السياسةالعمل والمستجدات

تعالوا إلى كلمة سواء ، إلى القراءة . عبد الرحمن بشير

تعالوا إلى كلمة سواء ، إلى القراءة . عبد الرحمن بشير
………………. ……………………. …………………. ………………
القراءة وسيلة وليست غاية ، ولكنها عند الدول المتخلفة غاية ، ولهذا تفتخر بعض الدول فتح مدارس لمحو الأمية ، وهل يفهم المسلم اليوم السر فى قوله تعالى ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ) ؟ ولماذا كانت أول صوت سُمع من قبل السماء ؟ ولماذا ارتبطت القراءة بالخلق ؟ وما علاقة القراءة بالخلق العام ، وبخلق الإنسان ( خلق الإنسان من علق ) ؟ ولماذا كانت القراءة متعلقة بالكرم ( اقرأ وربك الأكرم ) ؟ وما هي علاقة القراءة بالقلم ؟
القلم هو الرابط الأساسي بين العقل والكتابة ، فالعالم يسجل ملاحظاته فى الكتاب ، والكتاب هو المخزون الأساسي للتجربة البشرية ، والتجربة البشرية تتحول عند الشعوب المتقدمة إلى معلومات مكتوبة ، فبدون القلم ليس من المستطاع معرفة الماضى ، ولا يمكن أن نعرف الحاضر بتعقيداته ، وليس من الممكن معرفة توقّع المستقبل ( الذى علّم بالقلم . علّم الإنسان ما لم يعلم ) .

الغاية من القراءة هو العلم ، وتحديث المعارف ، وتنشيط العقل ، وتثبيت الأفكار ، والبحث عن المجهول ، ولكن الغاية من العلم هو تطبيق الآيات الثلاثة ( إنى جاعل فى الأرض خليفة ) ، وقوله تعالى ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) ، وقوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، فلا يمكن تنزيل هذه الآيات إلى الواقع البشري بدون فهم لهذه الآيات الثلاثة ، والفهم يتطلب إلى معارف عدة منها ، معرفة الأنظمة السياسية والإستراتيجية التى تسهّل فى الاستخلاف ، كما أن الاستعمار يتطلب إلى معرف تطبيقية ، وتحقيق العبودية يتطلب إلى فهم صحيح عن الله ، وكل هذا لا يكون إلا بالعلم .

القراءة توسّع الآفاق ، والعلم يوسّع الفهم ، والعلاقة بينهما مستمرة ، فمن توقف عن القراءة توقف عن العلم ، ومن توقف عن العلم ولم يطلب المزيد توقّف عن الفهم المستمر ، ومن توقّف عن الفهم المستمر توقفت آلة التجديد لديه ، وتعطلت ألة التأصيل عنده ، فلا تجديد بدون تأصيل ، ولا يمكن كل ذلك بدون قراءة مستمرة ، والقراءة الصحفية لا تفيد فى زمن المعرفة المنهجية ، ومن هنا فلا بد من قراءة تتسم بالشمولية من جانب ، والإبداعية من جانب آخر .

إن المسلمين الأوائل بنوا الحضارة بالعلم ، وكانت المكتبات عامرة بلا حدود ، بينما اليوم نحن نعيش فى زمن المعارف الرخيصة ، والجلوس أمام الإعلام الذى لا يفيد شيئا ، ولهذا نحن نتخلف عن الركب الحضاري ، ومن قرأ أكثر يعرف أكثر ، ولكن يجب أن نقرأ المفيد ، ونتعلم كيف نقرأ ؟ ومتى نقرأ ؟ وليس من الذكاء الحديث فقط عن لماذا نقرأ ؟

رحم الله الغزالي الإمام ، صاحب المؤلفات الضخمة فى الفنون المختلفة ، فقد كان قارئا بلا حدود ، وفاتهما بلا سقف ، وباحثا بلا كلل ، ودارسا بلا توقف ، ولهذا بنى مذهبه الذى لا يتوقف عن التحصيل والبحث ، فالشك المنهجي عنده محطة مهمة ، ولكنه لم يكن يقدم مشروعه لأجل الشك ، فهذا طريق الأطفال ، أما هو فقد اختار طريق الكبار ، والكبار يتعبون حين يلعب الأطفال .

لقد تجاوز الغزالي مرحلة الطفولة العقلية ، والشك المنهجي عن طريق البحث المنهجي الجاد ، والقراءة المركزة ، وليس عن طريق الحديث فى المنابر بدون تقديم مشروع فكري ، واليوم نجد من يرفض التراث جملة بدون منهجية علمية ، ومن يقبل كل التراث بدون غربلة علمية ، فهؤلاء يلعبون ، ولا يتعبون ، ينقلون ولا يبحثون ، يتكلمون ولا يجتهدون ، ولهذا فلا مناص من تجاوز هذه المحطة ( القبول أو الرفض ) ، والوصول إلى المحطة المنهجية ( نقبل بعلم ، ونرفض بعلم ) .

القراءة المركزة مهمة ، والقراءة المنهجية أهم ، فلا بديل عنهما ، ولكن الإنسان يجب أن يقتنع أنه ليس بشيئ بدون قراءة علمية ومنهجية ، والذين يحاولون اليوم رسم المستقبل بدون القراءة لا يفهمون التاريخ ، ولن يستطيعوا فهم الحاضر ، ولن يكون لهم فى المستقبل مكان تحت الشمس ، فالعالم اليوم يمضى نحو المستقبل ، والمستقبل يتكون عبر مناهج علمية ، بالباطل حين يستفيد من العلم ، وصاحب الحق يعيش فى هامش التاريخ ، ويحارب أفكارًا مضت ، ويناقش قضايا انتهت ، ويعيش فى لحظات ركود الأسئلة ، فلن ينتصر فى معركة سياسية ، أو منازلة فكرية .

أحب الكتاب أكثر من أي شيئ آخر ، لأننى أشعر وجودى الحقيقي من الكتاب ، وفى الكتاب فكرة ، وفى داخل الفكرة حياة ، ومن خلال الحياة أجد لذة لا توصف ، ولا يمكن أن أشبع من الكتاب ، وخاصة حين يكون الكتاب جديدا ، أو يضيف إلى عقلك شيئا ما ، لأن البعض من الكتب هي تكرار لما سبق ، أو تأكيد لما تقرّر ، أو اختصار لما تمّ شرحه ، فالكتب الجادة مهمة ، وخاصة تلك التى تتناول المعارف الإنسانية ، فمن لم يقرأ لا يتجدد ، ولا يبدع ، ولا يضيف ، ومن لا يبدع يتقادم ، ومن تقادم أصبح من التاريخ ، ومكانه فى الأرشيف ، وليس فى الواقع .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock