العمل والمستجداتملتقى الشباب

سيرة الشاعر سيرة النبي:

سيرة الشاعر سيرة النبي:
كتب الشاعر والناقد دكتور خالد الوغلاني: عن الشاعر محمد الأمين جوب وقال:
محمد الأمين جوب شاعر سنغالي أبهر جمهور الشعر العربي بشاعرية فائقة وبصور شعرية حديثة مبتكرة جعلته علامة فارقة وصوتا مختلفا يستحق بجدارة لقب أمير الشعراء في المشهد الشعري بعد ان كان الأول بعلامات لجنة التحكيم والأقوى في كل مراحل المسابقة، ويشهد له الناقد الجزائري الكبير د. عبد الملك مرتاض في الأمسية النهائية بعد إلقائه قصيدته قائلا: “أول مرة في تاريخ المسابقة أجد شعرا فوق النقد” في حين أن شيخ النقاد د. صلاح فضل يعطف قائلا: “لإن جاءنا من السنغال شاعر يبزُّ شعراء العرب ويفوق عليهم هذا أمر مثير للفخر والإعجاب الشديدين”، وختم قوله “يا جوب أنت مركب شعري لا حل له”.
وإذا كان التصويت الإفريقي والعربي لم ينصفه ليفوز باللقب فقد فاز بقلوب الملايين هذا الشاعر المدهش سيكون محل اهتمامي في مقالي الشهري بمجلة شاعر المليون
سيرة الشاعر سيرة النبي
مقاربة نقدية بين قصيدة “مقابلة خاصة لابن نوح” للشاعر أمل دنقل وبين قصيدة “سيرة أخرى لابن نوح” للشاعر محمد الأمين جوب
اتخذ الرمز القرآني في الشعر الحديث دلالات عميقة تخرج عن الموعظة لتبني من شخوص القصص رموزا جديدة، تقف على نقيض الدلالة التراثيّة المحكومة بالطاعة المطلقة والقداسة المحفوفة بمحاذير الإيمان والكفر، لتبني لنفسها عالما جديدا مليئا بصور مستحدثة تُستلّ من رحم التراث لتقف على تخوم التمرّد والثورة على المصير. فإذا ابن نوح عند أمل دنقل يخرج من عباءة العقوق التي يلبسها في القصة القرآنيّة ليستوي رمزا للوطنيّ الثائر الذي يرفض ركوب السفينة ومغادرة وطنه، مؤثرا الوفاء للأرض على النجاة في الفلك. وإذا كان أمل دنقل قد ثوّر هذا الرمز القرآني في سياق حداثة ترفض البيت الكلاسيكي لتبني حريّة رؤاها في الشكل الحر لقصيدة التفعيلة، فإن محمد الأمين جوب آثر التمرّد الحداثي داخل البيت الكلاسيكي ليثوّر الشكل والمضمون معا، ويجعل قصيدة البيت (التي كان دنقل يراها شكلا مكبّلا) تطفح صورا حديثة وتجد علاقات جديدة بين الأشياء، فتتعدّد المعاني وتسافر الشعريّة إلى أقاليم جديدة أصيلة مبتدعة. وإذا كان دنقل قد بنى “مقابلته” مع ابن نوح إيقاعيا على تفعيلة المتدارك (فاعلن)، فإنّ دجوب قد قابل في الخلفيّة الصوتيّة لقصيدته هذه التفعيلة نفسها بتفعيلة أخرى هي تفعيلة (مستفعلن)، ليبني قصيدته على البسيط إيقاعا يقيم مقابلة تفعيليّة تشاكل المقابلة الدّلالية بين الفعل والعجز في شخصيّة ابن نوح. فإذا الشكل الخارجي للقصيدة يقيم توليفا منسجما بين إيقاع البسيط المزدوج التفعيلة، وشخصيّة ابن نوح المزدوجة المزاج عجزا وتمرّدا من ناحية، وبين إسناد الكلام إلى الشاعر كائنا حقيقيا حاضرا مزدوج التجلي بين ضمير المتكلم وضمير الغائب الحاضر بقوة في قافية القصيدة من ناحية أخرى. ولو ذهبنا أبعد من ذلك في استنطاق الشكل الخارجي للقصيدة لكشفت لنا القافية ذات الرويّ المبنيّ على ضمير الغائب عن مقطعين واضحين: أولهما بنى رويّ أبياته الأحد عشر على ضمير الغائب المفرد المحيل على ابن النوح قناعا تلبسه الذات لتتمرّد على أقدارها سيرا إلى المجهول الشعري. وأما الثاني فيبني أبياته الخمسة على ضمير الغائب المتعدّد المحيل على كل ما تصبو إليه الذات وقد أدركت طريقها إلى الحب.
قناع ابن نوح بين التمرّد والعجز
تنفتح القصيدة على صورة ابن نوح قناعا للذات الشاعرة وقد جمعت في داخلها المتناقضات، بين هشاشة الطفل يبحث عن لغته، وقوة الواثق يواجه الطوفان بلا جبل يؤوي. ينحت من إنسانيته الناقصة الضعيفة فلسفة يواجه بها الأقدار، بل يواجه بها الخالق في إصرار حتّى وإن وارى الموج حلمه وفلسفته وإصراره
يَمْشِي إلى اللهِ طِفْلاً لَمْ يَجِدْ لُغَتَهْ وَحَيْثُ لا جَبَلٌ يُؤْوِي بَنَى ثِقَتَهْ
تواجهه الذات بمتناقضاته حينما ترى فيه نبيا خان معجزته، معجزة البيان يسير إلى ما قبل الطوفان ركضا إلى الأمس. يتسلّق الزمن الهارب إلى الأمام لتلتقفه المأساة، ويشهد جبل الجودي معضلة نهايته وقد استوت بؤرة النقصان، تماما كما تشهد العبارات القرآنيّة على قلق الشاعر وقد أرهقته الأحزان والمتاعب حتى بُحّ صوته وأتعبت حنجرته المتناقضات. هكذا يصرّ الشاعر على إبراز متناقضاته بدفع الصورة إلى منتهى المآساة عبر حوار تديره الذات مع قناعها ورمز تمرّدها. تنقد نفسها وتتأملها على مرايا الصور الشعريّة القائمة على الطباقات المطلقة التي لا تصدر على الذات وحدها بل، تصدر عن جماعة مجهولة تفتكّ القول على أنها ذات جمعيّة تقيّم الذات الشاعرة وقناعها وفعل تمرّدها. فإذا الشاعر طائر يبيع أجنحته ويفرّط في حريّته، ولكن لمن؟ ولأية غاية؟ وهل كان زعمهم صحيح أم تهمة كيديّة تلفّقها له جماعة من جماعات الطاعة التي تمرّد عليها ابن نوح؟ ما أبعدنا عن ابن نوح الثوري الذي جعله أمل دنقل يضحّي بنفسه قربانا للوطن. إننا في علاقة جدوليّة جديدة يتأمل ابن نوح فيها نفسه وفلسفة وجوده ووظيفته داخل المجتمع. ينصّب نفسه ملكا على مملكة الأشواق « يَحْفَظُ دُورَ الحُبِّ » «يسردها ذكرى فذكرى» كما لو أنه يوثّق علاقته بآبائه الجاهليّين الواقفين على الديار والحافظين للذكرى والموغلين في مأساة العفاء. ولكن، هل يمكن لنا أن نتحدّث عن طلل في الطوفان؟ وهل يمهل الطوفان الشاعر ليذرف دمع الذكرى على أطلال الإنسان الناقص الكامن فيه؟
يَا رَبِّ ثَمَّةَ فِي الوُجْدَانِ أَسْئِلَةٌ لِطَائِرٍ في الحَنَايَا لَمْ يَجِدْ شَفَتَهْ
سَكْرَانَ يَقْطِفُ وَرْدَ العُمْرٍ مُحْتَرِقًا للآن يَرْفَعُ كَالجُدْرَانِ أَخْيِلَتَهْ

ههنا تقف الذات عارية من أقنعتها، تتحدّى الموت بأسئلة الشعر، تبحث عن لغة جديدة بشفاه جديدة من خارج أسوار العقل، تتوه كالدراويش والمتصوّفة في غيبة تتخذ من الخيال مصدر المعرفة الحق. يجمع الشاعر بين السّكر والاحتراق ليقطف لجمهوره ورد الفنّ عمرا يحترق لتنوير العالم. يغيب سكرا ليدرك العالم من حوله معرفة خارج الحواس، ينأى عن مظاهر الطوفان الدنقلي إلى طوفان آخر فيه الكثير من الطرقيّة الصوفيّة، والبحث في خبايا الذات عن الكنز الإنساني المفقود. يحيط نفسه بالأخيلة يغيب عن حسّيّته «يتيه في دولة الأيام» خارج المكان بلا وطن محدود. يحترس من الانتساب إلى الدنيوي يحترس من كلّ شيء يجعل منه وجودا ماديا يفضح صفته. يسجل حضوره على صفحات الأيام وكأنّ التاريخ صفحته التي يكتب عليها وجوده بمعناة المتصوّفة وسكرهم وحبهم الجارف للحياة وقبولهم الفطري للموت باعتباره انتقالا من الوجود المكاني إلى الوجود الزماني الأرحب. وحيث واجه دنقل طوفان الاستعمار بفكرة الوطنيّة باعتبارها تقديسا للمكان، واجه محمد الأمين جوب الموت بفكرة الذات الزمانيّة الخالصة التي تجعل الوجود سفرا خالدا في الزمن.، مركبه السؤال ولا غاية له إلّا المعرفة وقد استوت فكرة محضا خارج أسوار المكان والحس والمتعة. إنها الحياة الحقيقية التي تعجز الحواس عن إدراكها ويقطفها الخيال كلما تخلّص من حسيّة العقل وأسرى به السّكر والشّطح الصوفيّ إلى وجود جديد لا يطلب منه سوى شيئين لم يفصح عنهما. لعلّهما التمرّد على الوجود المكاني الضيّق، والتوق السرمدي إلى الحب باعتباره عطاء يتجاوز المكان الأرضي المحدود بالفناء، إلى الزمان السرمدي الممتد والعابر للأمكنة والحواس.
إدراك الطريق والوجود الزمني المتعدد
في المقطع الثاني تترك الذات كلّ وجود مكانيّ محدود لتفلت من زقاق المكان، من عنق الزجاجة الفاصلة بين الوجود المحدود والوجود المطلق، لتنفذ مع الدراويش نحو الوجود الزماني وقد أبحرت في الصباح بلا أشرعة. وهنا يجري الخطاب على لسان الذات الحاضرة لوجهها العاري دون قناع ابن نوح خلف ضمير الغائب
كُلُّ الدَّرَاوِيشِ مَرُّوا في الزُّقَاقِ مَعِي فَجْرًا وَمَا فَرَشُوا للصُّبْحِ أَشْرِعَتَهْ
ههنا فحسب يتنازل ابن نوح عن عرش القافية وكرسي الرويّ لكائنات متعدّدة لا يجمع بينها سوى شيء واحد هو الإفلات من عقال المكان الضيّق والإبحار في عالم الزمان الرحب. ههنا يترك ابن نوح عرش هاء الغائب في قوافي القصيدة إلى الصبح، وإلى الدرب الذي لم يجد جهته، وإلى البدئي الذي يرى آخرته، وإلى دليل الوصل الذي أضاع بوصلته، وإلى الوجود الذي لا يغتال معجزته. هكذا يعيد جوب للقافية اعتبارها على عرش مملكة الشعر باعتباره وجودا زمانيّا ينفذ من المفرد إلى المتعدّد، من الرويّ الواحد إلى الوجود المكثّف في كائنات زمانية في بهاء الصبح، والدرب خارج الجهات، والبدء في النهايات، ودليل الوصل بلا بوصلة، والحب الدائم الذي لا يغتال معجزته. وهكذا يبشّر جوب بقصيدة جديدة تسير من النهاية إلى البداية، من القافية إلى البيت. قصيدة تعتزّ بانتمائها المتعدّد إلى اللغة باعتبارها كائنا زمانيّا تتوالى وحداته الصوتيّة والإيقاعيّة لتكتب عكسيّا، من اليسار إلى اليمين، من القافية إلى البيت، من الصوت إلى المعنى. تنحت صورها بأظافر القافية على زمانيّة الصوت. لا تحتاج إلى المكان لكي تبتكر الصور لأنها تصبو إلى وجود في الزمان مغالبة للموت. “تبيت خارج الأنحاء” “تهرب إلى الريح” بقلق المتنبي. تستبطن الوطن بسياحة النبي يحمل وطنه في عقيدته وفلسفة وجوده حقيبة لا يتسع لها مكان ولا يحيط بها حيّز محدود، لأنّها وجدت لتحمل سفر الحب وتقرأه على الوجود دون أن تغتال معجزة القافية وزمنيتها. هكذا ينخرط دجوب في حركة قصيدة الشعر وعيا أو حدسا إيمانا بنهاية حداثة المكان أو تبشيرا بوجود كامل وأصيل في الزمان الخالد
يجْرِي كَمُهْرٍ أَصِيلٍ لَمْ يَخُنْ صِفَتَهْ شِعْرًا يُعِيدُ لِرَبِّ الشِعْرِ فَلْسَفَتَهْ
وَجْهٌ تَلِيدٌ وَعُمْقُ الكَوْنِ مُحْدَثُهُ كَنَجْلِ نُوحٍ يَضُمُّ الْمَاءُ مُعْجِزَتَهْ
فِيهِ التَّمَرُّدُ وَالصُّوفِيُّ مَدَّ لَهُ قَلْبًا يُعَالِجُ نَبْضُ الحُبِّ مُعْضِلَتَهْ
يَأْتِيكَ مِنْ زَمَنٍ يَجْرِي إِلَى زَمَنٍ يَعُدُّ كُلَّ حَدِيثٍ فِي الرُّؤَى شَفَتَهْ
يَأْتِيكَ مِنْ سِنِغَالِ الحُبِّ فِي لُغَةٍ أَحَبَّهَا الشِّعْرُ حَتىَّ عَانَقَتْ لُغَتَهْ
ومن الملاحظ في شعر جوب أنه يمتاح من معينين بازين واضحين معين التصوف والثاني الفلسفة فيجعلانه طائرا فينيقيا ومبدعا يمتلك موهبة فريدة في المشهد الشعري فله عالمه الخاص ومغامرته المدهشة المختلفة مع اللغة ومع الأساطير والثقافات المتنوعة سيما الثقافة الأفريقية
الشاعر والناقد د. خالد الوغلاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock