الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

” إنّ إبراهيم كان أمَّةً ” !

” إنّ إبراهيم كان أمَّةً ” !

في مستهلّ القرن العشرين كانت أسرةُ ايناسينْ العريقةُ على موعدٍ مع طلوع شمسٍ ساطعةٍ تملأُ الدّنيا بقاراتها الخمسة نورا وضياءً، حملتْ هذه الشّمس أملًا جديدًا للبشريّة كلّها، بعد أن أنهكتْها ظلماتٌ متراكمةٌ بعضها فوق بعضٍ، تحجبها عن الطّريق الصّحيح، وتُعميها عن النّور الإلهيّ اللّامع، حتّى أصبحتْ بائسةً يائسةً متخبّطةً لا تعي ولا تبصر ! وُلد ” إبراهيم ” طفلًا يخزن في أعماقه ما لا يقوى على مثله جبلٌ شامخٌ أصمّ، ويرى بعينيْه ما لا يراه إلّا عظيمٌ ينفذ إلى أقاصي أسرار الوجود ببصيرته المتوقّدة وقلبه الخارق، كان واضحًا منذ البداية أنّه كبيرٌ في لباس صغيرٍ، وعظيمٌ في جسد طفلٍ، وعبقريٌّ يغيّرُ ملامح الغد وأجيال المستقبل، فتولّى والدُه تكوينه بنفسه، وبذل في إعداده جهدًا بالغًا يجعله لائقًا بالعمل الشّاقّ الّذي ينتظره، لم يرد الوالدُ إشراك أحدٍ في مشروع بناء ” إبراهيم ” الصّغير، فهناك مهامٌّ لا تقبل القسمة والمشاركة، وإنّما هي تكليفٌ خاصٌّ ينفّذه صاحبُه فقط، ويرحل حين ينتهي منه مرفوعَ رأسٍ محمودَ ذكرٍ، رحل الوالدُ وقد أتمّ إعداد ابنه على أكمل وجهٍ، وخلّفه شابًّا ينظر إلى المعمورة جمعاء كقريةٍ صغيرةٍ دمّرتْها المادّة، وخرّبها الكفر، وأضنى طبيعتَها عطشُها الشّديد إلى المعرفة، وأصابها قحطٌ مميتٌ بسبب حرمانها من الحياة الرّوحيّة الرّاقيّة، وبالتّالي يجبُ عليه إعادة إعمارها، وتجديد تأسيسها، وإرواءها بماءٍ منهمرٍ صافٍ يُعيد لها بهجتَها الميّتة، ورونقها المسلوب، فألّف كتابًا جمّ الفائدة، شريف المضمون، قويّ البنية، عنوانُه ” روح الأدب ” إشارةً منه إلى وجوب عودة الرّوح في جسد هذا الكون الهامد، في نهاية العقد الثّالث من عمره يعلن ” إبراهيم ” طورًا جديدًا من أطواره، وهذا الطّور مختلفٌ بشكلٍ جذريٍّ عن المألوف، إنّه ” الفيضة ” إذنْ، بكل ما يحملُه هذا الشّعار من معانٍ وإشاراتٍ ورموزٍ وأسرارٍ ! يمكنك أيّها القارئ أن تتخيّل ردود الأفعال المختلفة تجاه الأشياء خارج المعتاد، ولا سيّما إذا كانت تخرجُ من فم شابٍّ يدخل لتوّه في ثلاثينات عمره، طبعًا لن تكون دعوةً سهلةً، بل ستواجهها عراقيلُ وعقباتٌ لا تنتهي، ولكن التحديّات والصّعوبات هي ما يُحدّد قوّةَ الدّاعي وصلابة الدّعوة، كان أوّلُ خطوةٍ للفيضة تأسيس مقرٍّ مستقلٍّ لها باسم المدينة، هجرتْ إليه الفئاتُ العمريّة المخلصة لصاحبها، شبابًا، وشيوخًا، رجالًا، ونساءً، وجعل الشّيخ إبراهيم قبطانُ سفينة الفيضة هذا المقرَّ منارةَ علمٍ وتعليمٍ وتعلّمٍ وتربيةٍ وسلوكٍ، وأفهم النّاس المنتسبين إليها أنّ ” العلم هو الإمام “، عمل الشّيخ إبراهيم بجدٍّ مستميتٍ، لتأمين المنشآت والمؤسّسات التي تحتاجها ” مدين ” وأوّلها بناء المسجد الجامع، استطاعت ” مدينَ ” خلال فترةٍ زمنيّةٍ وجيزةٍ استقطاب جنسيّاتٍ، وألوانٍ، ولغاتٍ متعدّدة، ما كانت لتجتمع لو لا أنّ موجات الفيضة القويّة، دفعتْها بقوّة لا تُقاوم، وكان من مفارقاتها المذهلة أن رأينا لأوّل مرّةٍ الإنسان العربيّ القحّ يمتلأ صدرُه بكافّة الفنون والمعارف، يهاجر إلى ” مدين “ويجثو بركبتيْه أمام صاحب الفيضة، ينشد رضاه بخدمته، ويطلب الإذن منه فيما يأتي وما يذر، لم تحجز الفيضة نفسها في بقعةٍ جغرافيّةٍ ضئيلةٍ تنتظر أن يشمّ النّاس رائحتَها من بعيد، ثمّ يسعوا للوصول إليها، فإنّ همّة الشّيخ إبراهيم ورؤيته الاستراتيجيّة للدّعوة أكبرُ بكثير من هذا، كان ” إبراهيم ” يعيش قضيّةً، وصاحب القضيّة لن يرتاح، تصوّرْ أن إنسانًا في إفريقيا الصّحراء في خمسينات وستّينات القرن الماضي، لا يملك منصبًا حكوميًّا نافذًا، وليس في خزائنه ملياراتٌ نائمةٌ، بل يعمل بجهده الفرديّ فحسبُ، تمكّن من التّجوال في كبري عواصم العالم، في إفريقيا، وأوربا، والعواصم العربيّة مغربها ومشرقها، حتّى وصل إلى الهند، والصّين، داعيًا إلى كلمة التّوحيد، باحثًا عن رضى مولاه، خديمًا للرّسول المصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمّته الغرّاء، ومن إنجازته الفريدة أنّه زار قصور الملوك والرّؤساء ففتح قلوبهم بمفتاح علمه، ونقاوة روحه، ونصاعة فكره، شارك في النّدوات والمنتديات والمنظّمات الإسلاميّة الدوليّة، كان أوّل من نبّه إلى مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة وعالَميّته بالسنغال،فعمل مع مفتي القدس كتفًا بكتف في سبيل نصرة القضيّة المقدّسة، فتح له الأزهر الشّريف أبوابه محتفيًا به، مندهشًا بعلمه الفيّاض، التقى بمعظم العلماء المعروفين والمؤثّرين في عصره، فعُرف عالميًّا بكونه شيخ الإسلام في غرب أفريقيا، حدث كلّ هذا في فترةٍ كانت الوسائل فيها محدودةً إلى حدٍّ كبيرٍ، وكان السّفر إلى كلّ هذه الأماكن يكاد يشبه مستحيلًا ! إنّه لمن المؤسف حَقًّا حصرُ شخصٍ مهمٍّ إلى هذه الدرجة في زاوية أسريّةٍ أو طائفيّةٍ ضيّقةٍ، بدل الاستفادة منه، والتنويه منه بما يستحقّ ويليق بفخامته. ! أما بعد، كتبتُ هذه المقالة عفو الخاطر، وتعمّدتُ تجاوز وإهمال أبعاد كثيرةٍ من عبقريّة الشّيخ إبراهيم رضي اللّه عنه، خوفًا من الإطالة، وتهرّبًا من جماح القلم فيما لا نحبّذ الخوض فيه، وإلّا فما كان الكلام ينتهي، لأنّ إبراهيم كان أمَّةً. !

بقلم الشاعر السيد الحاج مود ساخو
٢٠ / ٦ / ٢٠٢١

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock