الدين و الترييةالسياسةالصفحة الرئيسية

الأمة بين التيه والتجديد .عبد الرحمن بشير

الأمة بين التيه والتجديد .عبد الرحمن بشير
…………………………………………………. ………………………………………
الذين يعيشون بلا فكرة ، يبقون بلا مشروع ، والذين يعيشون بلا مشروع ، يبقون بلا هوية ، فهم مع الجميع ، ويعملون مع الجميع ، وينتظرون من الجميع الحلول ، لأنهم توقفوا عن الاجتهاد من وقت بعيد .

هناك من يخاف من إبداء الرأي ، ومن تسجيل الموقف ، ذلك لأنه يريد أن يعيش تحت مظلة الآخرين ، فهو يدّعي حسنات الناس ، وينشر أخطاء الناس ، ومثل هؤلاء لا يبنون مجتمعا ، ولا يقيمون مشروعا ، بل سيبقون طويلا تحت عباءة الآخرين .

لدينا من يتبنى مشروع العمل تحت العباءات ، ويحسن الإستفادة من مشاريع الآخرين ، ويتقن فن التسول الفكري والسياسي ، والشحاذة باسم الدين حينا ، وباسم مصلحة الوطن حينا آخر ، فهو بلا مبادئ ، وبالتالي بلا مواقف ، ومثل هذا ، لا يستحسن أن يعمل فى النضال ، لأنه يحسن العمل تحت الطاولة ، ولا يفهم العمل فى الضوء ، ولهذا فهو يريد حركة سرية بلا عنوان ، وقواعد تعمل معه بلا عقول ، ومجالس دائمة الجلسة بلا نتائج ، ونقاشات حادة بين الأنداد لا ترى النور ، فهم يناقشون قضايا الدولة الإسلامية التى لم تولد بعد ، ويتركون قضايا الشعب الذي يعيش تحت الإستبداد ، وينتظرون خروج المهدي ، ولا يعملون لإخراج الناس من التبعية ، فهؤلاء يحاربون التجديد باسم الدعوة ، والانفتاح باسم الإنضباط ، والوطنية باسم الدين ، والحريّة باسم المصلحة ، يا ليتهم بقوا فى بيوتهم ، لأنهم خُلقوا للهامش ، وجعلوا الدعوة فى الهامش ، والحركة بدون فعل وفاعلية .

هكذا هي سنة الحياة ، فالفكرة تُنتج ، وتشب ، وتشيخ ، وتنتهى ، وكذلك المؤسسات الفكرية والسياسية ، بل وهذه السنة عامة حتى عند الدول والشركات ، كل شيئ قابل للزوال ما عدا الوحي ، فهو جاء للبقاء ، ومنه يصنع المسلمون الأفكار الجديدة ، ولكن البعض يخلط ما بين الأفكار والوحي ، ولهذا يقدسون الفكرة مع الوحي ، فيسكنون مع الزمن ، وتتعطل فيهم أدوات التفكير ، فيتوقف الإجتهاد لديهم ، وتشيخ الحركات والدعوات وفقا لهذه السنة ، ومن هنا نرى أن الحل هو تجديد الفكر ، ومحاربة السكون حتى لا نشيخ قبل الأجل ، لأن بعض الحركات والمؤسسات والدول تشيخ مبكرا ، وتموت بسرعة ، بينما بعض الأحزاب والدول تنجح فى إطالة العمر وفقا للسنن الكونية .

نعيش اليوم زمنا جديدا ، وينبئ بأن لحظات فكرية جديدة بدأت تلوح فى الأفق ، وتنتهى مرحلة من مراحل الفكر ، وتنتهى معها آمال وآلام لنبدأ مرحلة جديدة لها آلامها وآمالها ، ولها رموزها ورجالها ونساؤها ، فقد انتهت مرحلة الصحوة والغفوة معا ، ونحن الآن أمام مرحلة اليقظة والنهضة ، وهذه المرحلة لا تحتاج إلى حماس فقط ، أو إلى أعمال بدون خطط ، بل هذه مرحلة بناء الفكر التخطيطي ، والإستراتيجي ، ولهذا سنحتاج فى هذه المرحلة إلى خطاب نوعي غير مكرّر .

منذ أن طرح الأستاذ عبد الرحمن الكواكبي مشروعه الفكري فى كتابيه ( طبائع الإستبداد ، ومصارع الاستعباد ) وكتابه الآخر ( أم القرى ) ، وتقدم البنا مشروعه العملي القائم على تلك الأفكار ، والذى استلهم فيه مشاريع من سبقه من مفكرين وعلماء وقيادات ، وتكوينه لجماعة حركية وسياسية مبنية على الفكر الإسلامي ، ومنذ ذلك الحين ينتشر الفكر الإسلامي ويزداد قوة حينا ، ويفقد القوة أحيانا ، ولكنه لا يتوقف عن العطاء ، ومن هنا نجد التجديد من بعض محطاته ، والتكرار فى بعض المحطات الأخرى .

إن المرحلة الحالية تتطلب اجتهادا نوعيا وكميا ، فبعض المسائل التى أٌشبعت فيها بحثا كمسألة ( شمولية الدين ) ، ومسألة ضرورة ( تطبيق الشريعة) قد أخذت من المفكرين والعلماء وقتا كافيا ، فنحن اليوم نحتاج إلى طرح مسألة تنزيل الشريعة كأحكام فى أرض الواقع ، وتطبيق قواعدها وأحكامها فى الدولة القطرية الحديثة ، وفهم الجهاد فى زمن المعاهدات الدولية ، ودور المرأة المسلمة فى زمن العولمة ، وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها من الدول ، ومسألة الأموال التى تحولت من الأوراق والنقود إلى النقود الرقمية ، كل هذه المسائل الدقيقة تحتاج إلى اجتهادات جديدة ، ليست فى قراءة النصوص فقط ، بل إلى قراءات جديدة ومركزة فى فهم الواقع من جانب ، وفى تنزيل الفهم إلى الواقع الجديد الذى بدأ يتكون بشكل غير عادي .

لدينا من يعيش فى الزمن الماضى بهمومه ، وآلامه ، وآماله ، ويعيش مع الرموز الفقهية والفكرية فى معاركهم التاريخية ، ويتبنى أفكارهم فى زمن آخر ، ولكنه لا يفقه أن الإشكالية ليست فى الثروة الفكرية والفقهية التى نحتاج إليها فقط ، ولكن الإشكالية فى المنهج ، ولهذا نعيش فى اللحظة الحديثة بعقلية الماضى ، ونبحث المشاكل فى بطون الكتب فقط ، ونبتعد عن روح عصرنا ، ومقاصد شرعنا ، وبهذا نفقد التجديد من جانب ، والتأصيل من جانب آخر .

لأجل أن نخرج من التيه الفكري والسياسي ، فلا بد من فهم الدين على أنه رسالة تحرر عالمي ، وليس فقط على أنه دين أمة ، أو فكرة جماعات ، أو فقه توصّل إليه علماء وفقهاء فى مرحلة مضت لإيجاد الحلول ، فالفكرة مؤقتة ، والرسالة ميّالة نحو العالمية ، ولا بد من فهم الواقع كما هو ، وليس كما نريد ، والعمل لتغيير الواقع بقدر الإمكان ، ووضع الخطط لأجل صناعة المستقبل ، ومنح الأولوية لبناء الإنسان عملا وروحا ، فكرة ووجدانا ، فردا وجماعة ، وتقديم الحلول المناسبة للزمن بعقل فقهي جديد مبني على منهج التكامل ما بين القراءتين ، قراءة الوحي ، وقراءة الكون ، ويومها يمكن للجيل المسلم المعاصر أن يجد ذاته بين الركام ، وينطلق نحو الريادة والقيادة .

آن الأوان لننطلق لإيجاد الفكرة المركزية ، ومنها نصنع المشروع ، ونتحرك لصياغة مشروعنا الذى يوحّد الهوية والمعاصرة ، فلا نهضة حقيقية بدون هوية ، ولا تقدم بدون أن نعيش فى عصرنا بفاعلية كاملة ، ونتحرر من عقدة الإنتظار للمخلّص الذى تنتظره الشيعة والسنة معا منذ قرون ، فالمخلّص الحقيقي هو المنهج ، وليس الشخص ، وكل ذلك يجعلنا نتقدم بكل ثقة إلى الإجتهاد والتجديد ، وطرح الأسئلة الصعبة على العقل المسلم ، واستلهام التاريخ ، وأخذ العبر والعظات ، والسير فى الأرض ، والبحث الدائم عن المخرج ، وعدم الركون إلى الأقوال التاريخية فقط ، بل فلا بد من الركون إلى المنهج الإسلامي الذى يجمع فى داخله القراءتين ( الوحي والكون ) ، وفى هذا الداخل تتكامل القراءة ، وفيه يجد الإنسان نفسه متكاملا ، والمشكلة فى زمننا هذا ، هو انشطار الإنسان ، والإنسان لا يتكامل إلا من خلال الوحي الصحيح ، والقراءة الراشدة المنطلقة من هذا الوحي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى