السياسةالعمل والمستجدات

متى وكيف ينتحر المثقف ؟ بقلم عبد الرحمن بشير

متى وكيف ينتحر المثقف ؟ بقلم عبد الرحمن بشير
………………………………………………………………
هناك نوعان من الإنتحار ، أدبي ، ومادي ، وكلاهما خروج من الفعل التاريخي ، ولكل واحد منهما يتطلب قرارا ، ذلك لأن من ينتحر جسديا ، ويقتل نفسه ، يقرر الرحيل ، لأنه تعب من الحياة ، فقد يكون التعب حقيقيا ، وقد يكون وهميا ، أما الثاني ، فهو مرتبط بالفشل ، ومعرفة الدور ، وعدم تقدير رسالة المثقف ، حينها فقط يعلن المثقف موته ، ويقرر رحيله من ساحة التأثير .

يرحل المثقف من الحياة ، لأنه فقد مقومات الوجود ، فقد سقط القلم من يده ، ووقع فى يد غيره ، وقرر أن يكون بوقا من أبواق السلطة ، لا يأمر بالمعروف ، ولا ينهى عن المنكر ، ولا يقدر كتابة مقال فيه نقد ، أو توجيه ، أو بحث عن الخلل ، ورأيت من المثقفين من يتناول قلمه عن الماضى ، ولكنه يخاف الحديث من الحاضر ، فى الحاضر أشواك ، وهو كمثقف خارج من التأثير لا يريد الحديث عن الأشواك ، ومن هنا قرر الرحيل قبل أوانه .

الإنتحار موقف ، ولكنه موقف سلبي ، وهو هروب من المواجهة ، وانسحاب من الحياة ، وخروج نهائي من التاريخ ، ولكن كيف ينتحر المثقف ؟
ينتحر المثقف حين يخاف من المواجهة ، ويعلن استسلامه للواقع ، حينها فقط يخرج من صناعة التاريخ ، ويتوقف عن العطاء ، ويدور حول السلطة عطاء وتوقفا ، وبهذا ينتحر المثقف .

ينتحر المثقف حين يمشى وراء الجماهير ، ويتكلم حسب الطلب ، فالمثقف ينتقد الأوضاع ، ويصحح المسار ، لأنه ليس سياسيا ، بل هو مثقف ، والفرق بينهما كبير ، فالسياسي يسعى للسلطة كهدف ، وهذا مشروع ، ولكن المثقف يسعى لتصحيح أوضاع السياسة ، وهذا مطلب ، وضرورة ، فلا نهضة بدون مشروع ، ومن أهم من يصنع المشاريع هم المثقفون ، والمثقف حين يصبح بوقا من أبواق السلطة ، أو تابعا من توابع الجمهور فلا مستقبل للمثقف ، بل هو فى طريقه للإنتحار .

ينتحر المثقف حين يسلم راية الثقافة للإستعمار ، سواء كان المستعمر دولة ، أو منظمة ، ومن أخس أنواع الإستعمار فى هذه اللحظات ما يسمى بالمجتمع المدني الذى يعمل لصالح مشاريع غربية ، أو عربية فى بعض الأحيان .
ليس مثقفا من يأخذ أولوياته من الخارج ، ومن يتحدث عن الختان فقط ، وكأن مشروع المرأة أصبح مختزلا فى عورتها ، وليس مثقفا من تكون أولويته القصوى فى ( دمقرطة ) المجتمع حسب المفهوم الغربي ، وليس مثقفا من يجعل أولويته فى تحسين الإدارة حسب النمط ما بعد مجتمع التراحمي .

إن المثقف الذى يُحدّد له البرنامج فقد انتحر ، وانتهى ، ولَم يبق له دور محدد ، وليس مثقفا من يعيش فى قفص المنظمات ، ولا يرى الخارج ، فهو مثقف جماعة ، وليس مثقف أمة ، ومن هنا فقد قرر أن يخرج من التاريخ ، وبدأ يشق طريق الإنتحار .

ينتحر المثقف حين يصبح بلا قلم ، وينتحر القلم حين يصير بلا هداية ، وكم من مثقف تنازل طواعية عن قلمه ، وترك ليسقط القلم فى يد طاغية ، وكم من مثقف توقف عن العطاء ، لأن الزمن تجاوزه ، فهو يكتب ، ولكنه يكتب بلغة غير علمية ، أو يكتب لجيل مضى ، فهو يعيش فى زمن آخر ، ومن هنا قرر أن ينتحر .

ينتحر المثقف حين لا يتصالح مع ذاته ، فهو يعتقد بأن السيف والمصلحة مع الحاكم ، ولكن الحق مع طرف مغلوب ، فيكتب ما لا يعتقد صحته ، أو ينشر ما يتعارض مع توجهاته ، حينها يسقط القلم الحقيقي من يده ، ويصبح المثقف بلا سلاح ، وتنتهى صلاحيته ، فلا أحد يقرأ له ، ومن هنا بدأ يشق طريقه للإنتحار .

هناك مثقف يموت فى السجن ، أو يتم اعتقاله ، لأنه رفض أن ينتحر ، وهناك مثقف يموت فى القصور ، أو ينتحر فى المكاتب ، لأنه قرر أن يكون بلا قلم حر ، ولدينا مثقف لا يتكلم بلا إذن سياسي ، فهو يمارس على نفسه نوعا من العبودية ، ولدينا مثقف يرفع صوته ، ويستعد للمفاجآت ، فالأول منتحر ثقافيا ، لأنه استنفذ أغراضه إجتماعيا ، والثانى قد يموت ، ولكنه يبقى شعلة تضيئ ، لأنها تحترق للناس .

مات تولستوي فقيرا ، ولكنه لم ينتحر ، ومات مالك بن نبي فقيرا ، ولكنه لم يخرج من عالم صناعة الأفكار ، ومات ابن تيمية فى السجن ، ولكنه تألق بعد موته كثيرا ، ومات سيد قطب مقتولا ، ولكن أفكاره غربت ، وشرقت ، وقُتل بالمنشار الصحفي جمال خاشقجي ، ولكنه أصبح لعنة على قاتليه ، وخرج على عزت من السجن ، وكتب أعظم الكتب ، وأصبح قائدا سياسيا يجمع بين الثقافة والسياسة ، بينما انتحر المئات من المثقفين ، وأصبحوا بلا رسالة ، وكانوا يوما ما نجوما ، ولكنك اليوم لا تسمع لهم صوتا .

حين يتوقف المثقف عن العطاء ، فقد استعد للموت ، وحين يعطى ، ولكن العطاء يكون استجابة للطلبات فقط ، فقد توجه نحو الإنتحار ، وحين يجْبن من المواجهة ، ويقول ما لا يُؤْمِن به ، فقد انتهى كمثقف ، فهو جسد بلا روح ، وحين يقول كلمته حسب العطاء ، فقد صار من الذين يشترون آيات الله ثمنا قليلا ، وحينها سقط من أعين الناس ، وللناس عيون حادة ، ولديهم قوة خاصة فى معرفة الخبيث من الطيب ، وهده القوة تكمن فى الفطرة .

ينتحر المثقف حين يتنازل عن الإنسانية ، فلا ثقافة لمن لا إنسانية لها ، والغريب أن بعض المتدينين يقدسون الحجر ، وينسون الإنسان ، أو يتناسون ، الحجر يبقى حجرا ولو كان مقدسا ، ولكن الإنسان هو أهم ، وأفضل المخلوقات ، وأكرم الخلق على الله .

ينتحر المثقف حين يصبح بلا بوصلة ، فهو اليوم مع الثورة ، وغدا ضد الثورة ، وهذا النوع من المثقفين الذين يفتقدون البوصلة ، يقعون فى الأفخاخ ، لأنهم فقدوا البوصلة ، أين الهدف من قبل ومن بعد ؟ ولهذا فلديهم آراء متناقضة بشكل منهجي .

إن المثقف الحقيقي يعيش لأجل أن يجعل أمته تعيش ، ويبحث لأجل أن تسعد أمته ، ويمنح فكره للأجيال لأجل أن ترى الأجيال النور ، فهو ليس ابن اليوم ، بل هو يحاول أن يكون امتدادا للماضى السحيق ، وأن يكون موجودا بقوة فى الحاضر الصعب ، ويستعد للمستقبل ومفاجآته ، ومن هنا فهو يواجه جيوش الإنتحار ، وما أكثرهم !

إن الأفكار نوعان ، حية ، وميتة ، ومن الأفكار الحية ، أفكار تحيى ، وأفكار تميت ، ومن زمن بعيد ، كتب مالك بن نبي ، وتحدث بحرقة ، ولكن أحدا لم يستمع إليه ، فقد مضى جل الناس هكذا بعيدين عن نداءات مالك بن نبي ، ولهذا وجدنا اليوم يقعون فى الأفخاخ ، فلا نهضة بدون فكر ، ولكن الفكر يتطلب إلى صناعة ، والصناعة تتطلب إلى شجاعة ، وهذا هو زمن الشجعان ، وبدون ذلك ، سيكون التنافس فى مجال الإنتحار .

يمكن أن يقدم المثقف كتبا ومقالات مكررة ، ولكن من الصعب تقديم كتبا ومقالات نوعية ، وأفكار جديدة تجيب عن اللحظة الصعبة التى نعيشها ، وخيرا فعل الدكتور محمد المختار الشنقيطي حين قدم عصارة فكره فى كتابه ( الأزمة الدستورية فى الحضارة الإسلامية ) ، ومن الملاحظ أن نذكر بأن البعض ظن بأن الأستاذ انتقد الرسالة ، ولهذا كتب أحدهم بأنه لا أزمة فى الرسالة ، ولكن الرجل ذكر بأن الأزمة فى التجربة ، وليس فى القيم ، وموجودة كذلك فى الإجراءات ، وليست فى النصوص الدستورية ، ومن هنا نقول : المثقف ليس جزءا من الواقع فقط ، بل هو يخطط من خلال الواقع رسم المستقبل المنشود .

قديما ، قال ديكارت ، أنا أفكر إذا ، أنا موجود ، ولكن هذه المعادلة الفلسفية تغيرت عند المنتحر ثقافيا ، أنا أفكر ، إذا أنا مقتول ، ومن هنا أقرر أن لا أفكّر ، وحينها يقرر أن يخرج معنى الإنسانية ، وينسحب من عتبة ( البشر ) ، ولكن لن يكون غير إنسان ، سيبقى إنسانا من حيث الشكل ، ولكنه من حيث المحتوى قرر بلا حساب أن ينتحر .

يمكن أن تعيش لأجل اللحظة ، وتتحدث عن وقائع وأحداث ، ولكن ليس مثقفا من يعيش مع الناس فى أطروحاتهم ، ولكن المثقف من يعيش لفهم ما يدور من أحداث ، ولديه فكرة مغايرة ، ورؤية مختلفة ، ويقدم للناس حلولا ، وأفكارًا ، ومشاريع ، ولوكانت بعيدة عن أفكار الناس ، ذلك لأن المثقف حين يكون كالناس ، فهو جزء من المشكلات ، وليس جزءا من المستقبل ، ومن كان كذلك فهو منتحر ثقافيا وفكريا ، والحديث العاطفي الدائم عن الواقع جزء من المشكلة ، وليس جزءا من الحل ، فالمثقف ينتحر فكريا حين يتوقف عن العطاء ، وإنتاج العطاء العقلي ليس سهلا ، ولهذا يختار بعض المثقفين طريق السهل ، وهذا الطريق هو بداية الانتحار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock