السياسةالعمل والمستجدات

هل يمكن للجيل المسلم الاستفادة من فكر الشيخ عبدالسلام ياسين ؟ عبد الرحمن بشير الحلقة الأولى وقفات مع كتاب ( المنهاج النبوي : تربية وتنظيما وزحفا )

هل يمكن للجيل المسلم الاستفادة من فكر الشيخ عبدالسلام ياسين ؟ عبد الرحمن بشير الحلقة الأولى
وقفات مع كتاب ( المنهاج النبوي : تربية وتنظيما وزحفا )
………………………. …………………………………………………
لقد قرأت كتابا للشيخ المربي القدير ، والعالم الرباني الكبير ، الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله مؤسس جماعة العدل والإحسان فى المغرب ، وهي كبرى الحركات الإسلامية فى المغرب ، فالكتاب هو ( المنهاج النبوي : تربية وتنظيما وزحفا ) ، ويحاول فيه الشيخ رحمه الله شرح منهاج النبوة فى التغيير ، والبناء ، ويتحدث بشكل واضح عن كيفية إخراج الأمة من الجهل والتخلف بالتربية ، ويتناول فى الكتاب شرعية التنظيم ، وضرورته فى هذا الزمن ، وفى كل زمن ، واختيار الرجال ( من الذكور والإناث ) لأجل صناعة التغيير ، والزحف نحو الحياة بشكل منهاجي ، مستخدما لنظام ( القومة ) بدل ( الثورة ) ، وكل ذلك يتطلب قراءة الوحي بعقل فقهي وأصولي ، وإعداد الجيل الرباني الذى يفهم الدين ، والواقع ، ويستعد للمستقبل ، ولا يكون جزءا من الواقع المريض ، بل يحاول أن يصحح الواقع بالمنهاج النبوي .

يطرح الشيخ أسئلة محورية حول قضية مهمة : كيف نربي الإيمان فى القلوب ؟ وعلم الجهاد فى العقول ؟ وكيف يتم اقتحام العقبات المبثوثة فى الحياة ؟ كيف تنجح الجماعة فى اقناع الإنسان فى هذا الزمن أن يلتزم بالدين عقيدة ومنهاجا ، فكرا وسلوكا ؟ وكيف يتحول الإنسان من خلال التربية الروحانية العميقة من شخص إلى كائن يقبل أن يعمل فى منظومة متكاملة ، كل واحد منها يؤدى فيها دورا فى فى الإلتزام الإسلامي الإيماني الإحساني ؟

لقد قدّم الشيخ فى الكتاب منهجا تربويا ، تناول فيه مفردات تربوية وفكرية نوعية ، كلها تحتاج إلى قراءة خاصة وعميقة ، تحدث عن فكرة ( الأعرابية ) ، وهي قراءة مجتمع الأعراب حول المدينة ودورهم فى إعاقة المشروع الدعوي ، وتنزيل هذا القراءة فى واقعنا المعاصر ، وتحدث كذلك عن ( مراتب جند الله ) ، والمؤمن الشاهد بالقسط ، والتربية المستقبلية ، والنظام الأسري فى جماعته ، ودور الحلقات فى المساجد فى التربية ، وما سمّاه ( الأسابيع الثقافية الإسلامية ) ، وتربية الشباب ، وتربية المؤمنات ، وفقه الواقع والاختصاصات ، وعمل اليوم والليلة، وتوازن التربية ، وشروط التربية ، وكل ذلك بأسلوب مبسط ، وإيماني .

رأيت الرجل يستفيد من قراءته كتب العلماء والمفكرين ، وخاصة للذين يملكون مشروعا تغييريا ، فهو يدعو إلى قراءة رسائل ( البنا ) وكتب ( المودودي ) ، كما يدعو إلى قراءة كتب الدكتور ( محمد سعيد رمضان البوطي ) ، وكتب المفكر ( سيد قطب ) ، ويجعل من الكتب التربوية كتاب ( حياة الصحابة ) للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي ، ويركز كذلك فى قراءة كتاب ( الأذكار ) للنووي ، وكتاب ( زاد المعاد ) لابن القيم الجوزية ، وفى الجانب الآخر يدعو إلى قراءة ودراسة كتاب ( قوت القلوب ) لأبى طالب المكي ، وكتاب ( إحياء علوم الدين ) للغزالي ، والرجل أيضا ذكر الإستفادة من كتب الشيخ القرضاوي ، والشيخ أبو الحسن الندوي ، وخاصة كتابه القيم ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) .

لقد ناقش الرجل الخلل الموجود فى التنظيمات ، ووجد بأنها تعود إلى خلل فى التربية ، ومن ثم ينتج منها الفشل فى الحياة والجهاد ، فالنجاح يعود إلى متانة التنظيم ، ومتانة التنظيم يعود إلى نوعية الرجال ، ونوعية الرجال سببه يعود إلى القوة فى الإعداد والتربية ، ولهذا يؤكد الرجل الخبير فى التربية الإيمانية وجود شروط ثلاثة لنجاح التنظيم إسلاميا ، فلا بد من الصحبة والجماعة أولا ، والذكر والتقوى ثانيا ، والصدق الحقيقي مع الله ، ومع النفس ، ومع الناس ثالثا ، لأن المهمة شاقة واستثنائية وخطيرة .

نريد أن نقرأ فكر هذا الرجل ، فالرجل ليس درويشا من الدراويش ، وليس صعلوكا دينيا كما قال البعض من الناس يوما ما ، فالرجل لديه رؤية خاصة ، وقراءة ذاتية ، وعنده تأمل عميق مع النصوص ، ووقفات فى السيرة النبوية ، ودراسات غير عادية فى حياة المصلحين من الأمة قديما وحديثا ، ونحتاج إلى قراءة منهاجه فى لحظة تراجع الإسلام السياسي ، وخاصة فى المغرب لنعرف بأن الحركة الإسلامية فى هذه البلاد ليست نسخة واحدة ، بل هناك أكثر من نسخة ، وأكثر من تجربة ، وفى كل تجربة روعة ، ولكن المعاصرة فى بعض الإخوان مشكلة ، وقد صدق من قال : المعاصرة حجاب .

سيكون لنا وقفات أخرى مع هذا الكتاب ، ومع هذا الإنسان العظيم ، الذى ظل يقاوم الانحراف بالقوة ، والجبروت بالإيمان ، والشهوة بالتربية ، ولم يستسلم حتى الرمق الأخير من حياته ، فقد سجن وعذب ، ولكنه بقي صامدا ، والرجل يجمع فى مشروعه الإيمان والعمل ، والتربية والمشروع ، والفكر والتخطيط ، وفى تجربته السياسة والدعوة ، ولكن بأسلوب آخر ، فهو أيضا صوفي بلا خرافات ، وعقلاني بلا تكبّر ، وحركي يسعى لتمكين الدين ، وسياسي يرفض الظلم ، وهو إمام فى الدين ، ومنظر فى التنظيم ، وفقيه فى الدعوة .

فى المغرب تديّن سياسي رسمي ، وآخر تقليدي ، وثالث سلفي ، ورابع صوفي ، وخامس حركي ، وسادس يحاول الجمع بين كل هذه المنظومة باحثا الحقيقة فى هذا كله ، فالمهمة ليس عادية كما يحسب البعض ، ولكنها ليست كذلك مستحيلة ، فالكبار يعملون بهمّة غير عادية ، ومن هؤلاء ذلك الشيخ الجبل عبد السلام ياسين رحمه الله ، وترك من وراءه جماعة كبيرة ، وميراثا شرعيا ، وفقها دعويا ، ونظاما تربويا ، رحم الله الشيخ ، وجعل الناس من بعده يستفيدون من هذه الثروة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock