السياسةالعمل والمستجدات

كيف نفهم الحياة ؟ عبد الرحمن بشير

كيف نفهم الحياة ؟ عبد الرحمن بشير
………………………. …………………
يقولون : الأوطان أبقى من الأشخاص ، والمبادئ أهم من المواقف ، والقيم أعلى مكانة من الجماعات والحركات والأحزاب ، ولكن الناس فى غالب الأحيان لا يخرجون من هذه العوالم الثلاثة ، من عالم الأشخاص ، ومن عالم المواقف ، ومن عالم الجماعات والأحزاب ، وينسون ، أو لا يعطون الأهمية الكبيرة للأوطان ، والمبادئ ، والقيم .

يقولون : الإنسان أهم من الوطن ، والفكرة أعز من السياسة ، ومصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الفرد ، ولكن حين التطبيق ، فالحجر والشجر ( الوطن ) مقدم على الإنسان ، والسياسة أعز وأهم من الفكرة ، والفرد حين يكون زعيم قوم مقدم على مصلحة الناس جميعا ، فالناس يموتون لمصلحة فرد يريد أن يصل إلى الحكم ، أو يبقى فى الحكم لآماد بعيدة ، ولهذا فالشعوب عندنا تعيش فى مرحلة اختلالات الميزان .

يقولون : الإنسان روح ومادة ، ولكن عند التطبيق فالإنسان مادة لا روح فيه ، ويقولون : الإنسان عقل وجسد ، ولكن عند الفعل ، فالإنسان جسد لا عقل له ، ويقولون : الحياة دنيا وآخرة ، ولكن عند التطبيق ، فالحياة دنيا لا آخرة معها ، ويقولون : الإسلام دين ودنيا ، ولكن عند التنفيذ ، فالحياة دنيا لا دين معه ، نحن نحسن طرح النظريات ، ونفشل طرح التطبيق العملي .

يقولون : الإسلام منهج كامل ، ولكن عند التطبيق ، فالإسلام شعائر فقط ، ويقولون : الإسلام رحمة وقوة ، ولكن عند التطبيق ، فالحكم قوة لا رحمة معه ، ويقولون : فى الإسلام عقيدة وحضارة ، ولكن عند التطبيق ، لا نجد إلا العقيدة ، فلا حضارة للمسلمين ، نحن نحسن فعل الأسهل ، ونخاف فعل الأصعب .

يقولون : أراد الله للمسلم أن يكون صالحا ومصلحا ، فعند التطبيق ، فلا وجود للمصلح فى حياة المسلمين ، فهم دوما إما صالحون ، أو فاسدون ، والقيادة الفكرية أو السياسية تكون للمصلحين ، وتكمن مشكلتنا فى قلة المصلحين ، أو عدم وجودهم .

يقولون : الغرب فاسد ، والمسلمون هم البديل ، وعند النظر والتحقيق ، فلا يملك المسلمون اليوم مشروع البديل ، وليس الغرب كله فاسدا ، بل لا يصلح للفساد أن يكون قائدا ، ولهذا ما زال الغرب يملك معايير النجاح ، وما زال المسلمون ينجحون فى صناعة الفشل .

يقولون : نحن كمسلمين نحب الله ورسوله ، ولكن عند النظر والتحقيق ، لا وجود لهذا الإدّعاء فى حياة المسلمين ، فالحب عاطفة ، ولكن العاطفة لا تبقى فقط فى الوجدان ، بل تتحول إلى طاقة ، والطاقة تتحول إلى قوة فعل ، ولهذا لا نجد جسرا حقيقيا بين العاطفة كحالة وجدانية وبين السلوك كحالة واقعية .

هناك مسافة بين القول والفعل ، فالقول يحتاج إلى فكرة حتى يكون صوابا ، والفكرة تحتاج إلى بلورة حتى تكون مشروعا ، والمشروع يتطلب إلى وجود قوة تحوله إلى واقع ، ولهذا قال تعالى لبنى إسرائيل : ( أتأمرون الناس بالبر ، وتنسون أنفسكم ، وأنتم تتلون الكتاب ، أفلا تعقلون ) ، ليس من الصواب أن يأمر الإنسان البر ، ويدعو إليه ، ويفتخر به ، ويجعله محور حياته وحياة الآخرين ، ثم لا وجود لهذا البر فى حياة الدعاة ، فهذا يصنع النفاق ، ولهذا كانت الآية فى آخرها تساؤلا غريبا ( أفلا تعقلون ) .

إن المسلمين اليوم يحتاجون إلى صناعة ( الفكرة ) الصائبة ، والتى تنطلق من الوحي ، ولديها قوة فى جانبين ( الصواب ، والصلاحية ) فليست كل فكرة صائبة لها صلاحية ، وليست كل فكرة لديها صلاحية صائبة ، ولهذا لا بد من إعمال العقل لإنتاج الفكرة ، والفكرة التى لا تتحول إلى مشروع وعمل تبلى وتشيخ ، وتنتهى صلاحيتها مع الزمن ، ومن هنا فلا بد من تحويل الفكرة إلى مشروع ، وحين تتحول الفكرة إلى مشروع ، ويتحول المشروع إلى برامج عملية ، حينها نبدأ التقييم العملي والفكري ، وهكذا ينطلق العقل للإنتاج المستمر ، وتكون العلاقة بين النظري والتطبيق جيدة ، فلا تقدم للأفكار إلا إذا كان العمل رائدها ، ولا تقدم للأعمال بدون إنتاج جيد فى عالم النظريات .

إن مشكلة الدعاة والحركات ليست فى القلوب ، فهم فى الغالب أرق الناس قلوبا ، ولكنها فى العقول ، فهم يهتمون فى الغالب فى تدريس جانبين من الحياة ، فى الجانب الديني ( المحض ) ، أو فى الجانب العلمي ( البحت ) ، لديهم جيوش من الوعاظ ، وجيوش من التقنيين، من الاطباء والمهندسين ، ولكنهم لا يملكون ما يكفى من الفلاسفة والمفكرين والخبراء فى عالم الفكر والسياسية والاقتصاد والاجتماع ، ولهذا كما ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل قد يفشلون فى قيادات الناس والدول والشعوب .

إن القوة الناعمة ضرورة لقيادة الناس ، ولكن الاستمرار على القيادة يتطلب وجود ( القوة الخشنة ) ، فلا يمكن لحركة دعوية وفكرية ولا لحزب سياسي قيادة الحياة بدون وجود ( الكتلة الحرجة ) ، والكتلة الحرجة تعنى ( الشوكة ) عند ابن تيمية ، أو ( العصبية ) عند ابن خلدون ، وصناعة ذلك يحتاج إلى فهم الحياة كما هي ، ورأيت ذلك واضحا فى قوله تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock