الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

علاقة الأسرة الخديمية الطوبوية بالأسرة الكولخية العبدلاوية

علاقة الأسرة الخديمية الطوبوية بالأسرة الكولخية العبدلاوية

كان شمل شيوخ السّنغال مجموعا، وكان بنيانهم مرصوصا، وكانت تربط بين قلوبهم أواصر العهد والصّداقة، وتجمع بينهم وشائج الأخوّة والتّحابب في الله، فلم يكن اختلاف طرقهم داعيا إلى التّنافر والخلاف، أو سببا في انشقاق كلمتهم، بل جمعهم جميعا في باحة يتضوّع منها أريج المحبّة والوئام والاحترام. ويدل على تصافيهم وتوادِّهم مراسلاتُهم الشعرية والنثريّة وتبادلاتهم الهدايا النفيسة والزيارات الجميلة. ومن أوكد الدلائل على ذلك هذه المظاهر الآتية:

1- زيارة الشيخ محمد الخليفة انياس للشيخ الخديم – رضي الله عنهما –

لقد أرسل الكولخي الشيخ الحاج عبد الله انياس نجله الشيخ الحاج محمد الخليفة انياس (1881م – 1298ه‍) إلى الشيخ الخديم – رضي الله عنهم – لتقديم تعازيه بمناسبة وفاة أخيه الشقيق مام مور جار امباكي – رضي الله عنه -.

2- هدية الشيخ الخديم إلى الشيخ الحاج عبد الله انياس – رضي الله عنهما –

لقد أهدى الشيخ أحمد الخديم امباكي إلى صديقه الشيخ محمد الخليفة انياس – رضي الله عنهما – أحد علماء السِّنغال نجل الشيخ عبد الله انياس – رضي الله عنهما – ذات يوم كتاب “تفسير الجلالين” لجلال الدّين السُّيوطي وجلال الدين المحليّ عن طريق مصمب سين في دانق سين، ففرح الحاج عبد الله انياس حتى أمر ابنه بالرد عليه بأبيات.

3- قصيدة الشيخ محمد الخليفة انياس في مدح الشَّيخ الخديم – رضي الله عنهما –

يقول الشيخ الحاج محمد انياس هَذه القصيدة البهية المحكم سبكُها البديع حَبكُها فِي مدح الشيخ الخديم بإذن والده – رضي الله عنهم – بعد ما أهدى إليه الشيخ الخديم هَديته المذكورة:
أَزْكَى سَلاَمٍ كَطَعْمِ الشَّهْدِ بِالرَّاحِ = يَنُوبُ عَنَّا وِصَالَ الرَّاحِ بِالرَّاح
أَزْكَى سَلاَمٍ كَرَيَّا الْمِسْكِ نَفْحَتُهُ = مُعَطَّرًا بِنَوَاحِي الشَّيْخِ فَوَّاحِ
شَيْخٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ عَيْلَمٌ عَلَمٌ = فَمَا ثَنَائِي بِمُطْرِيهِ وَأَمْدَاحِ
أَتْحَفْتَنَا بِكِتَابٍ لاَ نَظِيرَ لَهُ = أَرْوَى غَلِيلَ صَدَانَا بَعْدَ لُوَّاحِ
لاَ زِلْتَ تَرْأَبُ مَا أَثْأَتْ وَمَا فَتَقَتْ = أَيْدِي الْوُشَاةِ بِإِرْئَابٍ وَإِصْلاَحِ
أَزْكَى وَأَفْرَحُ مَا يُهْدِيهِ مُحْتَسِبًا = دَبَّتْ حُـمَيَّاهُ إِذْ وَافَى بِأَفْرَاحِ
هُوَ الْجَلَالَانِ تَفْسِيرًا لِمَنْصِبِكُمْ = مِصْبَاحُ عِلْمٍ كَضَوْءِ الصُّبْحِ لَمَّاح
بِهِ تَتَرَّسْتَ عَنْ كَيْدِ الْغَرُورِ وَقَدْ = أَعَدَّ مَاضِيَ أَسْيَافٍ وَأَرْمَاحِ
جَزَاكَ عَنَّا إِلَهُ الْعَالَمِينَ كَمَا = أَحْيَيْتَ مِنْ مَنْهَجٍ فِي الْعُرْفِ وَضَّاحِ
خُذْهَا مُخَدَّرَةً مِنْ وَصْفِكُمْ جُلِيَتْ = تَرْنُو بِطَرْفٍ إِلَى لُقْيَاكَ لَمَّاحِ
أَزْكَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ = اَلْهَاشِمِيِّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْمَاحِ
وَالْآلِ وَالصَّحْبِ مَا نَاحَتْ مُطَوَّقَةٌ = عَلَى نَضِيرٍ مِنَ الْأَغْصَانِ مَيَّاحِ

[ينظر: مقدمة الديوان النَّبي المختار فِي سِيرة ومدائحِ السيِّد الأخيار، ص: (6)، (نسخة إلكترونية التي نسخها بابكر طوري نيل المرام) بتصرّف، و كتاب “الخليفة الحاج محمد انياس صاحب البصمات الراسخة والكرامات الخالدة” لمؤلفه الشيخ محمد الهادي بن الحاج أحمد انياس الواعظ في قناة والفجر، الطبعة الأولى: 1435ه‍ – 2014م، ص: (123)]

4- مرثية الحاج سرين امباكي بوسُو للعالمين الشيخ الحاج مالك سه والحاج عبد الله انياس – رضي الله عنهما –

ومن طرائفِ ما يُروى ولما وافى الأجل المحتُوم الشيخ الحاج مالك سه والحاج عبد الله انياس – رضي الله عنهما – في عام واحد، رثاهُما الشيخ الحاج سرين امباكي بوسُو – وكان خليلاً لهُما – بقصيدة رائعة بإذن من الشيخ الخديم – رضي الله عنهما -، منها هذه الأبيات:
يا ثَلمةً فِي دِيننا الإسلاَم = مِن قَلع قرني هامة الأعلامِ
السَّيدين العَالميْن الناسكين = المُسلكين لحضرةِ العلام
شمسٌ وشمسٌ عَام شَمس غَابتا = فبكى الورى لتكاثُف الأظلامِ
من لِلشَّريعَةِ والمَدارس والمَنا = بر والمعَارف بعد والأقلامِ
أو مَن لحلِّ المُشكلات إذا ونَتْ = أفكار كل مدقِّق مفهامِ
وا مالكا للسُّنةِ الغَراء والـ = قُربى وللضُّعفاء والأيتامِ!
ما ليثُ غيل مِثل عَبد الله فِي = يوم الحُروب الباسِل المقدامِ
لو أنَّ نفسا من حَمام تفتَدى = لفَداكُما ألفًا من الأنَام
لكنَّه حَتم وقَد أبقيتُما = ذِكرا جَميلاً والثَّناء السَّامِي
فجُزيتُما خيرا وعَن نفسيْكما = بالرّوحِ والريحَان والإكرامِ

[ينظر: “الخليفة الحاج محمد انياس صاحب البصمات الراسخة والكرامات الخالدة” لمؤلفه الشيخ محمد الهادي بن الحاج أحمد انياس الواعظ في قناة والفجر، الطبعة الأولى: 1435ه‍ – 2014م، ص: (122)، وكتاب “دراسات حول المُريدية”، من منشورات دائرة روض الرياحين، طبعة دار المعارف، 1431ه‍ 2010م ، ص: (129- 130) مع اختلاف يسير]

5- رسالة الشيخ إبراهيم انياس إلى الشيخ الحاج سرين امباكي بوسُو – رضي الله عنهما –

لقد كتب الشيخ إبراهيم انياس إلى العلامة الشيخ الحاج سرين امباكي بوسو – رضي الله عنهما – هذه الرسالة وهو يصله فيها ويسأله عن بعض الأمور، فأجابه هذا الأخير برسالة قيمة، حيث يقول فيها: “… وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أيها الولد البار ونجل السادة الكرام البررة، الحج إبراهيم بن الحاج عبد الله انياس – كان الله له وتولانا وإياه -، يليه إعلامك بأني مسرور ببراوتك اللذيذ الخطاب. وما معها من الهدية المقبولة المرضية، فجزاكم الله تعالى عنا خيرا ووقاكم هما وغما وضيرا. هكذا بر الأبنآء بالآبآء. فيرجى لهم نيل البركات. “هكذا هكذا وإلا فلا لا” البيت؛ أما ماذكرت فيها من التحابب في الله تعالى فاعلم يا بني أن ذلك شيء ورثتموه من الآبآء الأولين. هكذا كانوا مع أصولنا الأقدمين. وأرجو من الله أن يديم ذلك بين الذرية أجمعين. قال:
ورثنا من الآباء حفظ ودادكم = ونحن إذامتنا نورثه الأبنآ

وأما التماسك منا صالح الدعاء فإني التزمت ذلك لجميع المسلمين حيث كانوا ، ولاسيما من قام بإحياء السنة الغراء مثلكم. فلا عدمناكم ولاعدمنا بركتكم … إلخ”.

6- جواب العلامة الفهامة الشيخ الحاج امباكّي بوسُو للشيخ إبراهيم انياس الكولخي – رضي الله عنهما –

ولله درّ العلامة الفهامة الشيخ الحاج امباكّي بوسُو الذي يقول فِي جوابهِ للشيخ إبراهيم انياس الكولخي – رضي الله عنهما – وهو يذكُر أعيان العُلماء البارعينَ الذينَ تصدروا على يَدي المُفسّرِ المشهورِ والمعلِّم الكبير الشَّيخ محمد مصامبا تيام – رحمهُ الله – (Tafsir Mame Massamba Thiam): “وأما الذين أخذُوا عن جدِّكم محمد صامبا اتيام حتى تصدروا فخلق كثير، كلهم ظهرت فيه بركاته وأنواره وسرت فيه بالمعاينة أسراره، وبالجُملة فعُلماء أهل هذا القطر جلّهم أخذوا عنه إما مباشرة أو بواسطة عنه تنتهي إليه، فجزاه الله عن الإسلام وعن أهله خيرًا.

ومن مَشاهير الآخذينَ عنه مباشرة مَهْرَم جدّ هؤلاء البكيينَ وعنهُ أولاده الأعلام وعنهُم خلق كثير ممن عاصَرهم. وهكذا إلى هلم جرا وذريته من سَمعتُم ومن رأيتُم، وقد كتبت فيهِم لحادثة حدثت هُنا هذا العام ما فيه جَوابك الشَّافي الغليل، وعَسى أن تجدُوه بأيدي النَّقلةِ – إن شاء الله -.

ومن مَشاهير منْ تيقنتُ أنَّهم شَاركوا الجدّ المذكُور في الأخذ عنه إلا أنه لم يبلغنا أنَّه زادَ عَليه غيره منَ الشُّيوخ دُونهم جدُّ الككيين المختار جُوب الطائر الصِّيت في هذا القطر البعيد عن مصادر العلوم الشَّرعية؛ إذ لم يدخله من مَعادن العلم إلا أفراد من عُلماء الشَّرق المغربيين.

وممن شَاركهما فيه دمبَ فال جدّ آل بِر وبانيه، وممن عاصر هؤلاء مَلامين صار الشَّهيد بسببِ حدث الجِهاد بين مُسلمي هذا القُطر وفُسَّاقه، وممن عاصرهم مكمبَ لي باني السِّين الأول، وكان مُدرِّسا شَهيرا كثير الكتب ولما بلغه رجُوع المُختار جوب باني كُوكِّي من أرض السَّاحِلِ بفنُون لم تكُنْ مُحرَّرة هنا قبلهُ ارتحل إليه مع من كانوا يقرؤون عَليه.

ومِنْ جُملتهِم لي كَن باني السِّين الثَّاني، فبقِي هُو عند المُختار حتَّى تصدَّر، ثمَّ رجعَ وبنى مدينته قُرب شَيخِه الأول، وخَلقٌ لا يُحصُونَ لعدم اعتِنائهم بتَدوينِ الوقائع الزَّمانية، ولعَلّ هِمّتكُم العَاليةَ – بتَوفيقِ اللهِ – تنفي تلك الغَفلات”. [ينظر: “رسَالة الشيخ سرين امباكّي الموجّهة إلى إلى الشَّيخ الحاج إبراهيم انياس – رضي الله عنهما -” ضمن “مجموعة من كتابات العلامة الشيخ امباكي بوسو”، والتي قام بإعدادها وجمعها المرحوم البحر الفهامة الشيخ سيدي مولاي بوسو شعبان سنة 1428 ه‍ – 2007م]

7- شهود الشيخ إبراهيم انياس – رضي الله عنه – كون الشيخ أحمد بامبا خديم طه عليه السلام

قال العلامة الكولخيُّ الحاجُّ الشَّيخ إبراهيم انياس – رضي اللهُ عنهُ – شهودا كون الشيخ أحمد بامبا خديم طه عليه السلام في خاتمةِ منظومته الأرجُوزة (روح الأدب):
قَدْ قالَ في هَذا المَجالِ الأمجدُ = خَديمُ طه المَالكيُّ أحمدُ
فَليسَ يكسبُ سَوادُ الجِسمِ = بَلادةَ الفَتَى وسُوءَ الفَهم

8- شَهادة خَالدة من الشيخ إبراهيم انياس للشيخ محمد الفاضل امباكي – رضي الله عنهما –

مما يروى أن شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم انياس (باي انياس) كان يعجبُ من الشيخ محمد الفاضل امباكي – رضي الله عنهما – علمه العزير وثقافته الإسلامية الواسعة مع اتقانه وتمكنه من اللهجة الولفية، فقد أخبرني بعض من أثق به من الإخوة أنَّ الشيخ محمد الفاضل كان يتحدث ذات يوم في الإذاعة الوطنية بالولفية وباي انياس يستمع إليه وفي جلسته تلك أتباعه، والتابع لا يعرف من المتحدِّث، فلما انتهى من كلامه علق المريد عليه قائلا: “هذا كلامه في الولفية بليغ، لو كان يتقن العربية لكان أبلغ”، فقاطعه باي بقوله: “قُل لو شاءه أن يتحدّث بها. هَذا مُحمد الفاضل امباكي أعرب الناس وأشعرهم”، فسكت المُريد.

هَكذا كانت تعيش أفراد الأسرة الخديمية الطوبوية مع جميع الطرق الصُّوفية بالسنغال على الرغم من اختلاف مشاربهم ومناهلهم حيث نجدهم إخوة متماسكين يربطهم علاقات حميمة وطيدة ومودة خالصة يفوق الوصف. وحسبك منها ما أوردناه من شواهد قوية تؤكد متانة العلاقة التي كانت تربط بين الأسرة الخديمية والأسرة العبدلاوية، ولا يجب على جيل هذا العصر الراهن إلا السير على درب المُريدين الأوائل والحرص على صيانة آثار السلف الصالح.

بقلم الأخ الباحث سرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي

ليلة الاثنين 22 من شهر محرم 1443 هجرية 30 أغسطس 2021 ميلادية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock