السياسةالعمل والمستجدات

ختان الإناث بين علماء الدين ورجال السلطة .عبد الرحمن بشير

ختان الإناث بين علماء الدين ورجال السلطة .عبد الرحمن بشير
…………………………………………………. ………………………………. ………………………. …………
وقعت فى إقليم بونت لاند التابع لجمهورية الصومال الفيدرالية معركة فقهية ساخنة فى هذه الأيام حول مسألة ختان الإناث ، وانقسمت الآراء فى المجمل إلى قسمين ، قسم مع المنع المطلق ويقود هذا القسم وزير العدل والشؤون الإسلامية فى هذا الإقليم السيد عوّل شيخ حامد ، ومعه بعض العلماء وإن كانوا أقلية ، وقسم آخر مكون من علماء التيار الإسلامي العريض ودعاته المعروفين ، وبعض فقهاء الشريعة من التقليديين وغيرهم ، وهم يرون الجواز المطلق ومشروعيته ، وهذا النوع من الخلاف الفقهي لا يضر ، بل هو نافع للبحث العلمي ، ولكن المشكلة تكمن فى أن الفريق الأول بدأ يستخدم الدولة وأدواتها ( الحديد ) كما يقول ابن تيمية رحمه الله ، بينما الفريق الثانى يستخدم ( الكتاب ) وكذلك الشارع الصومالي المتدين ، ومن هنا وجدنا أن الكتاب والسيف يختلفان هنا مرة أخرى ، بل ويحاول كل فريق توظيف الدين لصالحه ، واستخدامه بشكل كبير لأجل تأثير الشارع ، ولكننا نجد فى هذه المرة بأن الحكومة المحلية فى بونت لاند تحاول تهميش بعض العلماء المؤثرين فى الساحة فى هذا الشأن المتعلق بالدين والفقه ، وهذا أمر غير ممكن فى الصومال ، وخاصة فى هذه المرحلة التى تشكو منها الدولة الصومالية فضلا عن الإقليم هشاشة سياسية واقتصادية ، ويجد العلماء كما هو معروف دعما معنويا كبيرا من الشارع الصومالي .

إن مسألة الختان متعلقة بأربعة أمور ، تتعلق أولا بالشرع فى مصدريه ( الكتاب والسنة ) ، وتتعلق بالفقه فى اجتهادات العلماء والفقهاء ، ولها ارتباط بالطب والصحة ، لأنها متعلقة بجسد الإنسان ، ولها علاقة بالعادات لأنها عاشت مع المجتمع الصومالي قرونا طويلة ، وبهذا فهي مسألة مركبة غير بسيطة ، وعلمية غير شعبوية ، ومحلية غير مرتبطة بالعالمية ، وفقهية غير سياسية ، ومن هنا فهي بحاجة إلى دراستها بهدوء ، وطرحها فى الإعلام يزيدها بلبلة ، ويعمق المشكلة بدون إيجاد لها الحلول المناسبة .

ليس من الصواب أن يتحدث الفقهاء وحدهم عن الموضوع بعيدا عن رأي الأطباء فى المسألة ، ذلك لأن الموضوع مرتبط بجسد الفتاة ، والختان يقع فى أهم موقع فى جسد المرأة حيث ( الحرث ) البشري كما هو عبارة القرآن ( نساؤكم حرث لكم ، فأتوا حرثكم أنى شئتم ) 223 سورة البقرة ، والذين يعرفون دقائق أمور الموقع هم المتخصصون فى مجال الطب ، وخاصة فى المجال الجنسي ، كما أنه ليس من الحكمة أن يتناول الأطباء هذا الموضوع بعيدا عن فقهاء الدين وعلماء الشرع ، ذلك لأن التعامل مع الجسد إسلاميا مسألة دينية ، لأن الإسلام يقرر بأن الله وحده هو الذى يملك جسد الإنسان خلافا للفكر الليبرالي الذى يعتقد بأن جسد الإنسان مملوك لصاحبه ، وله الحق أن يفعل ذلك بما يشاء ، كما أنه ليس من السياسة الشرعية أن تتفرد الحكومة فى إصدار التشريعات والقوانين دون أن تستشير أصحاب الشأن ، وهم العلماء فى هذه المسألة ذات الخطورة التى تحمل دلالات سياسية ، وبصمات خارجية فى غالب الأحيان .

أحاول فى هذا الطرح أن أبتعد بقدر الإمكان الطرح التقليدي للمسألة ، ذلك لأن كل واحد من الفريقين يحاول أن ينتصر لرأيه ، ويجمع الأدلة التى تقوّي مذهبه ، وتفنّد أدلة المذهب الآخر ، بينما الحقيقة قد تكون بعيدة عن الفريقين معا ، ولهذا يجب أن نغيّر منهجية البحث ، ذلك لأن المسألة تتطلب رؤية مغايرة من جانب ، والبحث بأدوات غير تقليدية للوصول إلى الحقيقة من جانب آخر ، والنتيجة قد تأتى صحيحة ، وقد تكون خاطئة نتيجة للمنهجية المتبعة ، وليس فقط من خلال الصراع الأيديولوجي الساخن ، ونحن نعلم كذلك أن هذه المسألة مع أهميتها الفقهية والواقعية ليست أولوية لمنطقتنا المنكوبة والتى تشكو من الغياب المطلق للمشاريع التنموية ، ومن هنا نحاول أن يكون البحث فى قراءة النصوص الواردة فى المسألة ودلالاتها ، وفى فهم أقوال العلماء وسياقاتها ، وفى فهم الواقع من خلال الدراسات الطبية المتعلقة بالمسألة ، ونحاول كذلك فهم الواقع الدولي المساند لمذهب المنع دون الجواز ، وكل ذلك يتم بهدوء كامل بقدر المستطاع .

الجسد البشري بين الرؤية الإسلامية والنظرة الليبرالية .
………………………………………………………………………
قبل أن أتناول موضوع الختان ، وهو موضوع فرعي لقضية كلية ، ومسألة عامة نسأل هذا السؤال المحوري ، من يملك حق التصرف بالجسد ؟ هل هو مملوك للخالق ؟ أو هو مملوك لصاحب الجسد ؟ ومن هنا يأتى تساؤل آخر لا يقل أهمية وعمقا عن الأول ، هل يملك الإنسان إرادة حرة يفعل بها ما يشاء فى جسده ، أو فى جسد الطفل الذى يعيش تحت كنفه ؟ أم هو وكيل عن خالق الجسد ، وبالتالي يتصرف فى جسده ، وجسد من كان تحت رعايته وفقا لتوجيهاته وأوامره ونواهيه ؟
هنا نجد بشكل أساسي أنه يختلف الفكر الليبرالي عن الفكر الإسلامي ، فالأول يرى بأن جسد الإنسان مملوك لصاحبه ، وليس من حق أحد أن يتصرف فيه كيف يشاء ، وللإنسان التصرف فيه كيف يشاء ما دام لديه الرشد الكامل فى التصرف ، ولكن الفكر الإسلامي يرى بأن جسد الإنسان هبة من الخالق ، وليس للإنسان أن يفعل به كما يشاء ، بل لا بد من التصرف فيه وفقا لصاحب الجسد الحقيقي ، وهو الله تبارك وتعالى ، ومن هنا تأتى القاعدة فى هذا الباب ، أن الأصل فى التعامل مع جسد الإنسان المنع ، وليس الإباحة خلافا للقاعدة الفقهية التى تؤكد بأن الأصل فى الأشياء الإباحة ، وفى التصرفات والمعاملات الإذن ، ذلك لأن الجسد البشري ليس شيئا ، وأن الإنسان ككائن مكرم ليس سلعة ، بل هو مخلوق مكرم ( ولقد كرمنا بنى آدم ) 70 من سورة الإسراء ، وليس لدولة ، ولا لشعب ، بل ولا لمنظومة محلية ، أو إقليمية ، أو دولية التصرف فى جسد الإنسان بدون إذن من الله تبارك وتعالى .

يطرح علماء الإسلام مسألة أخرى فى غاية الأهمية وهي ، هل يمكن أن يصادم نص ديني محكم نظرية علمية ثابتة ؟ ومن قديم الزمان ، بحث العلماء عدم إمكانية تصادم العقل الصريح بالنقل الصحيح ، ولكن المشكلة تكمن فى معرفة العقل الصريح ، وإدراك النقل الصحيح ، ولهذا وجد الفقهاء والعلماء إمكانية التصادم ، ومن هنا يجب البحث فى مدى تحقق شروط النقل بالصحة ، أو وجود العقل الصريح ، واليوم تجدد هذا الصراع من جديد تحت عنوان ( لا يمكن أن يصادم النص الديني بالعلم اليقيني، وكذلك العلم اليقيني لا يصادم النص القطعي الذي يفيد اليقين ) ، ولكن لتحقيق ذلك فلا بد من مراعاة ما يلى :

أولا : إذا كان النص ، أو النقل قطعي الورود والدلالة فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يناقض مسألة علمية ثابتة ( يقينية ) ، فالنص القطعي لا يعارض القطعي من العلم .
ثانيا : إذا كان أحدهما قطعيا ، والآخر ظنيا ، فيقدم القطعي على الظني منهما .
ثالثا : إذا كان النص أو النقل ظنيا ، والمسألة العلمية ظنية ، أي لم تصبح بعد مسألة مقطوعة بها علميا ، فإن النص أو النقل الديني يقدم على الظني من العلم حتى يثبت لأحدهما القطع واليقين

إذا حاولنا فهم الموضوع من خلال هذه الثلاثية العلمية ، فإننا نرى بأن النصوص التى وردت فى باب الختان ، وخاصة فى خفاض الأنثى فهى فى مجملها ظنية الثبوت والدلالة ، فليس منها نص واحد يصل إلى مرحلة ( القطعية ) ورودا ودلالة ، فكلها وردت فى أحاديث الآحاد ، وأغلبها لم تصل إلى حد الصحة عند علماء الحديث ، وما صححه البعض ، ضعفه البعض الآخر ، أو حسنه على الأفضل ، وهذا يفيد علميا ما يعرف ( بالدلالة الظنية ) ، ولا يفيد القطع واليقين حسب علماء أصول الفقه .
إن علماء الطب أيضا ليسوا متفقين اتفاقا علميا ثابتا بأن الختان يضر على الأنثى ، وهناك من الأطباء من يرفض ، ومنهم من لا يرفض ، ولكنه لا يحبذ ، ولكننا نجد بأن الأطباء متفقون على مسألتين مهمتين :

أولا : إن الخفاض الفرعوني ضار ، بل ويعتبر عند علماء الطب والصحة كارثة على حياة الفتاة ومستقبلها الأسري ، ولهذا يدعون إلى ترك هذه العادة السيئة .
ثانيا : أن ما يجرى فى عالم المسلمين مما يسمى بختان السنة ، وتقوم بها بعض النسوة يعتبر كذلك جريمة فى حق الفتاة ، والسبب هو أن موقع الختان حساس جدا ، وبه شبكة من الأعصاب المفيدة والمهمة للحياة الجنسية والأسرية ، ولهذا فليس من حق القابلات العمل فى ذلك ، لأنهن لا يعرفن خصائص الموقع ، وليس لهم أدنى معرفة فى علم التشريح .

إن الختان ليس عملية عادية كما يصور البعض من الناس ، فهو عمل معقد ، ولديه ارتباط بالجسد كله ، كما له علاقة مع النفس والأعصاب ، ولهذا فلا بد من الذى يقوم بهذه العملية أن يتخصص فى ثلاثة أمور ، علم التشريح ، وعلم التجميل ، وعلم الأعصاب ، ولهذا نرى أن هذه المسألة من حيث التطبيق ليست سهلة كما يحسب كثير من الناس .

يرى كثير من الفقهاء أن ختان الأنثى واجب ، وهذا هو مذهب الإمام الشافعي ، وكذلك الحنابلة ، ويرى غيرهما من المالكية والحنفية بأنه سنة ، وهناك من العلماء من يرى بأنه مكرمة ، أي ليس سنة ولا واجبا ، ومن العلماء المعاصرين من جعله عادة تعامل الإسلام بحكمة ، وليس واجبا ولا سنة ولا مكرمة ، ومن هؤلاء الدكتور محمد سليم العوا فى كتابه ( ختان الإناث : دراسة علمية وشرعية ) ومن علماء العصر من أكّد سنيته أو مكرمته ، من هؤلاء عالم الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، والشيخ محمد العثيمين رحمه الله ، حيث ذهب الأول فى الفتوى رقم 4487 ، والفتوى رقم 6245 بأن ختان البنات سنة ، إذا وجد طبيب يحسن ذلك ، أو طبيبة تحسن ذلك .

أصدرت دار الفتوى المصرية بأن ختان المرأة ليس سنة ، ولا مكرمة ، بل هو ضار ومن هنا يجب ترك هذه العادة لضررها ، والضر يزال شرعا وفقها ، وهناك من الأطباء من يرى أهمية الختان للبنات ومن هؤلاء الدكتور حامد الغوابي ، والدكتور محمد على البار ، وهما من الأطباء الماهرين والموثوقين فى العالم الإسلامي وذكرا بأنه تتراكم مفرزات الشفرين الصغيرين عند القلفاء ، وتترنخ ويكون لها رائحة كريهة وقد يؤدى إلى التهاب المهبل أوالإحليل ، وقد رأى الدكتور الغوابي حالات مرضية كثيرة سببها عدم إجراء الختان عند المصابات ، وذكروا بأن الختان يقلل الحساسية المفرطة عند البظر ، ويمنع أيضا ظهور ما يسمى ( بإنعاظ ) النساء وهو تضخم البظر بصورة مؤذية يكون معها آلام متكررة فى نفس الموضع .
ومن الأطباء من يذكر غير ذلك من الفوائد ، فقد ذكرت الطبيبة النسائية الدكتورة ست البنات خالد فى مقال لها فى مجلة ( لواء الإسلام ) بعنوان : ختان البنات : رؤية صحيحة ) بأن من فوائد الختان للمرأة ذهاب الغلمة والشبق عند النساء ، أي شدة الشهوة والانشغال بها والإفراط فيها ، وانخفاض معدل التهابات المجاري البولية ، وانخفاض نسبة التهابات المجاري التناسلية .

ونحن نعرف أيضا أن هناك أطباء كثر يَرَوْن بأن ختان الفتاة ضرر محض ، أو ضرر غالب ومن هؤلاء الدكتور عبد العزيز اللبدي حيث أكّد بأن الختان يعني قطع البظر أو استئصاله ، ويؤدى إلى النزيف الشديد ، وقد يؤدى إلى الوفاة أحيانا ، أو يؤدى إلى التهابات قاتلة ، والغاية من الختان إلغاء المتعة الجنسية لدى المرأة ، وهو يجعل العلاقة الجنسية مؤلمة غالبا ، وقد يسبب صعوبات أثناء الولادة .

نستنتج من هذه القراءة السريعة لآراء الفقهاء والعلماء ما يلى :
أولا : أن الختان مشروع فى الفقه ، وأن الخلاف ينحصر هل هو واجب أم سنة أم غير ذلك ؟
ثانيا : أن الأطباء ليسوا متفقين على ضرره الذاتي ، بل متفقون على الضرر الناتج من التطبيق والتنفيذ .
ثالثا : أن المسألة ليست من المسائل القطعية فى الدين ، وليست كذلك من المسائل المقطوعة فى الطب .
رابعا : ليس من اختاصاصات الدولة تغيير الحكم الشرعي ، ولكن من اختصاصاتها تنظيم التطبيق ، وتنفيذ الأحكام ، ومراعاة مصالح الخلق من خلال اختيارات الأقوال الأقرب إلى تحقيق العدل والرحمة .
خامسا : إذا تأكد من خلال البحث العلمي الضرر المحض للختان على الفتاة ، أو الغالب ، أو حصل ضرر فى التطبيق والتنفيذ ، فإنه يجب على الجهات الحاكمة إيقافه ، وهذا لا يعنى إلغاء النص ، ولكنه يعنى إعمال المقاصد الشرعية ، ومراعاة المصالحة العامة للخلق .
سادسا : هناك صراع أيديولوجي بين ثوابت الشرع ، ومدونات المنظمات النسوية ، ولهذا فلا بد من حرص الشرع ، والحذر فى الوقوع فى أفخاخ المنظمات ذات الأيديولوجيات الخالصة .

وأخيرا ، أنا لست من الذين ينادون بختان الفتاة ، بل أرى تركهن ولشأنهن دون إصدار القوانين ، بل لا بد من رفع الوعي ، فالمجتمعات لا يصنع بالقوانين ، وإنما يصنع بالوعي والفهم والتربية والتوجيه ، ونجد شعوبا مسلمة كثيرة لا تمارس عادة الختان للبنات مع غياب التشريع المنظم لهذا الشأن ، ومع هذا فإنه من الضروري إصدار قوانين تمنع الختان الفرعوني بكل أشكاله ، وتعاقب على الفعل بأشد العقوبات المغلظة ، كما أنه يجب إصدار قوانين تمنع من غير المختصين التدخل فى هذا الشأن ، ويستحسن أن يمنع من ممارسة العادة إذا تأكد واقعا وتطبيقا الضرر الغالب على البنات ، وكل ذلك يأتى من خلال أبحاث علمية غير مؤدلجة ، ودراسات ميدانية بعيدة عن هوى الحكام ، وضغوط المنظمات ، وميل النفوس .

المراجع :
١- درء تعارض العقل والنقل ، أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لشيخ الإسلام ابن تيمية .
٢- ختان الإناث : دراسة علمية وشرعية للدكتور محمد سليم العوا
٣- الختان فى الفقه والطب للدكتور محمد على البار
٤- الختان وعلاقته ببعض متغيرات الشخصية لدى عينة من المراهقات (15 – 18 ) سنة ، رسالة ماجستير للباحثة هدى محمد محمد عفيفي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock