السياسةالعمل والمستجدات

مرة أخرى ، نظرة استراتيجية نبوية للمستقبل . عبد الرحمن بشير

مرة أخرى ، نظرة استراتيجية نبوية للمستقبل . عبد الرحمن بشير
……………. …………………………. ……………………. …………………. …………………. ……………
ورد فى صحيح البخاري ومسلم عن موسى بن علي عن أبيه قال : قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقوم الساعة والروم أكثر الناس ، فقال له عمرو : أبصر ما تقول ، قال : أقول : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لئن قلت ذلك ، إن فيهم لخصالا أربعًا ؛ إنهم أحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ، وأوشكهم كرة بعد فرة ، وخبرهم لمسكين ويتيمة وضعيف ، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك .

فى الحديث تقرير عن الغيب المطلق ، والغيب المطلق بيد الله وحده ، لا يعلم التفاصيل كما هي إلا رب العالمين ( قل لا يعلم الغيب إلا هو ) ، فالغيب منطقة حمراء ، لا يمكن الولوج فيها إلا لمن أراد الله له من نبي أو ملك ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتحدث عن خبر سيأتى فى المستقبل البعيد ، أي ما قبل القيامة ، وأثناء القيامة ( تقوم الساعة والروم أكثر الناس ) ، وتلك حقيقة شرعية ، وقدر واقعي ، فالواقع وافق خبر النبي عليه الصلاة والسلام ، فالروم ، وهم الغرب اليوم أكثر الناس عددا وعتادا ، أي كمّا ونوعا ، والجميع يعرف أن سكان أوربا ، وأمريكا ، وأستراليا غالبية رومانية ، ومن هنا أريد اليوم أن أسلّط الضوء على هذا الحديث النبوي الرائع ، والذى يكشف لنا شيئا من المستقبل من جانب ، ومن خلال راوى الحديث ( المستورد القرشي ) والصحابي الداهية ، والذى يعتبر من المفكرين الإستراتيجيتين من الصحابة ( عمر بن العاص ) ، وما جرى بينهما من حوار حضاري ، يكشف لنا بعدا غائبا من أبعاد الصحابة رضوان الله عليهم ، وهو البعد الفكري ، والنظر الإستراتيجي ، والقراءة العميقة لحياة الشعوب ، والرصد الدقيق لما يجرى حولهم من حضارات ، والتحليل العلمي بعد التوصيف ، وعدم تسرّعهم فى قبول الأخبار ، كما أنهم لا يتسرّعون فى ردّ الأخبار ، بل لديهم عقول عظيمة ، من شأنها غربلة الأخبار بمنهجية دقيقة ، ثم يجتهدون فى الشرح والتفسير عبر المعطيات الموجودة عندهم .

أولا : يؤكد الحديث النبوي على أن الساعة تقوم على أكثرية رومانية ، وهذا مما جعل عمرو بن العاص الذى بدأ يغزو مستعمرات الروم ، ويرى أنها فى تراجع عسكري وسياسي ، ومع هذا يسمع من صحابي جليل حديثا مفاده بأن الساعة تقوم والروم أكثر الناس ، وهذا مما جعله يسأل ويتأكد منه قائلا : أبصر ما تقول ، والجمع بين البصر والقول يعنى استخدام العقل فيما يروى الرجل ، والعصر ليس عصر الروم ، بل هو زمن الإسلام ، فكيف يقبل عمرو بن العاص رضي الله عنه هذا الكلام ؟

ثانيا : إن الصحابي المستورد القرشي رضي الله عنه لم يتردد فى الكلام ، بل قال بوضوح أمام عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه يقول ما سمعه من النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، وهذا علم ، والعلم يحب إبلاغه إلى الناس ، ومن هنا توقف الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وقبل الرواية ، ولكنه حاول أن يفهم الحديث فى سياق استراتيجي ليفهم ما الذى جعل القوم يبقون فى التاريخ ، ولا يسقطون ، ويقومون من الكبوات ، ولا يتخلفون عن الركب طويلا ، ولهذا تناول أمورًا أربعة ، ثم تذكر أمرًا خامسا ، فقال : لئن قلت ذلك ، إن فيهم لخصالا أربعًا ، وهذه الخصال التى ذكرها عمرو بن العاص رضي الله عنه تعتبر من مقومات البقاء للأمم ، وعوامل القوة للدول ، فكلما كانت الدولة تملك هذه المقومات فهي أقرب إلى الرشد ، وأجدر على البقاء ، فما هي تلك الخصال والمقومات التى عددها الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه .

ثالثا : قبل أن نتحدث عن الخصال ، والمقومات ، فلا بد من كلمة عن عمرو بن العاص ، من هو ؟ وماذا يملك كشخص قيادي ؟ إنه واحد من دهاة العرب وأذكيائهم ، وواحد من فضلاء الصحابة وفاتحى الدول ، وأحد رجالات الدولة ، فقد قالوا قديما : دهاة العرب أربعة ، عمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه رضي الله عنهم ، وحين طالب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يتحرك عمرو بن العاص لفتح مصر ، أرسل الأخير إلى عمر رضي الله عنه رسالة مفادها ، أن ملك مصر ذكي جدا ، ولكن عمر فاجأه بأن يقول : قد رمينا بأرطبون الروم أرطبون العرب ، يقصد عمرو بن العاص ، وقد كان أرطبون الروم أذهى الناس وأذكاهم ، ولكن عمرو بن العاص كان أذكى منه بكثير ، ولهذا يمكن أن نؤكد بأن عمرو بن العاص من أذكى البشر فى التاريخ ، ومن شروط القيادة الناجحة الذكاء والدهاء معا .
يقال : إن عمر بن الخطاب بقيادته الفائقة ، ومعرفته للرجال ، إذا رأي رجلا يتهته فى كلامه ، وعنده سذاجة كان يقول : سبحان من خلق هذا ، وخلق عمرو بن العاص ، فكان إذا رآه مقبلا يقول : لا يمشى هذا على وجه الأرض إلا أميرًا ، هذا هو عمرو بن العاص رضي الله عنه ، فاتح مصر ومؤسس مدنها ، ودولتها ما بعد الروم .

يتحدث بعد ذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه راصد ومحللا ، وقارئا للتاريخ ، ومتأملا للمستقبل من خلال الحديث النبوي الذى فاجأه بثقله وقوته لأول مرة فى حياته ، ولكنه من خلاله فهم السر ، والرجل تعامل مع الروم وغيرها من الدول طويلا ، وزار المدن الحضارية كثيرا ، وقابل الملوك ، والوزراء ، ويفهم معنى الدول ، وكل ذلك يجعله يصدر أحكاما خطيرة ، ولهذا قال : لئن قلت ذلك ، إن فيهم لخصالا أربعًا :

١- إنهم أحلم الناس عند الفتن ، أي لديهم هدوء غير عادي فى التعامل مع المتغيرات ، ومع الثورات ، ولديهم قوة ضبط للنفس عند الزلازل السياسية والعسكرية ، وتلك كما سوف نرى من خلال الرصد للتاريخ الحديث صفة ظاهرة عندهم .
٢- إنهم أسرع الناس إفاقة عند مصيبة ، أي عندهم قوة المراجعة ، وقراءة الخطط من جديد ، ودراسة الأوضاع ، ومعرفة الثغرات ، والعودة إلى الأمن النفسي ، والمجتمعي بسرعة ، فلا ينتظرون طويلا ، بل يحاولون قراءة التاريخ ، والفرص ، والتحديات ، والعقبات معا ، ولهذا ينجحون فى البقاء فى التاريخ .
٣- إنهم أوشك الناس كرة بعد فرة ، أي يخططون قبل المواجهة دراسة الاحتمالات الممكنة ، ويضعون الخطط البديلة ، ومن وراء كل خطة خطة أخرى ، فهكذا ينجحون فى الخروج من الأزمات .
٤- إنهم خير الناس لمسكين ، ويتيم ، وضعيف ، فهذا كلام رجل خبير ، وليس كلام إنسان ينطلق من العواطف ، ويحدث الناس بما يرغبون كما هو شأن الوعاظ فى هذا الزمن ، فالحديث عن الواقع كما هو كلام العلماء والخبراء ، وذاك أمر سنرى من خلال الأرقام .
٥- ثم تذكّر أمرًا خامسا ، ومهما وصفه ( بالحسن الجميل ) ، إنهم أمنع الناس من ظلم الملوك ، فهذه الحالة تحولت اليوم إلى عمل مؤسساتي ، هناك مؤسسات تدافع عن حقوق الناس من شر السلطات ، ومن طغيان الدول ، وكم كان صادقا أوباما حين قال لرؤساء أفريقيا فى أديس أبابا : ( إن القارة الأفريقية ليست بحاجة إلى زعماء كبار ، بل هي بحاجة إلى مؤسسات كبيرة ) .

نحن اليوم أمام تحليل سياسي ، وقراءة مستقبلية لصحابي موصوف بالدهاء والذكاء ، ولديه عبقرية القيادة ، والرجل يحاول أن يعرف عدوه كما هو ، وليس كما ترغب الجماهير ، فهو يقول كلمته بعد تفكير عميق ، ودراسة جادة ، وليس كلامه صادرا من القلب والعاطفة ، وقراءته أيضا تتميز بالشمولية ، والتوازن ، وهذه من مواصفات القيادة التى تجمع بين العلم والعمل .

لأجل تجلية الموضوع أكثر نتحدث كيف يبدو هذا الوضع الآن فى الغرب ؟ الروم فى هذا الزمن هم الغرب ، كتب الدكتور سليمان بن علي العريني فى جريدة الإقتصادية فى الثانى والعشرين من مارس لعام ٢٠٢٠م بأن عدد الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية محدود مقارنة بالدول الغربية ، فهي تقريبا ( 500 ) جمعية ، بينما تصل فى الولايات المتحدة وحدها ، واحد مليون وخمسمائة ألف جمعية ، وهذا عدد مذهل ، والعمل الخيري تحول فى الغرب إلى شراكة اقتصادية ، وتنموية ، ويسمى اليوم بالقطاع الثالث فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، بل ولديهم جمعيات لكل مشكلة ، وجيوش من المتطوعين فى مواجهة الكوارث الطبيعية والاجتماعية ، وعندهم مراكز متخصصة فى دراسة المشكلات ، فالعمل الخيري عندهم ليس عملا إنسانيا فقط ، بل هو عمل لأجل التنمية ، وكلام عمرو بن العاص رضي الله عنه تحول إلى مؤسسات عملاقة ، تتحدث بعض التقارير بأن جمعية السرطان الأمريكية يتطوع فيها أكثر من مليوني شخص ، وفى فرنسا تجد تخصصات للعمل الخيري ، هناك منظمة أطباء بلا حدود ، وجمعية فرنسا أرض اللجوء ، وجمعية السلام وغيرها ، وهكذا ينتشر الفكر التطوعي فى الغرب من طول البلاد وعرضها .

إن التفكير الاستراتيجي فى الغرب قوي جدا ، ولهذا نجد اليوم الحديث الجاد عن لماذا خرجت القوات الأميركية من أفغانستان ؟ هل هو خروج انسحاب ، أم هو خروج هزيمة ؟ وليس عندهم عنتريات العرب والمسلمين فى زمن عبد الناصر ، ولا فى زمن صدام حسين ، بل عندهم النقد القوي ، والصراحة ، وعندهم مئات من المفكرين يقررون بأن أمريكا انهزمت ، ومن الخير أم نعترف الحقيقة لنصحح الوضع ، بل حتى الجنود الذين عملوا فى الجيش يتكلمون بصدق ، ويواجهون الحكومة الاميركية بالحقائق .

هل نعلم ، كيف خرج الامريكيون عن الكساد الكبير فى بداية القرن العشرين ؟ وكيف خرجوا من الكساد الكبير فى بداية القرن الواحد والعشرين ؟ وكيف وضع الغرب خطة جورج مارشال المعروفة ( بخطة مارشال ) فى نهاية الحرب العالمية الثانية ؟ وكيف نجحت أوروبا مع أمريكا فى وضع خطة عمل فى إعادة المعافاة لاقتصادها بعد الحرب فى غضون أربعة أعوام ؟ كيف خرجت أوروبا من نتائج الحروب الكارثية بمشروع ( برنامج الانتعاش الأوروبي ) ؟ كيف أصبحت ألمانيا التى انهزمت فى الحرب ، وعانت الويلات ، وكان من نتائج الحرب عليها وحدها ( 12 ) مليون لاجئ أن تكون أقوى اقتصاديات العالم اليوم ؟

نحن اليوم نحتاج إلى قراءة خلدونية للتاريخ ، وفهم للأوضاع ، ودراسة للحياة ، وقرار للعودة إلى صناعتها من جديد ، فكل ذلك يتطلب منا تغييرا فى الفكر ، وعودة إلى الذات من جديد لأجل بداية صحيحة ما بعد تعثر الربيع العربي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock