السياسةالعمل والمستجدات

حوار أدبي مع المبدع محمد الأمين جوب

 

حوار أدبي حصري في صحيفة مدارات بالسودان مع الشاعر الصحفي أنس عبد الصمد
والحوار منشور في الصحيفة الورقية .
لخص الحوار مجموعة من القضايا الفلسفية والأدبية والشعرية على وجه الخصوص.

محمد الأمين جوب أيقونة السنغال الأدبية، شاعر من القلائل الذين أتقنو فن الكتابة بلغة غير لغتهم الأم، فهو رغم سنغاليته التي يعتز بها وهي الدولة التي تتحدث الفرنسية إلا وأنه نبغ في كتابة الشعر العربي فأتقن فنونه وأجاد قواعده ورتب قوافيه فأدهش حتى الناطقين بالعربية، تشرب اللغة منذ طفولته بحفظ الكلمات التي كان يمليه إياها والده، ثم جده وجدته اللذان أسقياه كأس اللغة بتلقينه القرآن ثم خاله الذي كان له أثرًا في تحفيزه على تعلمها، نشأ في أسرة تهتم بالثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي، حفظ القرآن الكريم وكتبه على ألواح المدارس العتيقة (الخلاوى) فتفجرت ينابيعه الشعرية المتفردة، وتدرج في مراحل كتابته للشعر حتى وصل إلى ذروة المجد ببلوغه المركز الرابع في مسابقة أمير الشعراء بشاطئ الراحة وصار أحد أبطال القصيدة العربية مخلدًا اسمه في تاريخ المسابقة، وحاصدًا حبَّ قاعدة جماهيرية عريضة من عشاق لغة الضاد وقريضها
زار السودان في مهرجان الخرطوم للشعر العربي في دورته الثالثة في أواخر العام 2019 م صحيفة مدارات جديدة التقت به وخرجت بهذا الحوار الثري، فإلى مضابط الحوار
*مرحبا بك شاعرنا الكبير محمد الأمين جوب في هذه الإطلالة عبر صفحات صحيفة مدارات جديدة؟
أهلا بكم صديقي الشاعر الجميل أنس نسعد بكم ونتشرف بهذا الحوار الأدبي الذي أتمنى أن يكون ثريا وممتعا في نفس الوقت
*اختلف النقاد والشعراء والفلاسفة والمفكرون حول تدوين تعريف موحد للشعر، برأيك ما هو الشعر ؟
لعل من الغرابة بمكان أننا دائما نتعاطى مع الشعر بشكل يومي ولحظي متواصل ولم نقتنع بأي مفهوم حصري سابق لمدلول الكلمة، والحقيقة أنه ينبغي أن يكون كذلك، فالشعر بحث عن المجهول و سفر مليء بالمغامرة والشرود نحو الأمل بالوصول مع استحالة الوصول، فمتى حصرناه على إطار عام أوقبضناه في زنزانة التعاريف أبطلنا مهامه وضيعنا أثره، كما أننا عندما نمارس رحلة الكتابة ونركب سفينة اللغة والمجاز حينئذ لن نعرف في أي مرسى أو أي شاطئ من شوطي الجمال تحط بنا، بل نهيم ونغامر وندوخ أحيانا ونتطلع فنزهو ونقلق أحيانا وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية فنقوم بأضعاف ما قام به كريستوفر كولومبوس في مغارته التي أوصلته إلى اكتشاف أمريكا.
إذن نحن عند كل قصيدة نحاول أن نكتشف آليات جمالية جديدة ومناطق مدهشة ونتسكع في شوارع اللغة وفي باحات الجمال ونسكر في حانات الخيال، ونتعبد معتكفين في محاريب الدهشة والانزياح التام عن الموجود لنصف اللامرئي واللاموجود الملموس.
فكل القصائد الكونية العظيمة قديما وحديثا بغض النظر عن أي لغة كتبت هي اقترحات جمالية وإضافة نوعية بالغة الأهمية للذائقة الإنسانية، ومكابدات وجدانية للوصول إلى سدرة المكاشفات الفسلفية والفكرية العميقة.
فليس الشعر مرآة كما أنه ليس محاكاة كما تدعي النظرية الأفلاطونية، فالشعر خلقٌ وابتكارٌ والركض نحو اكتشاف وإضاءة منطقة معتمة ربما لم يشع الضوء فيها من قبل، ولا أستبعد أن يكون سعينا إلى تحديد مفهوم الشعر كما هو الشأن في النقد القديم هو الذي جعلنا في هذه الأزمة الشعرية التي نراها اليوم ونقف أمام نسخ شعرية متكررة ومتشابهة وأصوات شعرية كل صوت آخذ بناصية الآخر، في حين أن الشعر مشروع كوني وعالمي لكل واحد منا أن يضيف في هذا المشروع أشياء جديدة ولو بلبنة واحدة مختلفة وبتجربة غير مسبوقة فبهذا الوعي يكتمل المعنى وتستمر الدهشة حتى آخر ذائق يدب في الأرض.
*من البديهي أن الشاعر هو الذي يكتب القصيدة ولكن هنالك من يعتقدون أن بعض القصائد هي من تكتب الشاعر، وقد ترتقي به إلى قلوب المحبين، فتصنع علامة فارقة في تاريخه الأدبي.
برأيك هل للقصيدة أن تكتب شاعرها، وإن كانت الإجابة بنعم فأي قصيدة كتبت الشاعر جوب؟
هذا السؤال بالذات يعود بنا نحو جدلية الشعر والشاعر، أي: من منهما يكتب الآخر؟
أعتقد أن الشعراء الحقيقيين لا يكتبهم الشعر بل يكتوون بناره ويصطادونه رغم انفلاته وتمرده للقبض عليه، وإلا فما قيمة الشاعر الذي يكتبه شعره؟ وما وظيفته؟
الشاعر هو الطائر المحكي كما عبر شيخنا المتنبي وليس الصدى، فكل الذين يدعون أن الشعر يكتبهم ما زالوا يعيشون في ذات الأوهام التي عاشت فيها الفلاسفة القدامى عندما أدانوا الفنانين والشعراء لأنهم في نظرهم لا يعتمدون على الطريقة البطيئة الواثقة بل أقصى ما يفعلون أنهم يعتمدون على نشوة الوحي وشرفة الإلهام، بناء على ذلك فالله أو رب الشعر هو من يلهم الشاعر، والشاعر يلهم ترجمانه، ومن خلاله يمر التيار المغناطيسي إلى الجمهور، فيحسبون أن الشعراء لا يملكون السيطرة على ما يقولون بسبب (الوحي والإلهام) فلو افترضنا جدلا أن طرحهم صحيح فيعني أن الشعراء لا وظيفة لهم إلا التلقي والتلقين وهذا الأمر في غاية الخطورة والحساسية، فالشاعر ليس نبيا حتى يوحى ليبلغ وإنما هو مغامر متحرك منهمك ليتجلى ويكتشف، وأرى كان الفرزدق دقيقا عندما قال حكاية عن الحالة الشعرية والمخاض الغامض الذي يعيشه الشاعر من أجل إنتاج نصه في أكمل وجه قال ” أعسر من قلع ضرس”
من هنا نستنتج أن العملية الشعرية في غاية التعقيد والصعوبة وأعنت مما يتصور العادي
فالشعر طعام مجازي ووجبة تاريخية مستمرة متجددة، وبالتالي فالمبدع العاكف في محرابه لابد أن يحس بمسؤولية عظيمة تجاهه؛ فيكون ناقدا قاسيا على ذاته ينزع اللين واللطافة في ذاته لتعيش لحظات المحاسبة مع إنتاجه وقصيدته فلا يكتب كلمة خلف كلمة إلا وقد أخذ كل تدابيره اللازمة وعلم أنهما لم تزدوجا ولم تجمعا من قبل، ولا ينتهي من بناء بيت شعري إلا وهو في كامل القناعة أن هذا البيت مختلق من عنديته وأنه إضافة نوعية وليس تكريرا لما سبق وأنه يسد فجوة فنية فاضحة في هذا المعمار الكوني حيث لم ينتبه لها إلا هو فيتسرع في سد هذا الفراغ الهائل، فلو تعامل الشاعر مع شعره بهذه الصرامة حتى يكتمل النص فحينئذ بكل تأكيد ستخرج القصيدة من صلبه طازجة منفردة ومقنعة وكيف إذا تعامل جميع الشعراء مع قصائدهم بهذا الشكل؟.
أما بخصوص السؤال أي قصيدة تكتبني
ففي الحقيقة أستحيي جدا من أن أدعي أن هناك قصيدة تكتبني وحينئذ لا جدوى لوجودي ولا وظيفة لي.
فأنا مع القصيدة مثل القناص الماهر والصياد الذي يجمع جميع أدواته وآلاته ليظفر في النهاية بفريسة ما، فعند كل قصيدة نكابد لنكتشف عالما جديدا وصورا عصية عن التعبير، ومجازا لم يستيقظ بعد في النصوص الأدبية، وأسطورة لم توظف بشكل أعمق دلالةً من قبل، ولا أدري كم تعذبني القصيدة؟ وكم تأخذ من وقتي؟ وكم يحسبني الرائي الذي يراني في الطريق و لم يعرفني أنني طائش وأنا في داخل العملية الشعرية المعقدة حين أشير هنا وهناك، وأتكلم بجمل متقطعة غير مفهومة، وكم تشردني في غيابات التفكير والذهول؟!.
مع كل هذا العنت والمشقات والمعاناة لا أعتقد أني شاعرٌ، فالشعر يموت حين نعتقد أننا شعراء ونتضخم في ذاتنا، ففي كل نص نغامر كأننا لم نكنب الشعر من قبل ونكتب بحبر روحنا ونقطف هنا وهناك زهرة جمالية لامعة آملين أن تكون رائقة لذائقة الشعر وللجمهور.
*متى بدأتْ علاقتُك بالشعر، وما تأثير البيئة التي نشأت فيها على شخصيتك الشاعرة؟
من الصعب جدا الحديث عن البدايات والرجوع إلى الذاكرة الأولى، ومحاولة استكناه وتحديد الجغرافيات الطاعنة في القدم والنأي، ولعل الصعوبة في ذلك تعود إلى أن البدايات غالبا ما تكون بلا وعي وبلا استعداد سابق لكن ربما بداياتي مع الشعر كانت مبكرة جدا لما كان الوالد يمارس فِيّ مهارة الكبار حيثُ كان يلقنني بعض الحروف الهجائية العربية ويعدني أني إذا ميزتُ بينها سيقدمُ لي هدية ثمينة، وكان يلقنني بالقرآن لأحفظه تلقينا قبل أن أميز بين الحروف ولم أعرف ما هو الذي أحفظه أصلاً، لكن من الطبيعي أنك عندما تعد الطفل بالحلوى والهدايا وبعض التشجيعات يستطيع أن يحفظ معك أي شيء حتى ولو كان الإنجيل باللغة الصينية افتراضا ففي هذه الحالة ابتدأت علاقتي مع العربية ولم أزل غصنا غضا.
وبعد مدة أجدني بين يدي جدي المربي الشيخ سرين مورجوب حفظه الله وجدتي المرحومة زَينب سيسه رحمها الله وأدخلها فسيح الجنان، بمدينة سانلويس العاصمة السابقة للسنغال وبالضبط لما كان خالي وأستاذي سرين جبريل جوب يضع النقاط الأولى في حروف قلبي، ويعلمني كيفية التهجي بالكامل لمختلف الحروف والنطق الصحيح للكلمات بطريقتها الأنيقة حتى استطعتُ التمييز وبدأتُ القراءة دون حاجة إلى مساعد في نهاية المطاف وحتى ختمتُ سلكة بيده حياه الله وحفظه ومن بعده قدر الله أن أحفظ القرآن كاملاً وقمتُ بخطه مرتين بيدي في لوحه، في كل يوم نكتب جزء فيصحح الشيخ فنمحو ونكتب جديدا كعادة المدارس العتيقة.
إذن فعلاقتي مع الشعر بدأت منذ انطلاق علاقتي مع القرآن في ذلك الزمن المبكر، فهذا الكتاب المقدس هو الذي أشعل فيَّ جذوة الانصياع إلى لغته، كنتُ أقرؤه يوميا إلى أن حفظته كاملا فاحتجتُ أن أضاعف الجهود من أجل فك شفرات هذه اللغة، فكانت كل كلمة وكل آية وكل سورة قصيرة أو كبيرة تحرك فيَّ شهوة البحث لفهم كنهه والوصول إلى أبعاده ومراميه فبدأتُ التعلم اللغة العربية لأستطيع أن أتماهى مع هذا النص الراقي السامي، فاعتكفتُ على مفرداتها وقواعدها على يد خالي سرين أحمد الخير جوب والأستاذ فاضل انجاي وكان لهذا الأخير تأثيرا كبيرا في إيقاظ موهبة الشعر لدي، حيثُ ظل طيلة سنوات متعددة يلزمني أن أحفظ كل ما مر بي من شعر عربي رصين فمثلا في كل يوم لا يعطيني درسا جديدا إلا وقد حفظتُ الدرس السابق، فحفظتُ مقصورة ابن دريد والدالية ومختار الأدب والبردة على ظهر القلب كما درستُ المقامات والألفية على يد خالي، من هناك بدأتُ أحاول كتابة الشعر يوما بعد يوم، وأتذكر أنه كان في نفس الجيل معي المترجم الحالي محمود درامي خريج دار الحديث الحسنية والشاعر مصطفى كان المقيم حاليا في إيطاليا هذا الثالوث جمعتهم الزمالة وحب الشعر، فكان لكل واحد دفتر خاص يخبئ فيه خربشاته ومحاولاته فكنا نقترح موضوعا وبحرا وقافية باتفاق الجميع ثم ينطلقون في الكتابة ثم في الليل نخصص وقتا للمداولة والنقد الارتجالي فيلقي كل واحد أعز ما عنده على الباقين
ف كأننا أسسنا حركة نقدية نحن نقادها وشعراؤها في نفس اللحظة، فكل واحد يعتبر أنه آلهة الشعر وأنه المبدع الحقيقي وما أن ينتهي من قراءة خربشاته النفيسة بالنسبة إليه حتى يبدأ الجميع في السخرية منه والضحك عليه، ومن الطرافة أنه يوم من الأيام اتفقنا على كتابة قصيدة على موضوع معين على أن يكون اللقاء والنقاش حوله ليلا فلما حان وقت النقاش ونقد القصائد جاء أحدهم وهو يحكي تأسفه لأنه في اليوم الكامل لم يكتب إلا نصف بيتٍ فقط فحان وقت عرض الأباييت فلما عرض نصف سطره ضحك الجميع حد القهقهة فقال لماذا تضحكون فأخبرنا له أن هذا الشطر الذي مت لأجله ليس لك وإنما للشاعر الفلاني، وبتعبير أسهل أنت لم تكتب شعرا وإنما تمثلت بشطر من محفوظاتك، فزاد تعجبا وتذمر.
ففي مثل هذا الجو الأصدقائي دخلتني الحماسة وازدتُ تعلقا وإتعابا لذاتي من أجل الشعر، لكن مجيئي للمغرب عام 2012 اختصر لي المسافة وطوى لي السنين، جعلني بأقل جهد أستطيع الوصول إلى الهدف، خصوصا وقد فتحتُ عيني على مجموعة من التجارب الشعرية الهامة هنا وهناك، وقرأت لأكبر عدد ممكن من الشعراء بمختلف المدارس الأدبية وأزعم أنني اطلعت على كلما تيسر لي من شعر عربي أو أجنبي فكان له أثره البارز في تكويني وفي نضجي الشعري النسبي ساعتئذ.
*ما هي مقاييس مشروعية الشعر الحديث في رأي الشاعر جوب، وهل يؤمن جوب بشعر الحداثة بأوجهه المختلفة ؟
أولا قبل التوغل في معمعة الشعر الحديث ينبغي أن نعرف ما هو المقصود أصلا من الشعر الحديث؟
فمثلا هل الحديث نقيض القديم؟ بمعنى آخر هل المقصود بالحديث ما هو حديث عهد بالكتابة فيصبح قديما بعد ذلك مع مرور الزمن؟ فحينئذ يكون الحديث باعتبار السنين لا باعتبار المضامين فيوافق قول الناقد ابن قتيبة الدينوري الشهير حين قال: كل قديم كان حديثا في عصره، فيكون النص الحداثي عنده أحدث نص مكتوب فقط
أو هل المقصود من الشعر الحديث ما يسمى بالشعر التفعيلة والشعر الحر فيعتبر كل من يكتب على الأوزان الخليلية كلاسيكيا وكل من يكتب التفعيلة أو الحر أو الومضة أوهايكو حداثيا ومنسجما ومتماهيا مع العصر مثلا؟
ثم ما الذي يحدد الحداثة هل هو الشكل أو المضمون؟
ثم هل يكفي لكي يكون النص حداثيا أن يكتب البارحة أو الأمس؟
فهل لو عاش معنا النابغة أو امرؤ القيس وكتبوا نصائص مثلما كتبوا نقول إنهم حداثيون مثلا؟
إذن فقضية الشعر الحديث قضية ملغومة كثيرا نحتاج أن نحفر فيها أكثر وندقق فيها بشكل تجريبي حتى نحيط بأبعادها ونسيجها ونرسم حدودها وخريطتها وفق معايير نقدية دقيقة
وحسب رأيي الشخصي الحداثة ليست شكلا وإلا فكم نقرأ نصوصا هاربة من الوزن والقافية وهي في دركات الكلاسيكية من حيث الرؤية والطرح إلى جانب ذلك قد نجد نصوصا بقافيتها ووزنها وهي في قمة الحداثة، والأمثلة المبرهنة لذلك موجودة.
فالحداثة رؤية شفافة يمتلكها الشاعر فتتجلى في كتاباتها، فهي كيفية وليست بالشكل، فهي تجربة وليست نظرية، فهي رؤية على الأساس فقد تجد المتنبي أو أبي نواس أو ابن الفارض أو ابن عربي أكثر حداثة وعمقا فلسفيا لعدد هائل من كتاب العصر، فالحداثة روح غير قابلة للتحديد والتعريف لكن تأثيرها يظل واضحا ملموسا وغيابها كذلك،وباختصار شديد حسب اقتناعي الشخصي في هذه الجدلية هي أن حداثتنا أن نكتب عصرنا ونكتب ذاتنا” معنى ذلك أن جدة التجربة وقيمتها تتوقفان على جدة التعبير عنها، وعلى ما تزخر به تلك الوسائل من دلالات فنية، مصدرها التوافق بين التجربة نفسها وبين وسائل التعبير، والشاعر الحديث هو الذي يحيا حياته هو، ولا يقبل حياة أي شاعر سابق، مهما بلغت هذه الحياة من العظمة، ولا يسقط أبدا أسير شكل نهائي، بل هو دائما يعوم في فضاء مفتوح بكل حرية وجسارة، فيرتبط باللحظة الراهنة التي يحياها منفصلا عن أي لحظة تسقط في دائرة الماضي
أما الشطر الثاني من السؤال هل أومن بشعر الحداثة بأوجهها المختلفة؟
نعم بكل تأكيد؛ إن لم نستطع أن نكتب شعرا حداثيا على الأقل إن لم نكتب ما نعتبر أنه شعر حداثي حينئذ علينا أن نستقيل من الكتابة ونعلن التقاعد
أومن بكافة التجارب الشعرية وجميع الأشكال من عمودية وتفعيلة ونثر، كما أنني أقرأ لكل الشعراء بدون تمييز عن الشكل، فالذي يهمني هو الشعر المختلف الجميل فأحثه وأطارده كما يطارد المغرم بالظبية الحسناء، فأينما كان الجمال والإبداع والشيء المختلف فثم أنا.
*مررت بتجارب متعددة متمثلة في المشاركة في مهرجانات ومسابقات كبيرة، مثل مسابقة أمير الشعراء، ومهرجان الشارقة للشعر العربي ومهرجان الخرطوم للشعر العربي، ما الذي أفادتك به تلك المهرجانات والمسابقات؟
فعلا لقد شاركتُ في عدة مهرجانات محلية ودولية، وكانت لهذه المشاركات أثرها الإيجابي في تجربتي الأدبية وفي رؤيتي المتقلبة حول الشعر وفلسفته، فكل رحلة تحمل نكهتها الخاصة التي تختلف عن الأخرى تماما اختلاف السماء عن الأرض واختلاف الليل عن النهار. فالمسابقات والتظاهرات الثقافية تمنحنا فرصة اللقاء والاحتكاك بالأصوات الشعرية الحقيقية بمختلف أذواقها فهي في الحقيقة فرصة ذهبية سانحة، فكل شاعر عندي يمثل دولة من الدهشة والجمال وبمثابة مدرسة أدبية متنقلة لدولة معينة، وأهم ما في هذه اللقاءات هامشها المفتوح.
وإذا كان الإنسان العادي كائنا مؤثَّرا فيه ومؤثِّرا فكيف بالشاعر، وهو أرهف المخلوقات حسا وأكثرها اقترابا لما وراء التجلي وخلف الطبيعة، فالسفر وحده يترك أثره في كينونته، وأستطيع القول أن أغلب قصائدي أكتبها في سفر إما في القطار أو المحطة أو الطائرة، مثلا ما دخلتُ طائرة ما إلا كتبتُ نصا جديدا قبل النزول منها، وتختلف القصائد على الطول والقصر.
*زرت بلادًا كثيرة من ضمنها السودان.. ما الذي اختلف عندك بين السودان، وتلك البلاد، وماذا تريد أن تقول للسودانيين بعد زيارتك للسودان؟

آه إنها السودان مدينة الله العظيمة
زرتُ عدة دولٍ لكن زيارتي للسودان تختلف عن جميع الزيارات في جميع الأشياء .
أحسستُ منذ أول خطوتي فيها شعورا عظيما وإحساسا عميقا صدقني لم أستطع أن أصفه حتى هذه اللحظة، أحببتُها جدا ،عند كل خطوة أردد في ذاكرتي أن الفلاسفة كانوا يبحثون عن مدينة فاضلة فلم يجدوها فها أنا أجدها بكل عروقها ونبضاتها، فهذه الأرض سحرتني وتركت في داخلي بصمة قوية مجنونة جدا يا الله لم يخطئ الشاعر العظيم سيف الدين الدسوقي في قصيدته عد بي إلى النيل حين قال ” الناس أروع ما فيهم بساطتهم لكن معدنهم أغلى من الذهب
كم كان صادقا هذا الشاعر وكم رأيتُ ذلك متجسدا في كل صغيرة وكبيرة فيها.
وأعتبر أنني اعتمرتُ فيها ولازم أن أحج إليها إن شاء الله
وكنتُ متحمسا لهذه الزيارة لولعي بهذه التربة المعشبة بالجمال، وأنا ممتن جدا للتجربة الشعرية السودانية ومؤمن بها شعرا ونثرا، وقد فاجأني أنني التقيت بتجارب شعرية في غاية النضج توذن أن فيها طاقات شعرية شبابية متجاوزة ومدهشة، وأنا متأكد أن هؤلاء سيغذون الذائقة المتعطشة بكثير من الإمتاع والجمال
وأغتنم هذه العجالة بشكر جميع السودانيين على كرم ضيافتهم وحنانهم الممتد امتدادا المطر من السماء وعلى رأسهم مدير بيت الشعر المثقف جدا الدكتور الصديق عمر الصديق والشاعرة المتألقة بنت الشمس ابتهال محمد تريتر وجميع الشباب المبدعين حقا كل على اسمه وصفته
وأقول للسودانيين في همسة واحدة لكم مني باقات ورد لن تذبل أبدا رغم مرور الزمن

*أستاذ جوب، الانفتاح الأدبي العربي على إفريقا الذي ظهر في الفترة الأخيرة يبشرنا بأن إفريقيا ستثري المكتبة العربية بمادة شعرية جيدة، برأيك ما الذي يميز الشاعر الإفريقي عن غيره من الشعراء؟

الانفتاح العربي إلى الأدب الأفريقي جاء متأخرا جدا في حين أن أوروبا التفتوا إليه منذ عهد مبكر ربما منذ زمن الاستعمار فتناولوا هذا الأدب بالدراسة والتحليل ذلك ما جعل بعض هؤلاء المبدعين ينطلقون من المحلية إلى العالمية فلا تكاد تجد في دولة أوروبية من لا يعرف الشاعر ليوبولد سدار سنغور وأمي سزير وألب ركامي وسيمون ديبوفوار وشنوى أشيبي وهمباتي با… وهلم جرا فقد تناولوا أدب هؤلاء وغيرهم من النجوم الأفريقية الذين آثروا الكتابة باللغة الفرنسية والإنجليزية وأعطوهم كثيرا من الاهتمام والعناية
حتى ترجم بعض أعمالهم إلى اللغة العربية في حين أنهم يجهلون شعراء عظاما آثروا الكتابة باللغة العربية ومن دون ترتيب مثل الشاعر قاضي مجخت كل وذو النون لي وشيخ أحمد بمب امباكي والحاج خليفة انياس وشيخ إبراهيم جوب المشعري وشيخ امباكي بوسو والشيخ عمر الفوتي وشيخ فودي وغيرهم فهؤلاء تركوا إرثا أدبيا ضخما، وخلفوا آثارا عظمى بالعربية وتفننوا فيما أيما تفنن وأبدعوا فيها أيما إبداع لكن مع كلما خلفوا من تراث ومع كلما ضحوا من جهد جهيد لم يعرفوا في الوسط الثقافي العربي حتى الآن ما السبب؟ لا أدري
فمولانا شيخ أحمد بمب امباكي وحده ترك من الشعر ما تنوء بالعصبة أولي القوة لم أجد حتى الآن قديما وحديثا في الثقافة العربية شاعرا خلى ورائه ما يضاهي ما خلى من الكمية الهائلة من الكنوز الشعرية والعلمية.
فإن هذا الأمر من المؤسف جدا كيف يعقل أمثال هذه القامات الأدبية الذين ضحوا بحياتهم وأعمارهم من أجل الاحتفاء باللغة العربية إلى درجة أنهم لم يتركوا إرثا حضاريا إلا باللغة العربية، وكانوا يتراسلون فيما بينهم بها فيما بينهم مع أنهم كانوا يستطيعون ذلك بلغاتهم الأصلية ثم لا يعرفهم أهل هذه اللغة
فهناك تقصير كبير وقصر الاطلاع تجاه ما يكتب في هذه القارة، علما أن الشعر الأفريقي المكتوب بالعربية اليوم لم يأت عن فراغ وإنما امتداد لما كان في السابق مع اختلاف التجربتين أفقيا وعموديا
ومن يدري لعل مثل هذا السبب هو الذي جعل الروائي والمثقف المرحوم سيدي لامين انياس يعنون آخر مؤلفاته بعنوان ” هوية بين غربتين” حيث يؤكد لنا غربته في بلده الأصلي لكونه كاتبا باللغة العربية والسنغال لا تعترف بهذه اللغة ولا العرب يعرفون عنه شيئا وبالتالي ستكون النتيجة أن تشعر بالغربتين المؤسفتين.
*ماذا عن الدواوين الشعرية ومتى سيرى ديوانك الأول النور؟
عندي مجموعات شعرية جاهزة للطبع لكن لخوفي بالجمهور ولشدة قسوتي على نفسي أقدم رجلا وأؤخر أخرى في هذا الموضوع ولا أدري كم من مرة اتفقتُ مع دار نشر للطباعة وأحجمتُ بعد الاتفاق لشيء لا يقبل التفسير، وأتمنى أن أكون جريئا قريبا في هذه الخطوة لأسعد بالتقاسم مع أحبتي القراء بهذه الاقتراحات الأدبية.
*برأيك هل يجد الشعراء الأفارقة معاناة في تعلم اللغة العربية.. لتساعدهم في مشاريعهم الأدبية إذا افترضنا أن الإسلام ساهم بصورة جيدة في نشر اللغة العربية؟
إذا كان الإنسان العادي يجد صعوبة كبيرة من أجل إتقان لغة ما فكيف الحال واللغة العربية هي من أصعب اللغات وأكثرها تعقيدا كما وكيفا
مع كل ذلك منذ دخول الإسلام في هذا الربوع الأفريقي هناك فئة كبيرة ضحوا بالغالي والنفيس من أجل هذه اللغة، فبنوا مدارس خصوصية للمساهمة في نهضتها ونشرها على أوسع نطاق إلى درجة أنهم وضعوا مقررا خاصا في غاية الصلابة والمتانة فيبقى الطالب ليلا ونهارا تحت ظل الشجر وخلف هبوب المطر يكافح ويجتهد من أجل تعلمها
قد تسألني ما السبب في ذلك وراء هذا الكفاح وارهاق النفس من أجل اتقانها
وباختصار بسيط تكون الإجابة أنهم كانوا يعتبرون أن الإسلام والعربية وجهان لعملة واحدة لن يكتمل إيمانك إلا بإتقان لغة القرآن، وكل المصادر التاريخية تشير أن العربية كانت لغة شبه رسمية لكثير من المماليك السنغالية قبل مجيء الاستعمار وحتى بعد مجيء الاستعمار؛ ففي بادئ الأمر كان المستعمر الفرنسي عندما يريد أن يرسل خطابا إلى ملك من الملوك أو أراد الحديث معه في مهمة فلن تراه يجرؤ بالحديث معه بالفرنسية، بل يختار مترجما له يتقن العربية فيترجم له مرامي خطابه ليصل الخطاب بالعربية الفصحى إلى الملك المعني، وما زالت الأراشيف المؤكدة موجودة إلى يومنا هذا، ورغم كل محاولات المستعمر لم يستطع محوها بالكامل، فما زالت للعربية وزنها ومكانتها لدينا، ومازالت الأوساط الثقافية السنغالية متأثرة بها فحتى الأدب الأفريقي الشعبي المكتوب باللغات المحلية تأثر تأثرا بالغا باللغة العربية لغةً وإيقاعا؛ من ناحية اللغة نجد طائفة من الكلمات تعود إلى العربية ومن ناحية الإيقاع نجد الشعر الشعبي في أغلب الأحيان يكتبُ بالأوزان العربية، فكل البحور الخليلية بتفعيلاتها ومجزوءاتها حاضرة في الأدب الشفاهي المحلي، سواء بالذين كتبوا بالولفية أو البولارية، فالشاعر المهم شيخ موسى عنده دواوين شعرية وقصائد بليغة بالولوفية إما ببحر الطويل وبحر البسيط أو الباقي من البحور المذكورة آنفا.
فهذه الجولة التاريخية مهمة جدا لبيان مدى تضحية هؤلاء من أجل هذه اللغة العظيمة، وأستطيع القول أن الشعر العربي الأفريقي اليوم يعيش في أفضل حالاته وفي زخمه الفكري بمختلف مدارسه وآلياته، ففي كل مدرسة هناك كوادر هامة يسطعون نجوما في سماء الألق والجمال.
*إذن ما هي الحلول التي تُنتَهج لتذليل عقبات اللغة أمام الشعراء الذين يكتبون بالعربية في المحيط الإفريقي؟
ربما لا أستطيع الحسم في قضية الحلول المواتية لتذليل هذه المشقات والصعوبات بالضبط
لكن سأذكر لك شيئين أحسبهما في غاية الأهمية وبتحققهما سيتحقق كثير من الأمور التي من شأنها أن تخفف الكثير وسيكون العطاء بعده أكثر نشاطا وعطاء وأؤكد عليهما الأول: ضرورية وجود دور نشر محترمة تستقبل هذه الأعمال وتطبعها وتنشرها على أوسع نطاق حتى لا تبقى هذه الجهود والأعمال عرضة للضياع في كل وقت، فكم من إرث شعبي أو علمي هناك قد ضاع بسبب عامل من عوامل الزمن،
والثاني: وجود مركز أدبي يحتفي ويرعى هذه المواهب الشابة بشكل دائم ومستمر ومن هنا نثمن جهود حاكم الشارقة د.سلطان القاسمي في مشروعه المهم بفتح ألف بيت شعري، فهذه الدول في غاية التلهف و في أمس الحاجة ليصل إليها، فوجود بيت الشعر مثلا في السنغال أو في نيجريا أو مالي أو غيرها سيكون بمثابة رمي حجر ثقيل في المياه الراكدة، سيكون بمثابة سد فراغ هائل وفجوة عارمة.

*السنغال تلك البقعة الطاهرة من أرض إفريقيا والتي أنجبت عمالقة في شتى ضروب الحياة من الأدباء والسياسيين والرياضيين أين هي من قلبك؟
سنغال تلك الأرض العظيمة الثقيلة لكن رغم ثقلها أحملها في قلبي وأجوب بها الآفاق كما يحمل الصوفي مسجده في داخله، فلن تغيب عني لحظة ولن أغيب عنها لحظة، فأنا وهي حالة غامضة لا يجيد تفسيرها أحد إلا الحلاج العظيم حين قال
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
وإذا أبصرته كان أنا
روحه روحي وروحي روحه
من رأى روحين حلتا بدنا
فعلاقتي مع السنغال هي هذه العلاقة الثنائية المعقدة أقرب ما يكون الانصهار والذوبان في الآخر.
*رسالة للشعراء الشباب على امتداد القارة الإفريقية؟
ما أقول للشعراء العائشين في إفريقيا كالتالي :
هناك آلاف من القصائد البكر تمرون عليها في قارعة الطريق وقد تغفلون عليها وقد لا تنتبهون لها، فأفريقيا منطقة شعرية مذهلة لم تكتشف بعد إلا قليلا فادخلوا حدائقها بطريقتكم الخاصة ءامنين واصنعوا منها وجبة شعرية دسمة وادهشوا بها العالم.
*رسالة تود أن توجهها لشخص ما؟
في النهاية أشكر كل من ساهم في صناعة هذا الفتى المرتمي في أحضان الكون بشكل من الأشكال كما أقدم أسمى آيات الشكر والتقدير لهذه الصحيفة وكل الساهرين لأجلها
محبكم محمد الأمين جوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock