الملاحظات من باب الغيرة والحدب على أقوام تشدنا إليهم وشائج القربى العقدية والحضارية ، عمرها اليوم ألف سنة أو يزيد ، لعلنا بذلك ننبه غافلا أو نذكر ناسيا، وربما شددنا أزر حازم يشكو من قلة النصير، وفقهاؤنا (عليهم رحمات الله) كانوا يطبقون بذكاء قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم): “إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث”! (3)
فلنطرح هنا سؤالين يمثلان مفتاح ما نصبو إليه من محاولة التجلية:
ما نسبة الحصافة والقدرة على التواصل، بعد كسر الحواجز واختراق الحجب، لدى الدبلوماسي العربي المعتمد لدى السنغال؟
أيمكن القول بأن لدى هؤلاء المرسلين قدرا كافيا من الذوق الرفيع والسلوكيات الدبلوماسية المستمدة من الإرث الضخم ، الذي تعج به حضارتهم في ميدان السفارة
يمزجونها بالحرفية المصقولة لنسج تلك العلاقات كي تكون لهم مراكب يبحرون بها إلى كل صقع يدعوهم الواجب إلى أن يقصدوه؟
جذور وتطور الحضور الدبلوماسي العربي في السنغال
حتمت قوة الترابط بين الأمة السنغالية، التي تتجاوز نسبة المسلمين فيها 95%، وبين أخواتها العربية، مسارعة الدول العربية التي كانت تتمتع بما يسمى، في عرف القانون الدولي، بالسيادة الدولية، إلى الاعتراف بالجمهورية الوليدة واحتضانها ، ما جعل بعضها يحث الخطى لفتح سفارات لها في السنغال، وكان من أوائل تلك الدول جمهورية مصر العربية التي فتحت أبوابها سنة 1961م أي بعيد استقلال السنغال بفترة وجيزة وجاء ترتيبها الثاني بعد الجمهورية الفرنسية، ثم المملكة المغربية التي تلتها الجمهورية اللبنانية والتي جاءت بعدها المملكة العربية السعودية ؛ ثم توالى وصول البعثات الدبلوماسية العربية إلى دكار حتى أصبح عددها اليوم (17) من بينها (6) تابعة للدول الخليجية، وآخر البعثات الدبلوماسية العربية وصولا إلى دكار هي الإمارات العربية المتحدة التي تحمل رقم (100) في قائمة السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الحكومة السنغالية، ولا ينقص القائمة كي يكتمل العدد سوى المملكة الأردنية الهاشمية ودولة البحرين. (4)

الدبلوماسية الناجحة من المنظور الإسلامي:
وقبل أن ندلف إلى تضاعيف الموضوع ، قد يفيد أن نقول كلمة ولو مقتضبة عن السفارة التي هي العنوان الرئيس لفن الدبلوماسية في النهج الإسلامي الأصيل:
قلت في مناسبة سابقة، وكنت أتحدث عن تلك العلاقة الحميمة الرابطة بين الدبلوماسية وبين الأدب:
“… لأن ثمة علاقة جد وثيقة بين البحرين (الأدب والدبلوماسية) حيث الدبلوماسية في جوهرها فن ، كما الأدب في أصالته تواصل، ويقومان كلاهما على الحصافة في أصولهما وعلى الذوق الرفيع في فروعهما قبل أن يكونا وظيفة تمارس أو واجبا يؤدي أو عبارات ترص وتصف، على نحو من الأنحاء”. (5)
على هذا المنحى الدقيق نتوق إلى تناول ما يعتبره الكثيرون من المهتمين بالشأن العربي الإسلامي في السنغال، معضلة تستحق منا العناية والرصد ، وصولا إلى محاولة تصحيح ما في الأمر من اعوجاج تتسع دائرة انعكاساته، وهي المعضلة التي نستطيع التعبير عنها بالدبلوماسية العربية في السنغال والجوهرة المفقودة، وبعبارة أخرى مصاغة على شكل تساؤل قلق: وما هي وأين تلك الحلقة الضائعة؟
قد يكون أفضل درس في الدبلوماسية الحضارية، بعد سفارة جعفر الطيار الذي أفشل خطة أذكى سفير عرفته العرب وهو عمرو بن العاص (6)، هو ذلك الذي نهض به ربعي بن عامر من خلال ذلك التلخيص الرائع الذي قدمه عن رسالة الإسلام الحضارية حين سأله قائد الفرس الشهير رستم عن مخرج العرب من جزيرتهم في موقف مهيب ، كثيرا ما يقفه السفراء وهم يؤدون رسالة أمتهم لدى الدول والشعوب:
“لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ».
والمثال الآخر في الدبلوماسية الناجحة في خدمة المصالح العليا لأمته التي ابتعثته، يقدمه لنا الصحابي الجليل عبد الله ابن حذافة السهمي، الذي قال عنه الفاروق يوم فك ربقة جيش بكامله وعاد بهم من الأسر إلى دار الإسلام: “حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله ابن حذافة وأنا أبدأ بذلك”. (7)
وفي هذا المقام تحضرني قصة المحامي الأمريكي هيوستن الذي تقول الرواية بأنه استطاع فصل ولاية تكساس عن المكسيك ثم ضمها إلى الولايات المتحدة وكل رأس ماله خطاب رئاسي في حقيبته، ثم اتكل على ما آتاه الله من حنكة مكنته من غزو العقول والعواطف وظروف الحرب التي كانت مواتية، حتى مال شعب بكامله إلى اتخاذ قرار مصيري بحجم الانفصال عن البلد الأم للانضمام لآخر ، دون أن يضطر إلى إطلاق طلقة نار واحدة.

مكامن القصور في الدبلوماسية العربية:
قبل الحديث عن نقاط القوة والفرص الجيدة التي تملكها الدبلوماسية العربية في السنغال، نستعرض على عجل بعض النقاط التي تشكل ما يراه البعض مواطن الضعف في أداء هذه الدبلوماسية:

  1. إهمال أو تجاهل أهمية الدبلوماسية الشعبية التي يجب أن ترتكز على التواصل النشط ، بما يمكن من الوصول إلى عمق المجتمع .. وبالتالي التفاعل مع كل القوى المجتمعية المنظمة، ثم أدى هذا التقصير إلى قيام آخرين باستقطاب تلك القوى لخدمة مشاريعها ، وربما نجحوا في تأليبهم على العرب ولو من باب المعاكسة والمشاكسة.
  2. القصور، وربما التقصير، في استثمار كثير من العوامل يمكن أن تشكل جسورا قوية لإعطاء القضايا العربية رديفا قويا لا يمكن أن يحلم به أي تمثيل دبلوماسي آخر في السنغال، من أهمها وجود جاليات عربية كبيرة ونشطة ومؤثرة في الحياة الاقتصادية في السنغال، وعلى رأسها الجاليتان الشامية والمغربية.
  3. الغياب الثقافي، رغم انتشار اللغة العربية ورديفتها المتمثلة في الثقافة الإسلامية المتجذرة، ورغم تعلق الشعب السنغالي بأهداب اللغة العربية وثقافتها والاستماتة في الدفاع عنها، يلاحظ قصور بين لدى الدبلوماسية العربية في بعض الجوانب في احتضان هذه الجهود الجبارة التي يقوم بها الأهالي ، مؤسسات وأفرادا في وجه مؤسسات ودول تستميت في خدمة لغاتها وثقافاتها رغم قلة الإقبال، وربما وصل الأمر إلى الإدبار والمقاومة المستميتة،  مقارنة بالعربية؛ يكفي أن نذكر بأنه في مقابل المراكز الثقافية الأخرى الكثيرة لا يوجد في طول السنغال وعرضها مركز ثقافي عربي واحد ، ولقد وئدت المحاولة اليتيمة حتى الآن في مهدها، والتي تتمثل في مشروع مركز صدام حسين الثقافي.
  4. الضعف الإعلامي، يبدو أنه ينتهي دور معظم السفارات عند مستوى وجود مترجم، لرصد أقوال الصحف، وفي هذا السياق تندرج شكاوى السفير الفلسطيني السابق أثناء العدوان الصهيوني على غزة من الطريقة السلبية التي تعاطت بها الصحافة السنغالية مع القضية الفلسطينية. (8)
    ينضاف إلى هذا النقص الملاحظ في مجال التواصل الذي يعكسه الجهل المطبق لدى أغلبية السفراء والعاملين في التمثيليات العربية باللغات الوطنية المنتشرة في البلاد
  5. ضعف سياسة الاستقطاب لدى معظم السفارات العربية، فبدلا من البحث عن الكفاءات العالية والقدرات المتميزة التي يمكن التعويل عليها في بعض النقاط على المستويين السياسي والاجتماعي، نلاحظ التركيز على العناصر الضعيفة من النوع الطفيلي، عند اختيار من يتعاملون معهم سواء بالتوظيف ، أم بالتواصل العام.
  6. نموذج الحفلات التي تنظمها بعض السفارات العربية في بعض المناسبات كالأعياد الوطنية ، والتي تحولت في معظم الأحوال إلى مجرد ولائم لا يقصدها سوى من يبحثون عن أفضل ما ينتجه المطعم العربي من شهي المطعومات ولذيذ المشروبات، دون أن يكون ذلك فرصة للتعارف والتواصل فيما يعود على الشعبين والبلدين بالمنافع التي يجب شهودها حين تتحرك الدبلوماسية بذكاء وحصافة وقدرة.
  7. ثمة مأخذ آخر يتمثل أساسا في التعامل الخشن الذي يلقاه المراجعون لبعض هذه السفارات ، فالتصور الذي كان ينطلق منه السنغالي إلى وقت قريب، وهو يقرع باب أية سفارة عربية في العاصمة السنغالية ، هو أنه ذاهب إلى بيت يسكنه الأحبة ثم ينتظر أن يستقبل بالأحضان، لكن كثيرا من هؤلاء يشكون اليوم من خيبة أمل بسبب خشونة المعاملة وجلافة بعض الموظفين فيها.
    كي تتضح الصورة التي نريد رسمها فلنختتم هذه النقطة بعقد مقارنة سريعة وبسيطة بين سياسات وأداء التمثيليات الدبلوماسية العربية في السنغال ، وبين سفارتين تصنفان على أنهما من خصومها، وهما السفارتان الصهيونية والإيرانية.
    وفي هذه النقطة أخذ السفير الصهيوني في السنغال يسعى إلى كسر كثير من الحواجز بنجاح كبير نسبيا، بلغ حد المفارقة حين أشرف بنفسه على تنفيذ برنامج لتوزيع الأضاحي بمناسبة العيد الأضحى؛؛ ومن الشاشة الفضية أطل على الشعب السنغالي وهو يخاطبه بلغة ولفية مفهومة، ثم دفع الموضوع إلى مستوى التحدي حين قال بأنه ليس أمامه في السنغال مكان لا يستطيع الوصول إليه. (9)
    في النهاية، يبدو لنا أن الجوهرة المفقودة في أداء الدبلوماسية العربية في السنغال، تتلخص في إهمالها، أو عدم التوظيف الكافي، ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية التي تتنافس الأمم القوية اليوم في بناء إستراتيجياتها الدبلوماسية على دعائمها مما يجعلها تخصص مكانة معتبرة للمؤسسات الأهلية البريئة والمشبوهة منها على حد سواء ، في سياساتها التي تتعاطى من خلالها مع الدول التي تستضيف بعثاتها الدبلوماسية.
    والنموذج الأقرب إلينا في هذا الباب يتمثل في فيالق المتطوعين من الأمريكان واليابانيين الذين دأبوا على إحياء سنة إرسال أولادهم إلى مجتمعات يفرق بينها وبينهم كل شيء تقريبا، لكن الإصرار على أداء رسالة لأممهم، قبل أن تكون، وربما لن تكون، في مصلحة أولئك الأهالي الذين يستضيفونهم في تلك القرى النائية بكل سخاء، تجعلهم يتسورون المحراب ويكسرون حواجز اللغة والعادات والدين والثقافة حتى ينفذوا إلى أعماق تلك المجتمعات الصغيرة التي لم تكن منذ أعوام فقط قد سمعت باسم اليابان ولا كولورادو ، لكن حين تأتي لحظة الرحيل يذرف الجميع دموع ألم الفراق ويعانق بعضهم بعضا.
    مع هذه الحقيقة الجوهرية، فلا يحسن أن نعزو النجاحات التي يقال بأن بعض السفراء، ممن يمكن وصفهم بأنهم معادون لوجود الدبلوماسية العربية الإسلامية في السنغال، إلى مقومات ذاتية وقدرات من النوع الخاص ، بقدر ما يجب أن ننسب ذلك إلى الفراغ الناشئ في الساحة عن غياب الدبلوماسية العربية .. أو، إذا آثرنا أن نلطف العبارة،  قلة فاعليتها.

    فرص الدبلوماسية العربية في السنغال:
    رغم القصور الذي نحن بصدده هنا، فإن الدبلوماسية العربية تملك في قلوب الشعب السنغالي رصيدا ضخما من التعاطف ما لا يمكن أن تحلم به أية سفارة أخرى مهما كان حجم ما تملكه من وسائل وفعالية ما تستخدمه من المهارات في مجال فنون التواصل، لكن للأسف فهذا العمق الاجتماعي والثقافي لا يتم توظيفه واستثماره بصورة ذكية وفي إطار إستراتيجية متكاملة مبنية على رؤى سديدة مع طول نفس في مجال مد الجسور بين الشعوب مما يؤدي إلى تبادل المنافع.
    في هذا المجال (الدبلوماسية الشعبية) تملك الدبلوماسية العربية خمس قنوات لو أحسنت استثمارها من خلال قوة البث لحققت لدولها وللشعب السنغالي مكاسب فوق ما يمكن تصوره، ونجملها في النقاط التالية:
    البعد الديني، يدفع عمق التدين لدى أغلبية الشعب السنغالي، يدفع هذا العامل إلى شدة التعلق بالعرب والحرص على مصالحهم ، وبالتالي الاستعداد لتقديم كل ما يستطيع أو يملك في هذا السبيل، لكن شريطة أن تحسن العرب تفعيل هذا العنصر على غرار ما فعله جمال عبد الناصر في فترة من الفترات ، وأحسن منه دور الملك فيصل (رحمه الله ورضي عنه). (10)
    قد لا يكون بعيدا أن تكون هذه السياسة هي التي أثمرت موجة التعاطف العارمة تلك، حيث ما زلت أذكر وأنا غض الإهاب، صور القلق المرتسمة على الوجوه والمشاعر الفياضة التي كان الناس يتابعون بها الحروب العربية الإسرائيلية في الثمانينات من القرن المنصرم، يوم كانت وسائل الإعلام شحيحة ، بحيث تأتي الأنباء نتفا مشوهة ونحن في تلك الأصقاع النائية ، وكأن المعارك تقع على تخوم ديارنا ، يومها كنا صغارا نرى العبرات تسكب حين تدور الدائرة على العرب وترتفع الدعوات الحارة إلى عنان السماء لاستمطار النصر ، ثم تنفجر المسرات حين يبشرون بجولة ظافرة خاضها إخوانهم، وتجدد هذا المظهر يوم انهالت الآلة الصهيونية العمياء على أهل غزة تقتيلا وتدميرا.
    العامل الاقتصادي : ويتمثل في حجم المساعدات التي تقدمها الدول العربية للدولة السنغالية، والتي تفوق أية مساعدة أخرى من حيث الحجم والشروط الضامنة للكرامة ، والمحققة للمصلحة، لكن غياب أو ضآلة عامل الدعاية يجعلها لا تأخذ حجمها الطبيعي والمناسب لها، لا على المستوى الرسمي من حيث العائدات ولا على المستوى الجماهيري من حيث التفاعل والثناء الحسن.
    العامل الجغرافي، مع أن وسائل الاتصال التكنولوجية الحديثة، التي تزداد قوة وتأثيرا، لها وزنها في الحركة الدبلوماسية وتحريك خيوطها الخفية، سيبقى للحقائق الجغرافية ثقلها باعتبارها واقعا لا يمكن التحكم فيها من حيث التواصل وتبادل المصالح بين الشعوب، ومن هذه الزاوية تمثل حقائق الأرض والتاريخ والعنصر البشري، والتي تندرج كلها في خانة الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية، عاملا مهما في جعل العلاقات العربية السنغالية، باعتبار السنغال، هذه النقطة المتقدمة، بوابة واسعة للتوغل العربي باتجاه الجنوب بالمحاور الثلاثة: ثقافة، واقتصادا ، وسياسة.
    العامل البشري، المتمثل في الأجيال المتلاحقة من الكوادر العلمية التي تم تكوينها في مختلف المؤسسات الأكاديمية العربية منذ ما يربو اليوم على (70) سنة وبشكل متواصل ومتزايد؛ وهؤلاء يحتلون اليوم مساحة واسعة يستطيعون من خلالها التأثير بعمق في المجتمع السنغالي ، ويملكون مواقع متقدمة بسبب الدور الحيوي الذي يؤدونه في مختلف المجالات في الاقتصاد ، والدين والثقافة ، والاعلام.
    وحتى وزنهم السياسي قد أخذ يتبلور في الآونة الأخيرة.
    المؤسسات الإنسانية
    الإسلامية:
    تؤدي هذه المؤسسات منذ أن بدأت أعمالها في السنغال في الثمانينات، دورا تنمويا مقدرا مع التركيز على المجتمعات الأساسية ، وفي قطاعات اجتماعية حيوية؛ وتتميز بأن نشاطها لا ترتبط بأية شروط ليست في صالح المجتمعات التي تعمل في أوساطها كما تلجأ إلى ذلك مؤسسات أخرى، وتصل مباشرة إلى المحتاج. (11)
    توصيات لاستنهاض الهمم:
    لحسن استثمار ما نتقدم به من مقترحات يجب أن نستوعب بأن ثمة مؤشرا أساسا هو الذي يحكم نظرة وموقف جمهور الشعب السنغالي من السفارات العربية في السنغال، ألا وهو البعد الديني وبالأخص عندما يتعلق الأمر ببعض الدول التي لها طابع وزن خاص لدى الشعب السنغالي.
    وفيما يلي بعض الأفكار التي قد لا تتسم بالجدة لكنها قد تساعد في بلورة رؤية جديدة:
    أولا، صحيح أن رأس الدولة وأجهزتها المتخصصة، تمثل العنوان الكبير الذي يتوجه إليه السفير في أداء مهمته، وهو بعد يزداد طغيانا مع المنظومة السائدة للدولة المعاصرة القائمة على النموذج الغربي، لكن حصر الرسالة الدبلوماسية في بعدها الرسمي، بسبب نسيان أن الشق الشعبي يمثل الغاية الأساسية من أية مهمة دبلوماسية، يجب أن يعتبر خللا في الفهم والممارسة لا بد من العمل على تداركه.
    ثانيا، ليس من المفيد الاكتفاء برصد تحركات السفارات الأخرى وبمن تتعامل وأين ذهبت ، إذا لم يتحول ذلك إلى مادة لبناء إستراتيجية دبلوماسية لرسم الأهداف وللوصول إلى إحداث التأثير المطلوب.
    ثالثا، النظر في توظيف الفعل الاقتصادي العربي الذي لا يتناسب أبدا مع الحضور الدبلوماسي في المسارات الموازية، رغم أننا نستهجن الدعاية الفارغة التي تلجأ إليها بعض الدول، فإن تسليط الأضواء على الجوانب المضيئة في الحضور العربي وأدائه في السنغال قضية بالغة الأهمية ، ليس للدول العربية فحسب وإنما للشعب السنغالي المسلم كذلك.
    رابعا، اعتبار المؤسسات الإسلامية العربية العاملة في مختلف مجالات العمل الإنساني رديفا وبالتالي التشبيك معها، بدلا من اعتبارها عوامل إزعاج إلى مستوى كتابة تقارير عنها والعمل على محاولة محاصرتها وإرباك مشاريعها.
    خامسا، الاهتمام بالوسائط الثقافية التي تمثل البنية التحية لمظاهر الوجود الإسلامي العربي في السنغال، حيث يفرض حجم وجود الثقافة العربية الإسلامية العمل على إيجاد مؤسسات تعنى برعاية وتنمية هذا الوجود ، (مكتبات عامة، مراكز ثقافية، معاهد متخصصة، دور نشر، تنظيم تظاهرات فكرية وثقافية …).
    سادسا، القيام بمراجعة شاملة لنوعية الدبلوماسيين الذين سيرسلون لاحقا إلى السنغال من خلال الأخذ بالاعتبار العوامل الجيوسياسية – الثقافية – الاجتماعية، وبعبارة أخرى ألا يكونوا مجرد موظفين لا تتجاوز مهاراتهم ختم الجوازات ولا يعدو دورهم في إدارة العلاقات العامة والاصطفاف على بوابة سكن سعادة السفير لاستقبال المهنئين في الأعياد الوطنية.
    سابعا، العمل على تفعيل فكرة الدبلوماسية الشعبية التي تمثل أرضية جيدة بالنسبة للسفارات العربية في السنغال لا يملكها غيرها من السفارات الأجنبية، ومع ذلك فهذه الأخيرة تجد من قنوات التواصل ، رغم كثافة الحجب الثقافية والفكرية، ما توظفه للوصول إلى عمق المجتمع السنغالي الذي ظل يتمنع عن أي تواصل نشط لاختراق صفوفه عبر قواه الفاعلة.
    فحين نهيب بالدبلوماسية العربية لمزيد من الاندفاع في علاقاتها ، واتخاذ مواقف أكثر قربا من الشعب السنغالي الذي يمكن أن يحتضنها ، نراعي عاملين مهمين:
    أولا، وجود مقومات ومرتكزات هي بمثابة خصوصيات تنطلق منها هذه البعثة أو تلك طبقا لثوابتها وأعرافها المستقرة في مجال ممارسة العمل الدبلوماسي ، وبالتالي تتحدد سلوكياتها على ضوء ذلك بحيث لا نستطيع اللجوء إلى المقايسة بين مختلف البعثات الدبلوماسية المعتمدة في البلد الواحد، لكن ذلك لا يعفيها من تقديم قراءات صحيحة ومعمقة لمرجعياتها عن الواقع الخاص الذي تحتك به عن قرب ومتطلبات هذا الواقع.
    ثانيا، الوقوف على مسافة كافية من المسائل الشائكة التي قد يسعى بعض أصحاب المصالح إلى توريط الدبلوماسية العربية فيها ، نقول هذا رغم ما نعرفه عن كثير من الدول العربية من الحرص على الابتعاد عن النهج الوقح الذي تتبعه بعض التمثيليات الدبلوماسية الأوروبية ، مثل التدخل السافر في القضايا الداخلية للدولة ، على شاكلة الموقف الذي اتخذه السفير الألماني حين وجه دعوة إلى المرشحين للانتخابات الرئاسية الأخيرة كي يقدموا رؤاهم لحل مشكلة “كاز مانس” في جنوبي السنغالي. أو السفير الفرنسي الذي يتدخل فى كل صغيرة وكبيرة من قضايانا المصيرية
    يتطلب تفعيل الدور الإيجابي الذي على الدبلوماسية العربية أن تنهض به، التغلب على العجز عن تعبئة وتوظيف العواطف الجياشة لدى الشعب السنغالي تجاه المقدسات الإسلامية ، وبالأخص الحرم الثلاثة، وهي العاطفة المشبوبة التي ظل القوم يعبرون عنها بمختلف الصيغ وأنماط التعبير، كان الحجاج السنغاليون لا يرضون أن يحجوا دون المرور بالقدس والأقصى الشريفين، وهذا ما يفسر وجود مئات المدن والقرى والأحياء تحمل أسماء هذه المقدسات الثلاث!
    وفي مقابل هذا نجد الآخرين يستميتون في توأمة مدنهم وقراهم مع المدن والقرى الإسلامية السنغالية سعيا إلى استمالة القلوب توصلا بذلك إلى كسب المواقف.
    لم تكن هذه الكلمات، حتى ولو بدت بأنها نقد اتسم بقدر من الحدة في النبرة، سوى دعوة حارة إلى أناس نكن لهم كل حب وتقدير، وقصدنا، أولا وأخيرا، أن يتحركوا بقوة وفاعلية للمزاحمة في وسط هذا المعترك الذي لا محل فيه للكسالى ولا للغافلين، معترك الدبلوماسية النشطة، قصد إيصال صوت أوطانهم ، وإعادة رسم صورتهم المشوهة لدى قطاع عريض من الرأي العام السنغالي حتى تتضح ملامحها الطبيعية لتعود جذابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى