السياسةالعمل والمستجدات

الأزمة التربوية في مدارسنا: الواقع و البدائل ( الواقع والبدائل).

الأزمة التربوية في مدارسنا: الواقع و البدائل ( الواقع والبدائل).
(الحلقة الثالثة).
بقلم الدكتور عبد الأحد لوح.
ثانيا : تَجَلِّيَاتُ الأزمة :
1- أزمة الاستقرار والحوار الاجتماعي :
و هي من أخطر الأزمات التي تعصف بمدارسنا، ولعل من أبرز انعكاساتها :
أ= انعدام الأمن في الفضاء المدرسي : مثل كثرة الإضرابات ، والعنف الجسدي والرمزي على الطلاب وعلى المدرسين، ومطالبات لا حدود لها، ووعود غير منجزة لا تتناهى ؛
ب- اضطرار الحكومة إلى سياسة الكر والفر ، وسعيها الدؤوب إلى إيجاد مخارج لخلق فرص عمل في التربية، لا لشيء إلا لقطف ثمرات سياسية لاحقا، مما يثقل كاهلها، فتعجز عن الوفاء بأداء الحقوق ؛ وبالتالي يختل الأمن والاستقرار في جنبات المدرسة.
2- أزمة توجهات النظام التربوي ( الرؤية والغايات) :
وذلك من حيث التركيز على الغايات المادية الاقتصادية، وتكريس نظرة جزئية إلى الإنسان وأبعاد شخصيته؛ ففي القانون التوجيهي 91-22 بتاريخ 16 فبراير 1991م والذي يعتبر دستور التربية الوطنية نلمس في الفقرة الأولى من المادة الأولى أن التربية الوطنية تهدف إلى تكوين رجال ونساء قادرين على العمل بفعالية من أجل بناء الوطن، وتولي عناية خاصة بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تلاقيها السنغال في جهودها التنموية، وهي حريصة دوما على ربط التكوين الذي تقدمه بهذه المشكلات وحلولها.
وفي المبادئ العامة للتربية الوطنية والتي أعلنت في المادة الرابعة التي تم تعديلها بالقانون رقم 2004 -37 du 15 Décembre 2004 نلاحظ تكريس علمانية التربية الوطنية من خلال ما يلي : ” التربية الوطنية علمانية، وهي تحترم وتكفُل على كافة المستويات، حريةَ الاعتقاد للمواطنين. وفي رحاب المؤسسات التعليمية العمومية والأهلية، وفي ظل احترام علمانية الدولة، يمكن اقتراح تربية دينية اختيارية ؛ حيث يحق للآباء بكل حرية تسجيل أولادهم أو عدمه في هذا النوع من التعليم.
وهاهنا نلاحظ توجيه الغايات نحو التنمية الاقتصادية وتكريس علمانية الدولة التي شكلت عقبة كأداء حالت بين مدرسة السنغال وبين عقيدتها لمدة تزيد على أربعين سنة. ثم إن استدراك الخطأ بتعديل القانون التوجيهي لابسه التردد والغموض في حسم دخول الدين الفضاء المدرسي، حين جُعِلَ أمر التربية الدينية مسألة اختيارية! مما يترجم أزمة حقيقية تمثلت في الفصل بين الشعب وحقه في التربية على قيمه وعقائده الدينية.
3- أزمة المضامين : وتتمثل في عدم شرعية العرض التربوي المتوفر الذي يفصل بين الدين والعلم، وبين المدرسة وقيمنا العقدية والتقليدية. و لما كان الشعب في عمومه لا يقبل عرضا تربويا لا دين له، أصرت الدولة على خيارها العلماني الممزوج بالحد الأدنى من الدين ، مما شكل حاجزا بين المدرسة والمجتمع؛ فالمدارس وإن كانت في السنغال، إلا أنها ليست سنغالية؛ لأنها تتعمد تهميش قيمنا الروحية والتراثية في مناهجنا التربوية، وإحلال القيم الغربية محلها. ونتيجة لذلك أحدثت هذه الفواصل أزمة تربوية ونفسية واجتماعية كبيرة جداً من أبرز نتائجها أزمة البقاء واستمرارية التعلم وخاصة بالنسبة إلى بقاء البنات، رغم أن القانون التوجيهي يقرر أن التعلم إجباري من 6 إلى 16 سنة.
4- أزمة الطرائق والوسائل : ومن مظاهرها :
أ- التركيز -عادة- على تبليغ المعارف النظرية بدلا من التربية التطبيقية والتكوين، مما يعيد إلى الأذهان الحقيقة القائلة إن إصلاح الرأس أهم من شحنه بالمعارف النظرية. ومن الأمثلة التي تؤكد صحة هذه الحقيقة التلميذ الحاصل على عشرين بالمئة في التربية الوطنية ولكنه في حالة الإضراب يكون في طليعة من يكسرون زجاج المدرسة ! والحق أن مدارسنا تهمل التربية الدينية والخلقية إهمالا فتح عليها أبوابا من الويل والدمار ليس من الميسور إغلاقها. وفضلا عن ذلك فهناك أزمة القدوة الحسنة والمثل الأعلى والوسيلة ؛ حيث إن من أبرز مظاهرها:
ب- أن بعض المدرسين وطلابهم أصبحوا بسلوكياتهم المنحرفة يحتلون واجهة الحوادث؛ كالمعلمين السارقين والمعلمين المعتدين جنسيا على طالباتهم، والطلاب المستفزين لمدرسيهم من الجنسين؛
ج- أن المجتمع يُحَمِّل المدرسة وحدها مسؤولية التربية، مع أن أجهزة التربية في المجتمع متعددة ؛ كالمنزل، و المدرسة والمجتمع، و المسجد، ووسائل الإعلام؛
د- أن ضعف التنسيق بين وسائط التربية المذكورة أدى إلى استقالة الآباء والأئمة ورجال الدين والمعلمين ووسائل الإعلام؛
هـ- إقصاء نماذج القدوة الحسنة عن مواقع التأثير التربوي، وخاصة في الوسائل الإعلامية؛ فالفنانون والرياضيون هم المُثل العليا للشباب؛
و- ضعف اهتمام السلطات التربوية باستلهام النماذج التربوية المتوارثة من مؤسساتنا الدينية والتقليدية والتي جُرِّبَت وصحَّت، وأثمرت قطوفا دانية من السلوك الحسن والخلق القويم، و الأدب المرضي؛ فبدلا من توظيف هذا التراث الديني والتقليدي القيم في تطوير نظامنا التربوي، ترجح الحكومة استيراد الحلول، ودعم المنظمات والأجهزة التي تعمل ليلَ نهارَ من أجل تشويه سمعة منظومتنا التربوية الدينية باسم حقوق الإنسان وحرية التعبير، الشيء الذي انعكس سلبا على مُخرَجات المدرسة السنغالية. (يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock