السياسةالعمل والمستجدات

تونس إلى أين ؟ عبد الرحمن بشير ( صراع هوية أم صراع مشاريع ؟ )

تونس إلى أين ؟ عبد الرحمن بشير
( صراع هوية أم صراع مشاريع ؟ )
………………………………. ………………………………………
تونس بلد عظيم رغم مساحته الجغرافية المتواضعة ، وعدد سكانه المحدود ، ولديه إمكانيات بشرية جيدة ومدربة ، وموقع استراتيجي مهم ، ولديه خبرات جيدة فى المجال الفكري والسياسي ، وهو جزء من المغرب العربي الكبير ، والعالم العربي ، والأمة المسلمة ، وهو أول بلد كتب الدستور فى العالم الإسلامي بعد كتابة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام صحيفة المدينة ( الدستور الأول للمدينة النبوية ) ، وبهذا سجل فى التاريخ هذا الحضور النوعي فى التاريخ السياسي ، وأيضا يعتبر باكورة التغيير العربي ، وبوابة الدخول إلى بلاد التطور الديمقراطي ، ونادى بلاد الدساتير والحريات ، وبهذا وضع التونسيون أقدامهم على أرض التعايش والتعاقد بدل التغلب والحروب الأهلية ، ورفضت التجربة التونسية الحلول الجاهزة للبلاد العربية والوطن الإسلامي ، والحلول تكمن فى مسألتين لا ثالثة لهما ، إما الإستبداد ، أو الحروب الأهلية ، وكأن الحياة هنا فى بلادنا ترفض غير ذلك ، وبهذا نجح التونسيون فى إرساء قواعد التعايش السلمي حسب الحياة الدستورية ، وأصبحوا جزيرة فى بحر الدماء من جانب ، ومحيط الإستبداد من جانب آخر .

فى تونس قوى سياسية عديدة ، منها القوى العلمانية بتياراتها الليبرالية واليسارية ، والقوى الإسلامية بتياراتها الفكرية والعقدية ، وبينهما قوى اجتماعية غير ملوّنة ، ولكن الذى جرى فى تونس ويحتاج إلى تأمل هو أن تونس لأسباب عدة لم تذهب إلى مصائر البلاد الأخرى التى نجحت الثورة المضادة مؤقتا ، وتراجع خطاب الثورة ، وذهبت الجماهير إلى طرق عديدة منها الحروب الأهلية كما هو الأمر فى ليبيا ، أو الحروب الطائفية ، والدخول إلى المتاهات السياسية العبثية كما هو الأمر فى سوريا ، أو الحروب بالوكالة كما هو فى اليمن ، أو عودة الإستبداد كما فى مصر ، وبهذا بقيت تونس جزيرة الحرية والديمقراطية عقدا كاملا ، ونجحت الثورة فى تغيير خطابها من الثورة إلى الدولة ، ومن المعارضة إلى البناء ، ولكن هناك أسباب داخلية وخارجية تعيق التطور الديمقراطي فى تونس ، وتلك الأسباب تحتاج إلى وقفات فكرية وسياسية ، كما نجد فى الداخل كذلك وجود مشكلات فكرية خطيرة ترفض التعايش السلمي بين مكونات المجتمع .

قبل سنوات عدة ، تم ملاحظة مشروع كامل فى إفشال الثورة فى تونس ، وحاول كثير من أبناء تونس ، وعلى رأس هؤلاء الأستاذ الغنوشي فى مواجهة مشروع الإفشال بالتى هي الحسنى ، ولكن السياسة لا تعرف فقط بالنوايا الحسنة ، لأنها ليست جمعية خيرية ، وليست كذلك ناديا فكريا فحسب ، بل هي مجال للتدافع ، وموقع للتناطح ، وأرضية للصراع ، ولهذا فلا بد من إعداد الأجيال لهذه المراحل ما بعد الثورة ، ومن هنا أريد أن أتحدث بشكل موضوعي لماذا جاء الانقلاب رأسا ، وليس جيشا ؟ ولماذا انقلب رجل القانون على القانون ؟ ولماذا انقلب من أتى من بيت الثورة على بيت الثورة ؟ وما هي القوى الداعمة لذلك التغيير المفاجئ عند البعض ، والمعلوم سلفا عند البعض الآخر ؟

لدينا أسباب خمسة ، ونحصرها فى النقاط التالية :
أولا : الأسباب الإقتصادية والإجتماعية ، فهذه تعتبر أساسية ، ومباشرة فى الانفجار الشعبي ضد جميع القوى السياسية ، وأججت جائحة كورونا المشكلة بشكل فظيع ، وأظن أنها كانت مفتعلة ، ووراءها الدولة العميقة ، وهكذا فعلت الدولة العميقة فى مصر مع الدكتور مرسي حين لعبت ببعض الخدمات التى تمس الإنسان المصري مثل البنزين ، والكهرباء والمياه والنظافة وغيرها ، ونحن اليوم نرى أن العالم كله تحرك لمنح تونس كثيرا من الخدمات الصحية بعد اعلان قيس سعيد الانقلاب على الدستور والبرلمان .

ثانيا : الصراع العدمي من بعض الجهات الفكرية والسياسية مع حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية ، وحولت بعض هذه الجهات البرلمان إلى ميدان للسب والشتم ، ومنبر للصراخ ، وموقع لاتهامات النيات ، فإذا كانت بعض الجهات الإسلامية تملك مشروع التكفير والتفسيق لمن يخالفها فى وجهات النظر السياسية ، فإن هؤلاء يملكون تخوين من يخالفهم فى الرؤية ، ولهذا تحول المنبر التشريعي إلى منبر للصراخ والسب والشتم واللعن ، وذلك فى حين يواجه المجتمع مشكلات حياتية خطيرة ، وتزداد معدلات البطالة ، ومن هنا بدأ كثير من الشباب التونسي يبتعد عن السياسة ، وتصبح السياسة لعبة النخبة ، وليست قضية شعبية .

ثالثا : إن الدستور الحالي فى تونس خلق مشكلة سياسية ، وهذه المشكلة فى حقيقتها ليست فقط دستورية ، بل هي مجتمعية وسياسية ، فقد فكّر الثوار فى الابتعاد عن الدولة المستبدة ، ورأوا بأن الإستبداد يأتى من تركز السلطات فى موقع دستوري واحد ، وبهذا بعثروا الشرعية الدستورية ، ولكن السياسة ما بعد الثورة لم تأت كعادتها قوى متوازنة فى الشرعية الدستورية ، وحين نجحت النهضة بشكل جيد ، رأت بأنه ليس من مصلحة تونس ، ولا من مصلحة الثورة الإستئثار بالحكم ، ولكن بعد ذلك ، رفض الشارع أن يمنح أغلبية برلمانية مما جعل الشرعية الدستورية مبعثرة بشكل سلبي جدا ، فلم يحصل رئيس الحكومة أغلبية مريحة تجعله يحكم كما يريد ، والأغلبية البرلمانية لم تستطع بناء حكومة حسب القانون ، ومن هنا دخل البلاد فى فوضى سياسية .

رابعا : تركت حركة النهضة شارعها السياسي والثوري لأسباب سياسية ، وتعلقت حينا بالدولة العميقة خوفا من مصير إخوانها فى مصر ، كما تعلقت حينا آخر بعض الفاسدين سياسيا واقتصاديا خوفا من أن تتفرد الثورة المضادة عليها بوجه خاص ، وهذا جعلها تلعب تكتيكا ، وتنجح فى بعض المحطات فى المعارك اللحظية ، ولكنها فشلت فى شارعها الفكري والسياسي ، واختلفت مع بعض رموز الثورة ، وفرقاء الدرب ما قبل الثورة مثل الرئيس السابق ( المرزوقي ) ، وأنا لدي شعور خاص بأن النهضة حركة سياسية ناضجة ، ولاعبة خطيرة ، ولكن كل ذلك يكون فى التكتيك ، وليس فى الاستراتيجي .

خامسا : الثورة المضادة لعبت دورا خطيرا فى قضايا عدة ، فى شيطنة النهضة كحركة سياسية ناجحة فى اللعبة ، وخطيرة فى وجودها فى مفاصل المجتمع ، ولديها رغبة فى التواصل مع الجميع حتى الذين يلعنونها ، وعندها خطاب سياسي قريب من البراجماتية المطلقة ، ومع هذا فقد طرح أكثر من مشروع إقليمي فى إبعادها ، وتترأس الإمارات هذه اللعبة .
هناك كما يبدو من السطح اتفاقية بين الإمارات كدولة وظيفية ، وبين فرنسا كدولة إستعمارية لتونس ، ولديها أطماع سياسية واقتصادية فى بلاد شمال أفريقيا ، وعندها شعور غير عادي من الربيع العربي ، بل ومن تجربة الديمقراطية فى هذه البلدان ، والتى تعيش بشكل أو بآخر تحت الوصاية الفرنسية .

قد نسأل ، لماذا نجحت الثورة فى تونس الصمود أمام هذه الأعاصير ؟ فالجواب يكمن فى أمرين ، وجود جيش غير مسيس ، ولديه حرفية عالية ، وهذا يبدو أنه من بقايا النظام السابق ، والتى نجح فى تحييد المنظومة العسكرية ، وتضخيم المنظومة الأمنية لأجل أن يحكم طويلا ، ويبقى النظام البوليسي كمؤسسة للحكم فى تونس ، والأمر الثانى هو وجود حس عالي من النهضة فى عدم الإنزلاق إلى متون ما بعد الربيع العربي ، وحسن التعامل مع الملفات تكتيكا ، ولكن الملاحظ فى مشروع النهضة هو النجاح الباهر فى اللعبة السياسية ذات الصلة بالتكتيك ، وعدم القدرة فى التعامل مع بعض الملفات ذات الصلة بالقضايا الاستراتيجية.

حين نتحدث عن النجاح التكتيكي لحركة النهضة ، يجب أن لا ننسى خطورة المرحلة السياسية ، وأن المرحلة كانت تقتضى منها اللعب فى المجالين ، فى المجال الاستراتيجي ، والتكتيكي معا على سواء ، وهذا ما أشار إليه الدكتور محمد المختار الشنقيطي ، الباحث فى العلوم السياسية فى التويتر حيث كتب بالحرف الواحد 😞 السياسة مواقف لا مواعظ ، وموازين قوة لا حسن ظن ساذج ، ومدافعة لا توسّل .والثورات التى لا تبنى قوة رادعة تكون درعا حصينا لها ، وتردعها تبقى سنبلة هشة تعصف بها العواصف ، ورغبة ساذجة تغذيها العواطف ، وليست مشروعا سياسيا يعوّل عليها ) .

لقد تحدث الرئيس قيس سعيد بأنه ليس انقلابيا ، وإنما هو جاء لانقاذ الثورة من التآكل ، ومن الذين يستفيدون منها ، ولا يفيدون لها ، كما أنه تحدث عن نفسه ( المنقذ المخلّص ) ، ومن هنا نعرف بأن الاستبداد يبدأ من داخل الفرد ، وينتهى بالمجتمع ، ونجد هنا أيضا بأن الرئيس قيس سعيد الذى هو من نتاج الدستور الثوري ، ولولا هذا الدستور ، والتغيير الذى وقع فى البلاد لبقي فى هامش الحياة ، ويمنح نفسه حق التفسير للمواد الدستور ، بل ومنح ذاته حق عدم المساس به ، ورددّ كثيرا بأن بعض الأعضاء فى البرلمان تعرضوا لشخصيته ( القداسة الشخصية ) ، وجعل ذاته فوق النقد ، وكل ذلك عند التفسير العلمي لشخصية قيس سعيد تمنحنا بأنه مستعد ليكون دكتاتورا فى المرحلة القادمة ، وذلك إذا وجد الفرصة المتاحة له من المجتمع ، ومن قبل النخب السياسية ، ومن المنظومة العسكرية والأمنية.

هناك مشروعان وراء نجاح الثورة المضادة مؤقتا فى تونس ، الأول هو مشروع ( حسن الظن ) من طرف حركة النهضة بالجميع ، وحسن الظن كما ذكر الشيخ عبد الفتاح مورو كثيرا لا محل له فى إعراب السياسية ، أما المشروع الآخر هو تحالف جرى ما بين الداخل الهش والضعيف ، والخارج القوي الذى يملك التهديد ، والتمويل السياسيين ، والغريب أن أستاذ القانون الدستوري الذى تحدث يوما عن حمار يمكن أن يأكل دستور الثورة ، تحول إلى ذاك الإنسان الذر حذّر منه يوما ، فأكل الدستور ، والأغرب من ذلك كله بأنه يمثل جزءا من الشرعية الدستورية ، وليس كل الشرعية الدستورية وفقا للدستور ، فالبرلمان بأغلبيته رافض لقراراته ، النهضة التى تمثل الأغلبية المنتخبة ( ٥٣ ) عضوا ، وقلب تونس ( ٢٩ ) عضوا ، والتيار الديمقراطي ( ٢٢ ) عضوا ، وائتلاف الكرامة ( ١٨ ) عضوا ، كل ذلك رفضوا القرارات التى صدرت من الرئيس ، وهم يمثلون شرعية دستورية منتخبة ، كما الرئيس يمثل شرعية دستورية منتخبة ، ولم يقبل القرارات إلا فئة واحدة وهي تمثل أقلية فى البرلمان وهي حركة الشعب ( ١٥ ) عضوا ، فهذا الخلاف الدستوري هو الذى جعل رئيس البرلمان يعلن بأن المجلس فى حالة انعقاد ، وليس صحيحا بأنه تمّ إلغاؤه ، وليس هناك محكمة دستورية من شأنها الفصل فى هذا الخلاف الدستوري ، ولهذا صار الرئيس هو الحكم والخصم معا فى هذه القضية الخطيرة .

إن الذى يجرى فى تونس اليوم ليس مسألة وطنية فحسب ، ولا حتى مسألة حزبية تخص تيارات معينة كما ذكر الأستاذ معتز الخطيب فى مقال له فى الجزيرة نت ، وإنما هي مسألة تخص الإنسان العربي والمسلم حيث يواجه هذا الإنسان طوفان الثورات المضادة ، وهناك من يحاول شيطنة التغيير حتى يخاف الإنسان فى هذه المنطقة عن التغيير ، ولا يستعد بحال من الأحوال ثمن التغيير ، والذين يحاولون شيطنة التيار الإسلامي يعرفون جيدا بأن الإسلاميين فى العالم العربي والإسلامي يمثلون طوق النجاة لتجربة الديمقراطية والتعددية ، ولهذا يتم اعلان الحرب عليهم فقط ، فالخوف ليس منهم فقط بل الخوف هو الحرية والعدالة والكرامة ، وإعادة الحكم للشعوب .

يجب أن لا يقبل الشعب التونسي الوصاية الأبوية عليه من رجل خرج من رحم العلم ، واختاره الشعب لأجل أن يصون الدستور أولا ، وعليه أقسم ، وهو الآن يحنث فى قسمه بشكل علني ، ولهذا فالشعب الذى لا يحمى حريته أولا ، لا يستحق الحرية ، وتجربة تركيا ماثلة أمامنا ، والعودة إلى قواعد الشعب ، والرجوع عن التخندقات السياسية ، والعهد على صون الحريات أولوية للشعوب المثقفة والحية ، وليس من الأوليات تحويل الصراع السياسي من خندقه ( الحرية ضد الاستبداد ) إلى خندق وهمي ( العلمانيون ضد الاسلاميين ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock